خطاب الدولة الواثقة: قراءة في كلمة ولي العهد أمام مجلس الشورى – د. طلال الحربي

ثمة خطابات تُقرأ بوصفها وثائق تأسيسية تختزل فلسفة دولة ومنهج حكم ورؤية أمة. وكلمة صاحب السمو الملكي الأمير محمد بن سلمان بن عبدالعزيز، ولي العهد رئيس مجلس الوزراء، التي ألقاها نيابة عن خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز -حفظه الله- في افتتاح أعمال السنة الثالثة من الدورة التاسعة لمجلس الشورى، تنتمي بجدارة إلى هذا النوع من الخطابات. فهي نص كثيف الدلالة، محكم البناء، يجمع بين عمق الجذور وحداثة الأدوات، وبين صرامة الحسابات الاقتصادية ورصانة الموقف الأخلاقي، وبين هدوء رجل الدولة وحزم القائد الذي يعرف متى يمد يده للسلام ومتى يرفعها للردع.

افتتح سموه كلمته باستحضار ثلاثة قرون من عمر الدولة السعودية التي تكتمل في يوم التأسيس القادم، وهو استحضار لا يحمل نبرة الحنين إلى الماضي بقدر ما يحمل معنى الاستمرارية التاريخية بوصفها مصدرًا للشرعية والثقة. فالدولة التي قامت على كتاب الله وسنة رسوله، وتمسكت بالتوحيد والعدل، تعلن اليوم أن هذا النهج ثابت لا تحيد عنه، وأن قيمها الأصيلة تزداد تجذرًا كلما ازدادت الدولة انفتاحًا وتحديثًا. وهنا تكمن المعادلة التي حيّرت كثيرًا من منظّري التنمية في العالم: كيف تُحدث أمة تحولًا جذريًا في اقتصادها ومجتمعها دون أن تفقد هويتها؟ والإجابة السعودية جاءت عملية لا نظرية، إذ يؤكد الخطاب أن المواطن ازداد تمسكًا بعقيدته وهويته الوطنية في ذروة التحول، لا على هامشه.

ثم ينتقل الخطاب إلى لغة الأرقام، وهي اللغة التي اختارها ولي العهد منذ إطلاق رؤية 2030 معيارًا للمساءلة والشفافية. عشر سنوات حققت فيها مؤشرات أداء برامج الرؤية ثلاثة وتسعين في المئة من مستهدفاتها، وهي نسبة تكاد تكون استثنائية في أدبيات التخطيط الاستراتيجي المقارن، حيث تتعثر خطط التحول الكبرى في دول كثيرة عند عتبات التنفيذ. ونمت الصادرات غير النفطية بنسبة مئة وخمسة وخمسين في المئة مقارنة بعام 2016، وارتفعت مساهمة القطاع الخاص إلى واحد وخمسين في المئة من الاقتصاد. ودلالة الرقم الأخير تتجاوز قيمته الحسابية؛ فهو يعني أن الاقتصاد السعودي عبر نقطة التحول البنيوي التي يصبح فيها القطاع الخاص شريكًا رئيسًا لا تابعًا للإنفاق الحكومي، وهو ما يمثل جوهر فكرة التنويع الاقتصادي في صورتها الناضجة. واللافت أن سموه نسب هذا النجاح -بعد توفيق الله- إلى أداء المواطنين والمواطنات وكفاءتهم، فجعل الإنسان السعودي أصل الإنجاز لا متلقيه، وهذه فلسفة قيادية تستحق التأمل.

وفي حديثه عن صندوق الاستثمارات العامة واستراتيجيته للسنوات الخمس المقبلة، رسم الخطاب ملامح مرحلة جديدة عنوانها بناء منظومات اقتصادية محلية ذات قدرات تنافسية عالية، بالشراكة المحورية مع القطاع الخاص، وتعميق المحتوى المحلي، مع الحفاظ على عوائد مالية مستدامة. وهي معادلة دقيقة توازن بين الدور التنموي والدور الاستثماري، وتنقل الصندوق من مرحلة إطلاق المشروعات إلى مرحلة تعظيم أثرها في سلاسل القيمة الوطنية. ويتكامل ذلك مع دور صندوق التنمية الوطني المدعوم بتمويل سنوي يضمن انتظام المسار وعدم ارتهانه لتقلبات الدورة الاقتصادية.

أما المؤشرات الدولية التي استعرضها سموه، من المرتبة الأولى عالميًا في الجاهزية الرقمية وتنمية الاتصالات والتقنية والأمن السيبراني، إلى المرتبة الثانية في نضج الحكومات الرقمية، ودخول قائمة الدول العشر الأكثر جاذبية للاستثمار التعديني، فهي شهادات من خارج الحدود على أن ما يجري في المملكة ليس خطابًا دعائيًا بل واقعًا تقيسه المؤسسات الدولية بأدواتها المستقلة.

