كشفت مصادر دبلوماسية غربية مطلعة لـ"عربي بوست" أن الورقة المصرية الخاصة بلبنان خضعت خلال الأسابيع الأخيرة لتعديلات جوهرية، بعد مشاورات شاركت فيها السعودية وقطر وفرنسا والاتحاد الأوروبي، بالتنسيق مع الإدارة الأمريكية، لتتحول من مبادرة تركز على تثبيت وقف إطلاق النار جنوب لبنان إلى مشروع تسوية عربي – غربي متكامل للأزمة اللبنانية.
وبحسب المصادر، توسعت المبادرة لتربط بين تنفيذ القرار 1701، واستكمال اتفاق الطائف، وإعادة الإعمار، ومعالجة ملف سلاح حزب الله ضمن مسار تفاوضي تدريجي، يعالج في الوقت نفسه الجوانب الأمنية والسياسية والاقتصادية للأزمة.
وتقول المصادر إن النسخة المعدلة تعكس قناعة لدى الوسطاء بأن استقرار لبنان لم يعد ممكناً عبر ترتيبات أمنية منفصلة، وإنما من خلال تسوية شاملة تربط بين الانسحاب الإسرائيلي، وإصلاح مؤسسات الدولة، وإعادة بناء الاقتصاد، ضمن مراحل متدرجة وضمانات متبادلة.
وتوضح المصادر أن الورقة المصرية الخاصة بلبنان انطلقت أساساً بقيادة مدير المخابرات المصرية اللواء حسن رشاد، بهدف تثبيت وقف إطلاق النار في جنوب لبنان ومنع انزلاق المنطقة إلى مواجهة عسكرية جديدة، إلا أن جولات النقاش التي تلت ذلك أظهرت أن معالجة الوضع الأمني وحدها لن تكون كافية لضمان استقرار طويل الأمد.
وبناءً على ذلك، اتجهت المشاورات إلى توسيع نطاق الورقة المصرية الخاصة بلبنان لتشمل إصلاحات سياسية واقتصادية بالتوازي مع الترتيبات الأمنية، مع توزيع واضح للأدوار بين الأطراف المشاركة في صياغة النسخة الجديدة.
ففي حين احتفظت مصر بموقع المنسق الرئيسي للمبادرة، دفعت السعودية باتجاه إدراج بنود تعزز إعادة بناء مؤسسات الدولة وترسخ حصرية القرار الأمني والعسكري بيدها، فيما ركزت الدول العربية على إعداد برنامج متكامل لإعادة الإعمار والتعافي الاقتصادي، انطلاقاً من قناعة بأن المناطق المتضررة لن تستقر إذا بقيت خارج مسار التنمية.
أما فرنسا، فقد أعادت طرح البنود غير المنفذة من اتفاق الطائف باعتبارها مدخلاً لإصلاح النظام السياسي اللبناني، بينما عمل الاتحاد الأوروبي على تطوير آليات المتابعة والرقابة، في حين شاركت الإدارة الأمريكية بصورة أساسية في مناقشة الضمانات الأمنية وآليات التنفيذ، لضمان إمكانية تطبيق أي تفاهمات مستقبلية.
وبحسب المصادر، فإن هذه المقاربة الجديدة تعكس توافقاً عربياً وغربياً على أن نجاح أي تسوية في لبنان لن يتحقق عبر المعالجة الأمنية وحدها، وإنما من خلال الجمع بين الأمن والإصلاح السياسي والتعافي الاقتصادي ضمن إطار واحد.
وتكشف المصادر أن أبرز ما تغير في النسخة المعدلة من الورقة المصرية الخاصة بلبنان يتمثل في انتقالها من التركيز على الجنوب إلى معالجة الأزمة اللبنانية برمتها، بعدما خلصت الدول المشاركة إلى أن التجارب السابقة أثبتت هشاشة أي اتفاق أمني لا يترافق مع إصلاحات داخلية تعيد بناء مؤسسات الدولة.
ولهذا السبب، لم تعد المبادرة تقتصر على تثبيت وقف إطلاق النار وتنفيذ القرار 1701، بل أصبحت تقوم على 3 مسارات متوازية؛ الأول أمني يتعلق بإنهاء المواجهة مع إسرائيل وترسيخ الاستقرار جنوب لبنان، والثاني سياسي يهدف إلى استكمال تنفيذ اتفاق الطائف وإعادة إطلاق الإصلاحات المؤجلة منذ عقود، والثالث اقتصادي يقوم على إعادة الإعمار وإطلاق برنامج إصلاح شامل بدعم عربي ودولي.
