الاتفاق الذي أعلنه الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، حول نزع السلاح في قطاع غزة، يمثل خطوة مهمة، من دون شك، على طريق إنهاء الحرب التي شارفت على إنهاء عامها الثالث، بكل ما حملته من كوارث ومآسٍ إنسانية لسكان القطاع، وفتح مسار سياسي ينهي عقوداً من الصراع، ويستعيد الحقوق الفلسطينية، ويعيد الأمن والاستقرار للمنطقة.لم يكن الاتفاق، الذي وصفه الرئيس ترامب بالتاريخي، ولقي ترحيباً عربياً وأممياً ودولياً، وليد الصدفة، وإنما جاء ثمرة مفاوضات مضنية خاضها «مجلس السلام» والوسطاء، على مدى الأشهر الماضية، لوضع خطة الرئيس ترامب بشأن غزة موضع التطبيق الفعلي. وفي المقدمة إنهاء حالة الشلل التي تسيدت اتفاق وقف إطلاق النار منذ توقيعه في شرم الشيخ قبل ما يقرب من عام، والذي ظل عالقاً في المسافة الفاصلة بين مرحلتيه الأولى والثانية بسبب الاستحقاقات المترتبة على طرفي الصراع، وهي استحقاقات ظلت تتمحور حول نقطتين أساسيتين: نزع السلاح والانسحاب الإسرائيلي من القطاع، علاوة على عدم الالتزام بإدخال المساعدات والبروتوكول الإنساني وخروقات وقف إطلاق النار التي دفع ثمنها مئات الضحايا الفلسطينيين منذ ذلك الوقت.تكمن أهمية التوصل إلى الاتفاق في أنه يزيح جانباً واحدة من أهم العراقيل التي كانت تعترض الانتقال للمرحلة الثانية من «خطة غزة»، وتفتح الطريق أمام دخول لجنة الإدارة الوطنية لتولي مهامها في القطاع، ونشر قوة الاستقرار الدولية، والبدء في إعادة الإعمار. ومن شأن ذلك، كما هو مأمول، أن يمهد الطريق أمام تسوية سياسية عادلة ودائمة على أساس حل الدولتين، ويحقق الأمن والاستقرار والازدهار لشعوب المنطقة كافة.لكن بقدر ما يمثل هذا الاتفاق إنجازاً للدبلوماسية الأمريكية، ولجهود الوسطاء، فإنه يضع هذه الأطراف مجتمعة أمام اختبار حقيقي لجهة التغلب على العراقيل وتبديد الشكوك حول الأولويات والاشتراطات التي تلوح في الأفق، إذ إن استمرار السجال حول نزع السلاح أولاً أو الانسحاب الإسرائيلي، على الرغم من وجود جدول زمني ينظم سحب السلاح التدريجي مقابل الانسحاب التدريجي، قد يتحول إلى نوع من المماطلة التي تفرّغ الاتفاق من مضمونه في نهاية المطاف. وقد تصبح الأمور أكثر تعقيداً في ظل الضغوط التي تأتي من هنا وهناك، ودخول معارضي الاتفاق على خط العرقلة في ظل انتخابات إسرائيلية باتت على الأبواب، ما يصعب إمكانية التنفيذ، مع انشغال الإدارة الأمريكية بكيفية التعامل مع التوتر الإقليمي المتصاعد في المنطقة.تظل إمكانية نجاح الاتفاق ووضعه موضع التنفيذ رهن المتابعة الدقيقة، من جانب الإدارة الأمريكية أولاً، والوسطاء ثانياً، وقدرتهم على ممارسة ضغوط متواصلة تمنع الانزلاق نحو التصعيد أو العودة إلى الوضع السابق، إذ إن المنطقة لا تزال مفتوحة على كل الاحتمالات، وأي تفصيلة صغيرة، في ظل الشكوك وانعدام الثقة بين طرفي الصراع، يمكن أن تؤدي إلى العرقلة وإعادة الجميع إلى المربع الأول، وإذا كان الشيطان يكمن في التفاصيل، فإن العبرة تكمن في التنفيذ من دون شك.