من مجاعة جبل لبنان إلى الحرب الأهلية، يتتبّع خريستو المرّ في روايته «بين الجائعين» (دار الآداب، 2026) مصائر عائلة عبر أربعة أجيال، تتوزّع بين لبنان وأفريقيا وتشيلي. حكاية تتوارث فيها الأجيال الجوع والهجرة والعنف، وتتشابك أسئلة الإيمان والرغبة والعدالة، فيما تصبح المحبة وسيلة لمقاومة الموت وحفظ الذاكرة من النسيان
في إحدى أجمل صفحات رواية «بين الجائعين» (دار الآداب، 2026)، تحيط العصافير بحنّة، المرأة التي نجت بأولادها من مجاعة جبل لبنان، وتهبط على كتفيها ورأسها لتأكل من كسرات الخبز التي تنثرها لها. يصنع خريستو المرّ من هذا المشهد الصغير صورة تكاد تختصر روايته الممتدة على أربعة أجيال، من أواخر القرن التاسع عشر إلى الحرب الأهلية اللبنانية. امرأة خرجت من الجوع والموت لتطعم العصافير، كأنها تردّ إلى الطبيعة شيئاً من الحياة التي كادت الطبيعة والتاريخ يسلبانها إياها. «والعصافير تقترب وتبتعد، تحطّ وتطير، وحنّة تفرح وتشعّ.
مع الوقت باتت العصافير تبقى لثوانٍ فوق كتفي حنّة وحتى مرّات فوق رأسها، وحنّة في الوسط تبتسم. حمّام عصافير في الصباح يبعد الهمّ طوال النهار» (ص 93). من هذا التناقض بين الجوع والعطاء تنفتح الرواية على تاريخ عائلة تتوزّع مصائر أفرادها بين جبل لبنان وبيروت وأفريقيا وتشيلي، وعلى تاريخ بلاد ظلّ الموت يترصّد أهلها، مرة بالمجاعة ومرة بالحروب، بينما تحاول المحبة أن تنقذ ما تبقّى من إنسانيتهم.
سلالة من الرغبات والخطايا
تبدأ الحكاية بالخوري متري، أو دمتري، الشخصية التي تتأسّس حولها السلالة العائلية بتناقضاتها جميعاً. رجل دين يدير شؤون عائلته بسلطة الأب وامتيازات الكاهن وواجباته المخففة أحياناً تجاه الجسد والخطيئة، وتتجاور في نفسه الرغبات الأرضية والواجبات الروحية، والخطيئة والتوبة، والمصلحة والمحبة. يمنحه المرّ تركيباً إنسانياً معقّداً، فيبدو أحياناً حكيماً يعرف كيف يحمي أبناءه ويوجّه مصائرهم، وأحياناً أسير تصوّراته وأهوائه وأحكامه المسبقة. وتكشف رحلته خارج لبنان، ثم عودته إليه، عن مفارقات في علاقته بالعالم وبنفسه. وتبلغ هذه المفارقة ذروتها حين تواجهه حنّة، العائدة من جحيم المجاعة، بسؤال موت الأطفال جوعاً، فيلجأ إلى حكمة الله التي يعجز البشر عن سبرها. هنا تتعرّض اللغة الدينية نفسها للاختبار أمام الجسد الجائع المنهك في طوابير الموت.
ومن خلال متري أيضاً، يوسّع الروائي جغرافيا السرد نحو أفريقيا، حيث تفتح قصة جود والألماسة باباً على تاريخ آخر من الاستغلال والعبودية. ففي كيمبرلي، مدينة الألماس، تتجاور أحلام المهاجرين بالثروة مع مصائر الأفارقة الذين قامت تلك الثروة على استعبادهم واستنزاف أجسادهم. تبدو الألماسة في هذا السياق أقرب إلى استعارة عن بريق العالم الحديث الذي يخفي في داخله تاريخاً من العنف. والمفارقة أنّ اللبناني المهاجر، الباحث عن خلاصه الاقتصادي، يدخل عالماً تتأسّس ثرواته على حرمان آخرين من أبسط حقوقهم، إضافة إلى مراودة زوجة المفوض البريطاني لمتري عن نفسه، لتعويض عنن زوجها الجنسي، مقابل أن تسهّل له رخصة لبيع الكحول يندر الحصول عليها في المدينة المستعمَرة. هكذا يربط المرّ بين تاريخ الهجرة اللبنانية والمهاجر في حينها الذي يتوسط هذه العلاقة بين المستعمِر والمستعمَر، ويضع الشخصيات أمام أسئلة أخلاقية تتجاوز حدود العائلة وطلب الرزق.