وترى الدول الراعية أن نجاح أي من هذه المسارات يبقى مرتبطاً بتقدم المسارات الأخرى، ولذلك صيغت المبادرة على أساس مراحل مترابطة، بحيث لا تنتقل إلى مرحلة جديدة إلا بعد تنفيذ الالتزامات السابقة، بما يقلل احتمالات انهيار الاتفاق مع أول أزمة سياسية أو أمنية.
وتنص المرحلة الأولى على إجراءات إسرائيلية تعتبرها الدول الراعية ضرورية لبناء الثقة، تشمل وقف جميع العمليات العسكرية داخل لبنان، وإنهاء سياسة الاغتيالات والغارات الجوية، والانسحاب من جميع الأراضي اللبنانية التي لا تزال تحتلها إسرائيل، والإفراج عن الأسرى اللبنانيين، واستكمال ترسيم الحدود البرية برعاية أمريكية وفرنسية وأممية، إضافة إلى تقديم ضمانات تحول دون استهداف أي طرف لبناني خلال مرحلة تنفيذ الاتفاق.
وفي المقابل، يلتزم الجانب اللبناني بتعزيز انتشار الجيش جنوب نهر الليطاني، واستكمال تنفيذ القرار 1701 بصورة كاملة، ومنع أي نشاط عسكري خارج سلطة الدولة في تلك المنطقة، بالتوازي مع إطلاق برنامج عربي وأوروبي ودولي لتطوير قدرات الجيش اللبناني عبر التدريب والتجهيز والتمويل، بما يتيح له تولي المسؤولية الأمنية بصورة كاملة في الجنوب.
لا تقف المبادرة عند الجوانب الأمنية، إذ تدعو، بعد تثبيت وقف إطلاق النار، إلى إطلاق مؤتمر حوار وطني برئاسة رئيس الجمهورية وبرعاية عربية ودولية، تشارك فيه مختلف القوى السياسية اللبنانية، ما فيها حزب الله وحركة أمل، والقوى المسيحية والسنية والدرزية، إضافة إلى ممثلين عن المجتمع المدني والمجلس الأعلى للدفاع.
وبحسب التصور المطروح، يهدف الحوار إلى استكمال تنفيذ البنود غير المنفذة من اتفاق الطائف، وفي مقدمتها إنشاء الهيئة الوطنية لإلغاء الطائفية السياسية، واستحداث مجلس الشيوخ، واعتماد اللامركزية الإدارية والمالية الموسعة، وإصلاح النظام الانتخابي، بالتوازي مع إطلاق برنامج تعافٍ اقتصادي بالتعاون مع صندوق النقد الدولي، وإنشاء صندوق دولي لإعادة إعمار الجنوب والبقاع والضاحية الجنوبية، وتمويل مشاريع تنموية في المناطق الأكثر تضرراً من الحرب.
وتكشف المصادر أن النسخة الحالية من المبادرة لم تعكس فقط رؤية الدول العربية والغربية المشاركة في إعدادها، وإنما خضعت أيضاً لتعديلات بعد تلقي الوسطاء ملاحظات مباشرة من حزب الله، الذي أبلغهم أن أي نقاش حول مستقبل سلاحه لا يمكن فصله عن بقية عناصر التسوية السياسية والأمنية.
وبحسب المصادر، اعترض الحزب على إدراج أي جدول زمني ملزم أو معلن لتسليم السلاح أو تفكيك بنيته العسكرية، معتبراً أن أي انتقال في هذا الملف يجب أن يتم بصورة تدريجية، ويرتبط بتغير البيئة الأمنية، لا بمواعيد زمنية ثابتة.
وأوضحت أن هذه الملاحظات دفعت الوسطاء إلى استبدال أي حديث عن نزع السلاح الفوري بمفهوم "الانتقال التدريجي والمنظم"، القائم على نقل المسؤوليات الدفاعية إلى الدولة اللبنانية على مراحل، وبالتوازي مع تنفيذ الالتزامات الأخرى الواردة في المبادرة.
كما شدد الحزب، وفق المصادر، على ضرورة أن يسبق أي نقاش داخلي تنفيذ إسرائيل التزامات واضحة تبدأ بالانسحاب الكامل من الأراضي اللبنانية، ووقف الاغتيالات والخروقات الجوية، والإفراج عن الأسرى، معتبراً أن استمرار الاحتلال أو العمليات العسكرية يجعل أي نقاش حول مستقبل السلاح فاقداً لمرتكزاته السياسية والأمنية.
وتضيف المصادر أن هذا الطرح انعكس بصورة واضحة في ترتيب مراحل المبادرة، التي باتت تبدأ بخطوات إسرائيلية لبناء الثقة، قبل الانتقال إلى الملفات اللبنانية الداخلية.