تبدو الهوية، حين تدخل الأمم منعطفاتها الكبرى، أكثر من كلمة تتردد في الخطب، وأوسع من تعريف يرد في الكتب، وأعمق من حدود ترسمها الخرائط. إنها الذاكرة حين تستيقظ، والوعي حين يراجع نفسه، والإرادة حين تبحث عن صورتها المقبلة. ومن هذا الباب تبرز المملكة العربية السعودية باعتبارها واحدة من أكثر التجارب العربية ثراءً في إعادة صياغة سؤال الذات في العصر الحديث، إذ انتقلت خلال عقود قليلة من مجتمع مشغول بحراسة الخصوصية إلى مجتمع يصوغ خصوصيته بثقة، ومن خطاب دفاعي يخشى الذوبان إلى خطاب مبادر يشارك في تشكيل العالم من حوله.
الهوية السعودية لم تنشأ فجأة، ولم تكن طارئة على المكان أو وليدة ظرف عابر. إنها حصيلة مسار تاريخي طويل بدأ مع الدولة السعودية الأولى في الدرعية، حين تشكل لأول مرة مركز سياسي جامع في فضاء كانت تتوزع فيه الولاءات بين قبائل وأقاليم وجماعات متناثرة. قبل ذلك التاريخ كان الإنسان في الجزيرة العربية يعرف نفسه من خلال الدائرة الصغرى: القبيلة، القرية، الأسرة، أو المجال الجغرافي المحدود. ومع قيام الدولة ظهر معنى جديد للانتماء، معنى يربط الفرد بكيان أكبر، يمتلك شرعية، ويحمل رؤية، ويوفر أمناً واستقراراً واستمرارية.
ومنذ تلك اللحظة الأولى تشكلت ملامح الهوية السعودية من ثلاثة ينابيع كبرى: الإسلام الذي وفر الإطار القيمي والأخلاقي، والعروبة التي منحت اللسان والثقافة والامتداد الحضاري، والخصوصية المحلية التي صاغتها البيئة وتقاليد الناس وتجاربهم عبر القرون. هذا المزيج لم يكن تركيباً نظرياً، بل خبرة معيشة تجلت في أنماط الحياة، وفي علاقة الإنسان بالمكان، وفي معنى الشرف والوفاء والكرم والعمل والصبر.
ثم جاء مشروع التوحيد على يد الملك عبد العزيز، فانتقلت الهوية من طور التكوين الأول إلى طور الدولة الحديثة. مناطق متباعدة صارت جسداً واحداً، ومجتمعات متعددة صارت تشترك في سردية وطنية جامعة، والإحساس بالمصير المشترك أخذ يترسخ مع الأمن والإدارة والقضاء وتوسع العمران. كان التوحيد إعادة بناء للوعي العام، إذ صار المواطن يدرك أنه جزء من وطن يتجاوز حدود العصبية المحلية، ويمنحه مكاناً في تاريخ أكبر من تاريخ الجماعة الصغيرة.
ومع الطفرة النفطية دخلت المملكة زمن التحولات المتسارعة. المدن اتسعت، والتعليم تمدد، والثروة غيرت أنماط العيش، والعالم صار أقرب من أي وقت مضى. وفي مثل هذه اللحظات تنشأ بطبيعتها مخاوف على الهوية، لأن المجتمع حين ينتقل سريعاً من طور إلى طور يشعر بالحاجة إلى حماية صورته الأصلية. وهكذا ظهر خطاب محافظ شدد على البعد الديني، ومال إلى الحذر من الفنون، والريبة من المختلف، والتخوف من الحداثة الثقافية. كان ذلك تعبيراً مبكراً عن قلق تاريخي أكثر من كونه حقيقة نهائية.
غير أن المجتمعات الحية لا تتوقف عند مرحلة الخوف. ومع تراكم الخبرة، وظهور أجيال جديدة، واتساع التعليم، وتغير الاقتصاد، بدأ المجتمع السعودي يبحث عن تعريف أوسع للذات، تعريف يجمع بين الجذور والآفاق، ويحول الهوية من عبء يحتاج إلى حراسة دائمة إلى طاقة قادرة على الإنتاج والتجدد.
ومن هنا جاءت رؤية 2030 باعتبارها لحظة فارقة في التاريخ السعودي المعاصر. الرؤية لم تكن برنامجاً اقتصادياً فقط، بل كانت أيضاً مشروعاً ثقافياً لإعادة تعريف الإنسان السعودي. انتقلت المملكة من سؤال: كيف نحمي أنفسنا من العالم؟ إلى سؤال: كيف ندخل العالم ونحن أكثر ثقة بأنفسنا؟ وهذا الانتقال هو جوهر التحول الذاتي.