أما حليم، ابن الخوري، فهو من أكثر شخصيات الرواية اضطراباً وإثارة للنفور والشفقة معاً. رجل يقدّم رغباته على التزاماته العائلية، ويصعب عليه أن يرى المرأة خارج مدار شهوته. يسافر مع أبيه وزوجته مريم ورضيعها إلى تشيلي ليلتحق بإخوته الهاربين من مجاعة جبل لبنان وقد صاروا من التجار والميسورين، حاملاً معه طباعه ونزواته، فيما تحاول هي أن تصنع من الزواج حياة قابلة للاحتمال. وتبلغ الخيانة ذروتها مع ظهور الغانية ماريا التي يفرغ فيها حليم شهوته وشبقه بالنساء الأكبر عمراً مثل فدوى جارتهم التي كان يتلصص عليها أيام مراهقته، وماريا التي تكشف لمريم وجهاً من وجوه زوجها ظلّ مستوراً عنها. يتسبّب حليم في إعاقة لابنه وديع حين يقع الولد أمام الترامواي عندما ينزل لشراء السجائر لأبيه أثناء لقاء مريم وماريا. بعد صدور حكم بالبراءة على السائق، ينفذ الأب جريمة علنية بإطلاق النار على القاضي في ساحة المحكمة.
يتورّط حليم في السجن ويهرب أثناء زلزال يضرب المدينة، قبل أن تتشعّب رحلته في لقاء رجل مغربي يدعى محمد تصيبه الحمى على ظهر السفينة المغادرة لتشيلي بعد الزلزال، فيورث حليماً كتابين عن الرقى وحلّ العقد توارثهما عن أجداده، حيث تعود أسئلة الإيمان والمعرفة وتوظيفهما لتشتبك في متن الرواية. والمثير أنّ حليم، الذي لم يستطع ضبط رغباته طوال حياته، ينتهي إلى ممارسة الشعوذة، كأنّ عجزه عن السيطرة على ذاته يدفعه إلى توهّم السيطرة على القوى الخفية. في هذه الشخصية شيء من الإرث الأبوي المشوّه: رغبة في امتلاك العالم، ومقدار ضئيل من القدرة على فهمه.
حنّة ومريم: حين يُختبر الإيمان بالجوع والمحبة
تقف مريم في الجهة المقابلة من هذا الاضطراب. تمتلك نقاءً داخلياً لا يلغي هشاشتها، ولا يمنعها من طرح أسئلة تتجاوز ما تعلّمته عن الله والخلق. ومن أرقّ مقاطع الرواية حديثها مع أمها حنّة حين تتساءل: «ربّما الله داية؟» (ص 94). وتسترسل في التفكير في الأرض بوصفها الأم الكبرى التي تلد الكائنات، وفي الله الذي خلق الأرض وربما كان الداية التي ساعدتها على الولادة. إنّها لحظة لاهوتية شعرية، تنشأ من خبرة امرأتين بالحياة والإنجاب، وتحرّر السؤال عن الخالق من صورته الذكورية التقليدية. تقول مريم ما يعجز اللاهوت المجرّد عن قوله، لأنّ معرفتها تنبع من الجسد ومن تجربة الولادة. وقد تكون هذه إحدى الأفكار الأشدّ حضوراً في الرواية: أنّ الإيمان الحقيقي ينكشف أحياناً في أسئلة البسطاء، بعيداً من يقين رجال الدين. غير أنّ حنّة تبقى الشخصية الأكثر رسوخاً في الذاكرة.
إنها امرأة ذات إرادة فولاذية، تحمل أبناءها عبر المجاعة وتخترع وسائل للبقاء حين تنعدم وسائل الحياة. يصف المرّ قوافل الجائعين التي خرجت من جبل لبنان نحو البقاع عام 1916، في مشهد تتحرّك فيه الأجساد المنهكة كأنها تسير إلى مصير تعرفه ولا تملك وسيلة لتغييره. الرجال والنساء والأطفال يفتّشون عن كسرة خبز وسط طرقات ملأها الموت. وتبلغ المجاعة حداً مرعباً مع حكايات أكل البشر بعضهم بعضاً، ومنها قصة القدْر الذي احتوى أجساد ثلاثة أطفال، واعتراف الأب الذي أكل أولاده أمام الخوري. يستحضر الكاتب هنا الانهيار الكامل للحدود التي تفصل الإنسان عن الوحشية، حين يتحوّل الجوع إلى قوة تفتك حتى برابطة الأبوة.
