خطيب الجامع الأزهر: التفكر في آلاء الله عبادة قلبية تحيي الإيمان

ألقى خطبة الجمعة اليوم بالجامع الأزهر، د. إبراهيم الهدهد، رئيس جامعة الأزهر الأسبق، وتناولت تفسير قول الحق تعالى: "إن في ذلك لآيات لقوم يتفكرون"، موضحا أن كثيرا من العبادات قد تغيب عن حياة المؤمن، رغم أن العبادة لا تقتصر على أعمال الجوارح، وإنما تشمل عبادات القلب التي يرتقي بها الإنسان في مدارج الإيمان والإحسان.

وبيّن أن الإسلام غير الإيمان، فالإسلام مرتبة من مراتب التدين، بينما الإيمان مرتبة أعلى، والإحسان ذروة المراتب كلها، فالإسلام يرتبط بعبادات الجوارح، كالصلاة والصيام والحج، بينما الإيمان عبادة قلبية تقوم على اليقين الخالص الذي يستقر في القلب ويحرك جوارح الإنسان نحو الطاعة والإخلاص لله تعالى، مؤكدا أن الإيمان الحقيقي ليس مجرد أقوال ظاهرة، وإنما هو يقين يستقر في الصدر، فيحيط القلب بمعرفة الله ومحبته، ويجعل صاحبه مطمئنا بذكره، مخلصا له في السر والعلن، بعيدا عن الرياء، بينما الإحسان هو مقام العبادة الروحية وذروتها، وفيه يعبد العبد ربه كأنه يراه، فإن لم يكن يراه فإنه يعلم أن الله سبحانه يراه، فتتحول الطاعة إلى انعكاس لصفاء القلب وحضور اليقين ومراقبة الله في كل حركة وسكون.

وقال فضيلة الدكتور إبراهيم الهدهد إن المتدبر في كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، وحياة الصحابة والتابعين، يدرك أن التفكر ينبغي أن يكون عبادة حاضرة في حياة المسلم، لافتا إلى قول الله تعالى: "وفي أنفسكم أفلا تبصرون"، موضحا أن البصر المقصود هنا يتجاوز مجرد النظر بالعين إلى البصيرة القلبية التي تدرك آيات الله وتتعرف إلى عظمته من خلال التأمل والتدبر، مشيرا إلى أن القرآن الكريم أثبت للكافرين النظر، ونفى عنهم البصيرة، في قوله تعالى: “وتراهم ينظرون إليك وهم لا يبصرون”.

وكشف عن أن المسلم مطالب بأن يتفكر في آلاء الله وملكوته، وفي نفسه، وتقلب الليل والنهار، وخلق السماوات والأرض، وآثار الأمم السابقة، وأن ينظر إلى ما حوله باعتباره مجالا للتأمل في قدرة الخالق وحكمته، فالله تعالى يخاطب عباده في آيات كثيرة داعيا إياهم إلى النظر والتبصر والتفكر، وفي ذلك عبادة تهذب الإنسان وتدفعه إلى معرفة ربه وشكره.

وأضاف خطيب الجامع الأزهر أن النبي صلى الله عليه وسلم وجه إلى التفكر في آلاء الله وآيات قدرته، فقال: "تفكروا في آلاء الله، ولا تتفكروا في الله"، مؤكدا أن الحديث يبين للإنسان مجال التفكر الذي ينفعه ويرشده إلى معرفة عظمة الخالق من خلال آثاره وآياته في الكون والنفس والحياة، دون الخوض في ذات الله سبحانه وتعالى، موضحا أن الأمة لو انشغلت بالتفكر في آلاء الله وآياته، ولم تنشغل بما يثير الخلاف والنزاع، لما تفرقت وتنازعت، لأن التفكر الصحيح ينقل الإنسان من ضيق النظر إلى سعة التأمل في ملكوت الله وعظيم صنعه.

واستشهد بما جاء في سورة الشعراء من حوار موسى عليه السلام مع فرعون، حين قال فرعون: "وما رب العالمين"، فجاءه الرد من نبي الله موسى عليه السلام: "رب السماوات والأرض وما بينهما إن كنتم موقنين"، فانتقل الحوار بفرعون من حدود الملك المادي الضيق إلى آفاق التفكر في ملكوت الخالق الأعظم، الذي أحسن كل شيء خلقه.

وأكد أ.د. إبراهيم الهدهد أن التفكر في نعم الله وآلائه ليس أمرا هامشيا في حياة المؤمن، وإنما هو سبيل لاستحضار عظمة الله وتجديد الصلة به، مستشهدا بما روي عن أم ذر رضي الله عنها حين سئلت عن أكثر عبادة أبي ذر رضي الله عنه، فقالت: “كان النهار أجمع خاليا يتفكر”.