ويأتي إعلان عام 2026 عامًا للذكاء الاصطناعي امتدادًا منطقيًا لهذا التفوق الرقمي، وتعبيرًا عن طموح لا يكتفي باستهلاك التقنية بل يسعى إلى ريادة تطويرها وتوظيفها في رفع الإنتاجية وتحسين جودة الخدمات وبناء الكفاءات الوطنية.

وفي واحدة من أعمق عبارات الخطاب، قرر سموه أن الأحداث التي تمر بها المنطقة برهنت أن التخطيط الطويل المدى لا يعني الثبات والسكون، بل القدرة على التكيف مع المتغيرات. وهذه العبارة تلخص ما تسميه أدبيات الإدارة الاستراتيجية «المرونة التكيفية»، أي قدرة النظام على امتصاص الصدمات وإعادة توجيه موارده دون أن يفقد بوصلته. فالإصلاحات التي نوّعت الاقتصاد لم تكن ترفًا تنمويًا، بل كانت استثمارًا في المناعة الوطنية، ظهرت ثماره حين تحولت التهديدات إلى فرص، وحين أثبت الاقتصاد الوطني متانته المالية ونضج منشآته وقوة مؤسساته في ظرف إقليمي بالغ الدقة.

ولم يغب البعد الاجتماعي عن الخطاب، بل احتل موقع القلب منه. فالهدف الأساس لكل ما تقوم به الدولة كما قال سموه هو رفعة الوطن وتحسين جودة الحياة فيه، والتعليم والصحة يتصدران الأولوية في الميزانية، ونظام التعليم العام الجديد يطمح إلى رفع جودة التعليم إلى مراتب متقدمة عالميًا، والتحول الصحي يمضي بخطى متسارعة نحو تغطية شاملة. ومع انخفاض نسب البطالة، يتجه الاستثمار نحو رأس المال البشري ليكون المواطن قوة محركة للتنمية. وفي ملف الإسكان، جاءت المصارحة واضحة: إصلاحات القطاع العقاري أثمرت خيارات متعددة ورفعت نسبة التملك، لكن التحديات قائمة والعمل مستمر لمعالجتها بما لا يمس مقدرات الأجيال القادمة ولا الاستقرار المالي للدولة. وهذه الشفافية في الاعتراف بالتحدي إلى جانب الإنجاز سمة من سمات القيادة الواثقة التي لا تخشى المكاشفة.

ثم يبلغ الخطاب ذروته حين يتناول الأمن الوطني والإقليمي، فيقرر بلغة حاسمة أن المملكة تملك قدرات بشرية وعسكرية عالية الكفاءة قادرة على التصدي للتهديدات وردعها أيًا كان مصدرها. ويؤكد أن الاعتداءات التي طالت دول مجلس التعاون جميعها تثبت أن الأمن الخليجي كل لا يتجزأ. وفي هذا السياق يأتي حلف مكة الدفاعي بين المملكة وتركيا وباكستان بوصفه تحولًا نوعيًا في هندسة الأمن الإقليمي، يجمع ثقلًا جيوسياسيًا وعسكريًا وديموغرافيًا في إطار واحد، ويحمل اسم مكة المكرمة بما يختزنه من رمزية روحية وحضارية للعالم الإسلامي كله. وتكتمل الصورة بمبادرة المملكة إلى إنشاء التحالف البحري الدفاعي متعدد الجنسيات لحماية الممرات البحرية الدولية ورفض تحويلها إلى أداة ضغط، في وقت يعيش فيه العالم أزمة طاقة مفتوحة الاحتمالات، ظلت فيها المملكة صمام الأمان لإمدادات النفط العالمية رغم التصعيد. وهنا تتجلى المملكة دولة مسؤولة عن استقرار الاقتصاد العالمي لا عن أمنها الذاتي فحسب. وعلى المستوى الأخلاقي والإنساني، جدد الخطاب ثوابت السياسة السعودية: إدانة قاطعة لاعتداءات سلطة الاحتلال على أهل غزة وانتهاكاتها للمسجد الأقصى، والتزام راسخ لا يتوقف بحق الشعب الفلسطيني في إقامة دولته المستقلة، ودعم شامل للحكومة اليمنية الشرعية في مواجهة الميليشيات الحوثية، وموقف ثابت من وحدة السودان وصون مؤسساته الشرعية. إنها سياسة خارجية تتحرك بمنطق المبدأ لا بمنطق المصلحة الضيقة، وتوازن بين الواقعية السياسية والالتزام القيمي.