خالف تعرف – مرفت  بخاري

ترى متى بدأ الإنسان يحب أن يعرفه الآخرون؟

سؤال يبدو للوهلة الأولى ابن هذا العصر، حتى نفتح أمهات الكتب فنكتشف أن الشهرة كانت تسكن النفس قبل أن تسكن الشاشات، وأن حب الجاه والمدح وانتشار الصيت كان موضوعًا شغل علماء وأدباء عاشوا قبل أن نعرف معنى المتابع والإعجاب والمشاهدة حين كان الناس يبحثون عن الشهرة قبل أن تُخترع الشاشات.

لم تخترع مواقع التواصل الاجتماعي الإنسان الذي يريد أن يُرى، ولم تكن الرغبة في أن يعرف الناس اسم الإنسان وصورته وقصته وليدة الهاتف الذكي، لكنها اخترعت شيئًا أكثر خطورة، جعلت الشهرة قريبة من اليد، قابلة للقياس، وسريعة الانتشار، حتى أصبح الإنسان يستطيع أن يعرف في دقائق كم شخصًا رآه، وكم شخصًا أعجب به، وكم شخصًا تجاهله.

هنا تبدو العودة إلى أمهات الكتب ضرورية، لا باعتبارها كتبًا تنتمي إلى زمن مضى، وإنما باعتبارها مرايا قديمة للنفس البشرية، وما يلفت النظر أن علماء وأدباء من قرون بعيدة كانوا يفتشون في الدوافع نفسها التي نراها اليوم، حب الجاه، طلب المدح، الرغبة في أن يكون الإنسان معروفًا، التعلق بنظر الآخرين إليه، والخوف من أن يعيش دون أن يترك أثرًا في ذاكرة الناس.

يقول أبو حامد الغزالي في كتابه «إحياء علوم الدين»، في حديثه عن الشهرة والجاه: إن أصل الجاه هو «انتشار الصيت والاشتهار»، ثم يضع التمييز الأهم، فالمذموم عنده ليس أن يشتهر الإنسان، وإنما أن يطلب الشهرة ويتكلفها. أما أن تأتي الشهرة للإنسان من غير سعي منه إليها فليست هي القضية التي يحذر منها.

وهنا تبدأ المناظرة بين الحقب، فالشهرة في زمن الغزالي كانت نتيجة، أما في زمننا فقد أصبحت في كثير من الأحيان مشروعًا، كان الرجل في الأزمنة القديمة قد يُعرف بعلمه، أو شعره، أو شجاعته، أو منصبه، أو أثر تركه في قومه، ثم تأتي شهرته بعد ذلك، أما اليوم فقد يبدأ بعض الناس من السؤال المعاكس، ماذا أفعل كي أصبح مشهورًا؟ ثم يبحث بعد ذلك عن المحتوى الذي يحقق له الشهرة.

وهذه نقطة فارقة، في الماضي كان الإنسان قد يصنع شيئًا عظيمًا فيشتهر بسببه، أما اليوم فقد يصنع الإنسان أحيانًا شهرته أولًا، ثم يبحث عما يملأ هذه الشهرة، ولذلك فإن المشكلة ليست في الشهرة ذاتها، وإنما في انقلاب العلاقة بينها وبين القيمة، حين يصبح عدد المتابعين دليلًا على قيمة الإنسان، وعدد المشاهدات دليلًا على صحة رأيه، وعدد الإعجابات شهادة على جمال حضوره، نكون قد انتقلنا من سؤال «ماذا قدم هذا الإنسان؟» إلى سؤال «كم شخصًا ينظر إليه؟».

الغزالي كان أبعد نظرًا مما قد نتخيل في هذه المسألة، إذ يشرح أن المطلوب من الشهرة وانتشار الصيت ليس مجرد المعرفة، وإنما الجاه والمنزلة في القلوب، ويربط حب الجاه بالرغبة في امتلاك مكانة لدى الآخرين تأملوا العبارة الأخيرة جيدًا، «المنزلة في القلوب».

إنها تكاد تكون تعريفًا قديمًا لما تسعى إليه المنصات الحديثة، مع اختلاف الأدوات، قديمًا كان الإنسان يريد أن تتحدث عنه الألسنة، واليوم يريد أن تتحدث عنه المنصات، قديمًا كان يريد أن يقال عنه إنه مهم، واليوم قد تقاس أهمية الشخص بعدد المتابعين، قديمًا كان المدح يأتيه من مجلس، واليوم يأتيه من آلاف التعليقات، قديمًا كان الصيت يحتاج إلى زمن كي ينتقل من مدينة إلى أخرى، أما اليوم فقد يستطيع مقطع واحد أن ينقل صاحبه من مجهول إلى اسم متداول في ساعات.

هذا هو التحول الكبير، لم تتغير النفس، تغيرت سرعة استجابتها، كان صاحب الشهرة القديمة يحتاج إلى جمهور محدود، أما المشهور اليوم فقد يعيش أمام جمهور لا يعرفه، ولا يعرف أسماء أفراده، ولا يستطيع أن يرى وجوههم، ومع ذلك يصبح حكمهم عليه جزءًا من يومه، وربما جزءًا من تقديره لذاته.