تاريخ الجوع مدخل إلى مساءلة التاريخ الأخلاقي والسياسي للبنان
لكن حنّة ترفض الاستسلام. حين تصل إلى شتورة، تجد في بيت أبي خالد وأم خالد، زينة، ملاذاً مؤقتاً، وتبتكر حيلة التقاط حبوب القمح المتناثرة على الأرض لإطعام أولادها. في هذه الحركة المتواضعة، تتجسّد بطولة يومية تختلف عن البطولات التي يسجّلها المؤرخون. يمنحها الكاتب حضوراً جسدياً وعاطفياً كثيفاً، ولا سيّما في علاقتها الملتبسة بزينة: هل تجمعهما محبة روحية خالصة، أم انجذاب يتجاوز الصداقة النسائية؟ يترك السرد العلاقة مفتوحة على الاحتمالين، ويبدو هذا الالتباس جزءاً من جمالها. ففي عالم تُهدَّد فيه الحياة باستمرار، تصبح الملامسة والرعاية والحنان أشكالاً من المقاومة. ويزداد حضور حنّة قوةً أمام محاولة أيمن المخصي، الدركي أو «الضبطجي»، الاعتداء عليها، حيث يظهر الجسد الأنثوي ساحةً أخرى للعنف والرغبة والسلطة.
حتى حكاية لمس يسوع النعش في مأتم خالد تستعيد معنى الإيمان بوصفه اقتراباً من الألم البشري.عندما تعود حنّة إلى قريتها التنايخ وتلتقي متري مجدداً، تكون قد قطعت رحلة تفصلها عن المرأة التي غادرت القرية. لقد عرفت من الحياة ما لا يستطيع الكاهن أن يختصره في موعظة، واكتسبت من مواجهة الموت معرفة أخرى بالوجود. من هنا تبدو عنايتها بالعصافير، بعد المجاعة، امتداداً لتلك التجربة. لقد بقيت حيّة لكي تمنح الحياة. وتصبح العصافير التي تحطّ على كتفيها رمزاً لعلاقة جديدة بين الإنسان والعالم، قوامها الألفة بعدما كان الخوف سيّد الأيام. في لقائها الأخير مع الخوري أثناء احتضاره يتحدث هو عن الله والخطيئة، وهي تنطق بالمحبة التي يفترض أن يقود إليها الإيمان.
بيروت... التاريخ في تفاصيل الحياة اليومية
وفي موازاة التاريخ العائلي، يكتب خريستو المرّ تاريخاً صغيراً للمدن. فبيروت تحضر بشوارعها ومقاهيها وسينماتها ومرافئها، وبحياة الليل ومواخير الزيتونة التي يعود الكاتب إلى نشأتها في زمن الحكم المصري لمحمد علي، ثم تحوّلاتها خلال الانتداب الفرنسي (ص 46). تتحوّل المدينة إلى كائن حيّ تتبدّل عاداته وملامحه مع تبدّل السلطات والأزمنة. وتنتقل هذه العناية بالتفاصيل إلى تشيلي، حيث يصف المقاهي والساحات والشوارع، ومنها مقهى «ريكيت» وحدائق «فينيا دل مار» (ص 55)، كأنّ المهاجر يعيد بناء خريطة لمدينة بديلة من المدينة التي تركها. وفي استعادته للمجاعة، لا يغفل الكاتب الحسابات الاستعمارية الفرنسية، كما يورد تفاصيل تُعقّد الصورة الشائعة عن جمال باشا، ومنها مساعدته الرهبان في الحصول على إمدادات القمح أثناء المجاعة. وتمنح هذه الاستطرادات الرواية بعداً توثيقياً مهماً، وإن كانت كثرتها تُبطئ السرد أحياناً وتجعل صوت المؤرخ يطغى على أصوات الشخصيات.