وأشار إلى أن هذا المعنى يتجلى كذلك في حال النبي صلى الله عليه وسلم وقيامه وعبادته، حين قالت عائشة رضي الله عنها إنه قام يصلي ويبكي حتى بل حجره ولحيته والأرض من دموعه، فلما سئل عن ذلك قال: "أفلا أكون عبدا شكورا؟"، ثم ذكر نزول قوله تعالى: "إن في خلق السماوات والأرض واختلاف الليل والنهار لآيات لأولي الألباب"، مؤكدا أن العبادة الحقيقية لا تنفصل عن التفكر الذي يوقظ القلب ويقوده إلى الشكر والخشوع، ويجعل المؤمن أكثر وعيا بحقيقة الدنيا والاستعداد للقاء الله، فلا تستغرقه متعها ولا تصرفه عن الغاية التي خلق من أجلها، مستشهدا بقول النبي صلى الله عليه وسلم: "لا تزول قدما عبد يوم القيامة حتى يسأل عن عمره فيم أفناه، وعن علمه فيم فعل فيه، وعن ماله من أين اكتسبه وفيم أنفقه، وعن جسمه فيم أبلاه".

وأوضح خطيب الجامع الأزهر أن المؤمن ينبغي أن يكون مشغولا بربه في جميع حركاته وسكناته، مستحضرا نعم الله ومتدبرا آلاءه، وهو ما يربي عليه القرآن الكريم من خلال دعوة الإنسان إلى التأمل في كل ما حوله، قال تعالى: "فلينظر الإنسان إلى طعامه"، موضحا أن هذه الآية تدعو إلى التأمل في قدرة الله وعظيم صنعه، وكيف يخرج الطعام من الأرض بعد موتها، وينبت فيها شتى أنواع الزرع والثمار، كما تذكر الإنسان بنعم الله الظاهرة والباطنة، وتربطه بأصل خلقه وغذائه، حتى يظل قلبه متعلقا بخالقه ومستحضرا لعظمته في كل ما يتناوله، مشيرا إلى أن التفكر بهذا المعنى يجعل الإنسان يرى آيات الله في تفاصيل حياته اليومية، في الطعام والشراب، وفي تسخير الشمس والقمر، والبر والبحر، والدواب وسائر المخلوقات، فيتحول الكون من مجرد مشاهد مألوفة إلى آيات تدعو القلب إلى الشكر والتعظيم.

وأشار خطيب الجامع الأزهر إلى أن المخلوقات والدواب تسبح بحمد ربها ولا تخرج عن حدود ما أمرها الله به، بينما قد ينشغل الإنس والجن عن هذه الحقيقة بسبب الشهوات ووساوس الشيطان والنفس، مؤكدا أن ذكر الله لا يعني مجرد تحريك اللسان بالألفاظ، وإنما يعني حضور الله في القلب واستحضاره في كل ما ينظر إليه الإنسان ويتدبره، موضحا أن المؤمن إذا أحيا هذه العبادة في قلبه أصبح أكثر مراقبة لله في أقواله وأفعاله، فلا تمتد يده إلى الحرام، ولا تنظر عينه إلى ما يغضب الله، ولا يتحول العلم إلى مجرد معرفة نظرية، بل يصبح سلوكا وأثرا في الحياة، لأن حضور الله في القلب هو الذي يضبط الجوارح ويمنح الإنسان القدرة على مقاومة الشهوات والانحرافات، ويجعله أكثر حرصا على أن تكون حركاته وسكناته في طاعة الله.

واختتم أ.د. إبراهيم الهدهد خطبته بالدعاء بأن يشرح الله صدور عباده لطاعته، ويملأ قلوبهم بذكره، وأن يرزقهم حسن التفكر والتدبر، مؤكدا أن الكون كله ميدان للتعرف إلى عظمة الخالق، وأن المؤمن مطالب بأن يحسب كل ساعة من عمره للقاء الله، لافتا إلى أن هذا هو حال النبي صلى الله عليه وسلم ومن سبقه من الأنبياء، وأن من معاني التعبد قبل البعثة ما كان من خلوة النبي صلى الله عليه وسلم في غار حراء، داعيا إلى تدبر القرآن الكريم أثناء التلاوة والصلاة، لما للتدبر من أثر في إحياء القلوب وتقوية صلة العبد بربه، موضحا أن تدبر القرآن ينقل اللفظ من مجرد ترديد على اللسان إلى معايشة حقيقية للمعاني والتشريعات، ويفتح بصيرة المؤمن للتفكر في عظمة الآيات، فتخشع الجوارح وتطمئن النفوس، وتتحول الصلاة والتلاوة إلى تجربة إيمانية عميقة تعزز الخشوع والإخلاص، وتعيد للعبادة أثرها الحقيقي في سلوك الإنسان وحياته.