تكشف الدراسات الحديثة عن جانب مهم من هذه الظاهرة، فالأرقام التي تمنحها المنصات، من إعجابات ومتابعات ومشاهدات، لا تقدم مجرد معلومات عن انتشار المحتوى، وإنما تصبح نوعًا من المكافأة الاجتماعية التي يمكن أن تؤثر بصورة خاصة في المراهقين، لأنهم أكثر حساسية للتقبل والرفض الاجتماعي في هذه المرحلة العمرية. وتحذر الجمعية الأمريكية لعلم النفس من أن التركيز على أرقام المتابعين والإعجابات والمشاهدات قد يصرف الانتباه عن بناء علاقات صحية مباشرة.

وهنا تختلف الشهرة الحديثة عن شهرة الماضي في شيء آخر، أنها أصبحت قابلة للعد وهذه ليست مسألة بسيطة، حين كان الإنسان القديم يسمع أن قصيدته انتشرت أو أن علمه ذاع، لم يكن يستطيع في نهاية اليوم أن يفتح هاتفه ليجد أمامه رقمًا يقول له، اليوم أحبك عشرة آلاف شخص، وغدًا لم يحبك إلا ألف، أما إنسان اليوم فيعيش الشهرة بوصفها رقمًا متحركًا.

وهذا يجعل الشهرة أكثر قسوة، لأنها لم تعد حالة اجتماعية فقط، وإنما أصبحت مؤشرًا يوميًا يمكن أن يصعد ويهبط أمام صاحبها، ومن هنا قد يتحول الإنسان من صانع للمحتوى إلى أسير له، ومن شخص يريد أن يقول شيئًا إلى شخص يريد أن يقول ما يضمن له استمرار التصفيق.

وهنا أيضًا تبدو ملاحظة الغزالي شديدة الصلة بعصرنا، لأنه لا يقف عند الشهرة نفسها، بل ينتقل إلى حب المدح والثناء، وإلى ذلك التعلق الخفي بنظرة الناس، وكأن السؤال القديم كان، ماذا يحدث للإنسان حين يحب أن يراه الناس؟

أما السؤال الحديث فأصبح، ماذا يحدث للإنسان حين يحتاج إلى أن يراه الناس طوال الوقت؟

هناك فرق بين الاثنين، الأول رغبة بشرية قد تقع في النفس، والثاني قد يتحول إلى نمط حياة، ولذلك ربما يكون أخطر ما في شهرة هذا الزمن أنها لا تكتفي بأن تجعل الإنسان معروفًا، بل قد تدفعه إلى تحويل حياته نفسها إلى مادة للعرض منزله، سفره، طعامه، أطفاله، مشاعره، خلافاته، نجاحاته، وحتى حزنه، كلها قابلة للتحول إلى محتوى.

لقد أصبحت الحدود بين الحياة الخاصة والحياة العامة أكثر هشاشة، وأصبح بعض الناس لا يكتفون بأن يعيشوا اللحظة، بل يريدون أن يصوروها، ثم يراقبوا أثرها في الآخرين، حتى الحزن لم يعد دائمًا حزنًا صامتًا، أحيانًا أصبح الحزن قصة، والقصة محتوى، والمحتوى وسيلة للوصول.

ولا يعني هذا أن كل من يظهر على المنصات يبحث عن الشهرة بمعناها المذموم، فهذه ستكون قراءة ظالمة للزمن، هناك أطباء ومثقفون وكتاب وفنانون وأصحاب مشاريع ومبادرات إنسانية استطاعوا الوصول إلى جمهور واسع لأن المنصات منحتهم مساحة لم تكن متاحة لهم من قبل.

بل إن الشهرة الحديثة تستطيع أحيانًا أن تكون وسيلة لخدمة المعرفة والخير والتأثير، وهنا أيضًا لا يرفض الغزالي الشهرة على إطلاقها، بل يميز بين الشهرة التي يطلبها الإنسان ويتكلفها، وبين الشهرة التي تأتي نتيجة لعمل نافع من غير أن تكون هي الغاية الأولى.

وهذه نقطة مهمة جدًا حتى لا يتحول نقد الشهرة إلى تمجيد للخمول، فليس المطلوب أن يختبئ صاحب الموهبة، ولا أن يرفض الكاتب أن يعرف الناس كتابه، ولا أن يعتزل الطبيب جمهوره، ولا أن يخجل صاحب المشروع من نجاحه، السؤال ليس، هل أنت مشهور؟ السؤال الأهم، ماذا فعلت الشهرة بك؟ هل جعلتك أكثر نفعًا أم أكثر تعلقًا بالتصفيق؟ هل جعلتك مسؤولًا عن أثر كلمتك أم أكثر جرأة على قول أي شيء؟

هل أصبح الجمهور وسيلة للوصول إلى الخير، أم أصبح الخير نفسه وسيلة للوصول إلى الجمهور؟