من المجاعة إلى الحرب الأهلية: الجوع يتبدّل والضحايا يتوارثونه
مع وديع، تنتقل الرواية إلى جيل جديد من الأسئلة. يحمل عرجه كعلامة جسدية على اختلافه، فيما تدفعه قناعاته إلى الشيوعية، فيبحث عن العدالة الاجتماعية في بلد تتنازعه الطوائف والامتيازات. تتجاور في سيرته هشاشة الجسد وصلابة الموقف، حتى يقتله المتعصّبون الكتائبيون في نهاية الرواية لشيوعيته وتوظيفه لعاملين من مخيم تل الزعتر في مقلع الحجارة. تمثّل هذه النهاية امتداداً للمجاعة الأولى بصورة أخرى؛ فالناس الذين أكلوا بعضهم بعضاً طلباً للطعام صاروا يقتلون بعضهم بعضاً باسم الطائفة، بدل أن يجمع فقراءهم النضالُ الطبقي ضد «الشيخ» والبيك والزعيم وفقاً لقناعات وديع. وتكتسب ياسمين، ابنته وزوجة الكاتب، أهميتها من موقعها في امتداد الذاكرة العائلية، حيث تتصل الحكاية الموروثة بالحياة الحاضرة، ويصبح السرد محاولة لإنقاذ الوجوه من النسيان.ويخصّص المرّ فصلاً كاملاً لهبة، شقيقة جورجيت زوجة وديع، يغيّر فيه إيقاع الرواية ويمنحها مساحة من الكتابة الحميمة. فمن خلال مذكّراتها، المكتوبة على امتداد سنوات، تتشكّل سيرة أخرى قوامها الأحلام الصغيرة والحبّ والفقدان وموت الحبيب.
في هذه الصفحات يتراجع ضجيج الأحداث الكبرى لمصلحة صوت امرأة شاعرة تتأمّل حياتها وتعيد اكتشاف ما ضاع منها. تدخل نكبة فلسطين عام 1948 إلى يومياتها، فتتجاور المأساة العامة مع الخسارات الشخصية، ويغدو المنفى الفلسطيني جزءاً من الذاكرة اللبنانية. تمثل مذكرات هبة إحدى الاستراحات المؤلمة في الرواية، حيث يتحوّل التاريخ إلى تفاصيل يومية تُحفظ في دفتر صغير.
تبلغ «بين الجائعين» ذروتها الفكرية والأخلاقية في ما تستبطنه من تأمل حول ثلاثة أشكال من الجوع: جوع الجسد والحب الذي تمثّله المجاعة وحنّة وهبة، وجوع الرغبة والامتلاك الذي يمثّله حليم، وجوع للعدالة والمحبة الذي يتجلّى في مصير وديع الدموي، لا سيما في التأمّل الأخير الذي يضعه الكاتب على لسان «الغريب»، حول المسيح والكنيسة والفلسطينيين. هنا يعود السؤال الذي رافق الرواية منذ الخوري متري: ماذا يبقى من المسيحية حين تتحوّل إلى طقوس ومؤسسات وهويات مغلقة، وتنسى رسالتها الأصلية في المحبة؟ يستعيد النص صورة يسوع الغريب الذي مشى مع المهمّشين والمنبوذين، في مقابل كنيسة تحجب وجهه خلف الجدران والذهب والبخور، وتنسى أنّ الغريب الذي صُلب باسم البشرية يقف اليوم في صفّ المقتلعين من أرضهم.
تترك الرواية، في صفحاتها الأخيرة، باب الحكاية مفتوحاً على حكايات أخرى. بعد مئة عام من الرحيل والعودة، لا تنتهي العائلة عند موت أحد أفرادها، وإنما تستمرّ في ذاكرة الناجين. ولعلّ إنجاز خريستو المرّ الأهمّ أنّه جعل من تاريخ الجوع مدخلاً إلى مساءلة التاريخ الأخلاقي والسياسي للبنان، ومن مصائر عائلة واحدة مرآةً للبلاد التي تعاقبت عليها المجاعات والهجرات والحروب. وبين الخوري الذي يبحث عن الله في العقيدة، وحنّة التي تراه في كسرة خبز، ومريم التي تتخيّله داية، ووديع الذي ينشد العدالة، تتعدّد وجوه الإيمان ومعاني الخلاص. تبقى صورة العصافير على كتفي حنّة، وسط هذا الخراب الطويل، تذكيراً بأنّ الحياة تستطيع أن تستعيد حنانها ودفأها حتى في الأرض اليباب.