في هذه المرحلة عاد التاريخ إلى الواجهة بصورة جديدة. يوم التأسيس لم يكن مجرد مناسبة وطنية، بل إعلاناً بأن الدولة السعودية تمتلك جذوراً ضاربة في الزمن، وأن الحاضر ليس صفحة منفصلة عن الماضي. وتطوير الدرعية والعلا ومدائن صالح وجدة التاريخية لم تكن عمليات ترميم عمراني فحسب، بل ترميم للذاكرة نفسها. حين يرى المواطن تاريخ بلاده متجسداً أمامه، يشعر أن انتماءه ممتد، وأن وطنه ليس وليد النفط، بل ثمرة قرون من الكفاح والتراكم.
هذا التأصيل التاريخي منح الهوية صلابة جديدة. الأمم التي تعرف جذورها لا ترتبك أمام رياح العولمة، لأنها تمتلك مرساة داخلية. ولهذا تحولت الهوية السعودية من حالة دفاعية إلى حالة واثقة، قادرة على استقبال التكنولوجيا والفنون والاقتصاد الجديد من دون خوف على جوهرها.
ومن أبرز سمات المرحلة الجديدة انتقال الوطن إلى مركز الانتماء النهائي. بعد عقود كانت فيها بعض الأيديولوجيات العابرة للحدود تنافس الدولة الوطنية على الولاء الرمزي، أصبح واضحاً أن الدولة السعودية هي الإطار الواقعي الذي يحمي الحقوق، ويوفر الأمن، ويخلق الفرص، ويصون الكرامة. ومن هنا اكتسبت فكرة «السعودية أولاً» معناها العميق: الوطن ليس شعاراً، بل المجال الوحيد الذي تتحقق فيه حياة الناس بصورة ملموسة.
هذا التمركز الوطني لم يلغِ الإسلام أو العروبة، وإنما أعاد ترتيبهما داخل نسق متوازن. الإسلام ظل روح القيم، والعروبة بقيت الامتداد اللغوي والثقافي، بينما صار الوطن هو مساحة الفعل والمسؤولية. وهكذا لم تعد الدوائر الهوياتية متصارعة، بل متكاملة.
ظهرت «السعودة الثقافية»، أي جعل الخبرة السعودية الخاصة مركزاً لإنتاج المعنى. ليس المقصود انغلاقاً على الذات، وإنما أن ينطلق المجتمع من تاريخه ولغته وتجربته في قراءة العالم. ولهذا عاد الاعتزاز بالتفاصيل المحلية: العرضة، السامري، الخطوة، الأزياء التقليدية، المطبخ المتنوع، اللهجات المختلفة، العمارة المحلية، الحرف القديمة. كل ذلك خرج من الهامش إلى قلب المشهد الوطني، لأن الأمم الواثقة تعرف أن الجمال يبدأ من خصوصيتها.
وفي النظرة إلى الآخر حدث تحول لافت. فبعد سنوات من التوجس، دخلت المملكة مرحلة الحوار والشراكة. السياحة العالمية، الفعاليات الدولية، الحضور الثقافي، الاستثمارات العابرة للقارات، كل ذلك يعكس فلسفة جديدة قوامها الثقة بالذات. الهوية القوية لا تخشى اللقاء، بل تنمو عبره. ومن هنا صار السعودي الجديد أكثر قدرة على الحركة في العالم: يدرس في الخارج، يعمل في الشركات الكبرى، يتحدث لغات متعددة، ويتعامل مع الثقافات المختلفة، من دون أن يشعر أنه يفقد نفسه.
هذا التحول أنتج صيغة جديدة يمكن تسميتها «الهوية الثنائية للغة». فالإنجليزية وسيلة للتواصل والمعرفة والمنافسة، والعربية جذر الوجدان والفكر والذاكرة. المجتمع الذي ينجح في الجمع بين لغة العصر ولغة الروح يربح العالم من دون أن يخسر ذاته.
وفي الاقتصاد اتسع معنى الهوية على نحو غير مسبوق. لم تعد المواطنة مجرد رابطة قانونية أو عاطفية، بل أصبحت مشاركة في الإنتاج. انتقل الوعي من نموذج ينتظر الدولة إلى نموذج يسهم في بنائها. صار الشاب الذي يؤسس شركة، أو يبتكر تطبيقاً، أو يعمل في الذكاء الاصطناعي، يشعر أن إنجازه الشخصي جزء من نهضة وطنية أشمل. هذه هي «المواطنة المنتجة»، حيث يتحول الانتماء إلى عمل يومي.
ولهذا اكتسبت مفاهيم مثل الكفاءة، والانضباط، وريادة الأعمال، والتميز المهني، قيمة رمزية داخل الهوية الجديدة. المواطن الصالح لم يعد فقط من يحب وطنه، بل من يضيف إليه. والنجاح الفردي لم يعد شأناً خاصاً، بل تحول إلى صورة من صور الفخر الوطني.