خاص: العمل على إنشاء لجنة إقليمية لإدارة الملف اللبناني ما بعد الحرب، والانسحاب الإسرائيلي على الطاولة

كشفت مصادر حكومية لبنانية رفيعة المستوى ودبلوماسية عربية لـ"عربي بوست" أن الولايات المتحدة بدأت عملياً التعامل مع لبنان باعتباره أحد الملفات الرئيسية في مرحلة ما بعد التفاهم الأمريكي الإيراني، وذلك من خلال اتصالات سياسية مباشرة مع رئيس الجمهورية جوزيف عون سبقت الجولة الأخيرة من المفاوضات اللبنانية الإسرائيلية في واشنطن.

وبحسب المصادر، أبلغ مسؤولون أمريكيون الجانب اللبناني أن الإدارة الأمريكية تنظر إلى المرحلة الحالية باعتبارها انتقالاً من إدارة المواجهة العسكرية إلى إدارة التسويات السياسية، وأن لبنان سيكون جزءاً أساسياً من هذا المسار، في ظل قناعة متزايدة داخل واشنطن بأن استقرار الجبهة اللبنانية يشكل عنصراً محورياً في نجاح التفاهمات الإقليمية التي أعقبت الاتفاق مع طهران.

وتزامناً مع ذلك، كشفت المصادر عن مشاورات متقدمة لإنشاء آلية إقليمية – دولية جديدة لمتابعة الملف اللبناني خلال المرحلة المقبلة، بما يشمل تثبيت وقف إطلاق النار والإشراف على الترتيبات الأمنية والسياسية المرتبطة بالجنوب اللبناني، في خطوة تعكس انتقال الملف اللبناني من دائرة التفاوض الثنائي مع إسرائيل إلى إطار إقليمي أوسع.

كشفت مصادر حكومية لبنانية رفيعة المستوى لـ"عربي بوست" أن الساعات التي سبقت الجولة الأخيرة من المفاوضات اللبنانية – الإسرائيلية في واشنطن شهدت اتصالات أمريكية غير مسبوقة مع رئيس الجمهورية جوزيف عون، كان أبرزها اتصال مشترك أجراه نائب الرئيس الأمريكي جي دي فانس ووزير الخارجية ماركو روبيو.

وبحسب المصادر، لم يقتصر الاتصال على متابعة مسار التفاوض القائم بين لبنان وإسرائيل، بل تطرق بصورة مباشرة إلى الترتيبات الإقليمية التي بدأت تتشكل عقب التفاهم الأمريكي – الإيراني الذي جرى التوصل إليه برعاية قطرية وباكستانية.

وأبلغ المسؤولان الأمريكيان الرئيس اللبناني أن الإدارة الأمريكية تنظر إلى المرحلة الحالية باعتبارها مرحلة انتقالية بين إدارة المواجهة العسكرية وإدارة التسوية السياسية، وأن لبنان سيكون جزءاً أساسياً من أي ترتيبات يجري العمل عليها خلال الأشهر المقبلة.

وأكدت المصادر أن الجانب الأمريكي شدد على أن الدولة اللبنانية ستبقى الشريك الرسمي الوحيد في أي آلية إقليمية أو دولية مرتبطة بالوضع اللبناني، في محاولة لاحتواء الهواجس اللبنانية المتعلقة بإمكانية تجاوز المؤسسات الرسمية أو إنشاء مسارات موازية للتفاوض.

أكدت مصادر دبلوماسية باكستانية مطلعة لـ"عربي بوست" أن اجتماعات لوسيرن السويسرية وما سبقها من تفاهمات سياسية بين واشنطن وطهران أدت عملياً إلى نقل الملف اللبناني من دائرة التفاوض الثنائي اللبناني الإسرائيلي إلى دائرة أوسع ترتبط مباشرة بالتفاهمات الإقليمية الناشئة.

وبحسب هذه المصادر، فإن لبنان بات يُناقش اليوم داخل الغرف الدبلوماسية نفسها التي تبحث مستقبل العلاقات الأمريكية الإيرانية، وأمن الخليج، وحرية الملاحة في مضيق هرمز، ومستقبل الترتيبات الأمنية في المنطقة.

وترى المصادر أن أحد أبرز التحولات التي نتجت عن هذه التفاهمات يتمثل في القبول الأمريكي الضمني بوجود دور إيراني مباشر في معالجة بعض الملفات اللبنانية، انطلاقاً من قناعة متزايدة داخل الإدارة الأمريكية بأن أي معالجة جدية لملف حزب الله أو الاستقرار في الجنوب لا يمكن أن تتم دون تفاهمات مع طهران.

وفي هذا السياق، لم يعد لبنان يُنظر إليه باعتباره ملفاً منفصلاً، بل كجزء من معادلة إقليمية أوسع تسعى واشنطن وطهران إلى إدارتها بعد انتهاء مرحلة المواجهة العسكرية المفتوحة.

في تطور وصفته المصادر بأنه الأهم منذ بدء المفاوضات، يجري العمل على إنشاء لجنة متابعة إقليمية – دولية تضم الولايات المتحدة ولبنان وقطر وإيران، مع نقاشات غير نهائية حول إمكان إشراك أطراف إضافية في مراحل لاحقة مثل السعودية أو فرنسا أو مصر.

وتوضح المصادر أن الهدف المعلن للجنة يتمثل في متابعة تثبيت وقف إطلاق النار ومنع انهياره، بينما تتجاوز أهدافها الفعلية هذا الإطار لتشمل إدارة المرحلة الانتقالية التي تسبق الانسحاب الإسرائيلي، والإشراف على الترتيبات الأمنية الجديدة جنوب لبنان، ومواكبة أي تفاهمات مستقبلية تتعلق بإعادة الإعمار أو تعزيز قدرات الجيش اللبناني.

وتشير المعلومات إلى أن النقاش لا يزال مستمراً حول مستوى تمثيل كل دولة داخل هذه الآلية وطبيعة صلاحياتها التنفيذية وآليات اتخاذ القرار فيها، إلا أن التوجه العام يحظى بدعم أمريكي وقطري وإيراني متزايد.

في المقابل، كشفت مصادر دبلوماسية عربية لـ"عربي بوست" أن الحكومة الإسرائيلية تنظر بقلق بالغ إلى المسار الناشئ، معتبرة أن إشراك إيران بصورة مباشرة أو غير مباشرة في ترتيبات تخص الحدود اللبنانية – الإسرائيلية يشكل اعترافاً عملياً بنفوذها الإقليمي.

وتضيف المصادر أن الخلافات داخل الإدارة الأمريكية نفسها حول هذا الملف لا تزال قائمة، حيث تبدي دوائر في وزارة الخارجية ومؤسسات أمنية أمريكية تحفظات على بعض الصيغ المطروحة، في حين يدفع فريق آخر باتجاه إعطاء الأولوية لتثبيت الاستقرار حتى لو استدعى ذلك إشراك طهران في ترتيبات محددة.

وبحسب المصادر، فإن رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو لا يزال يراهن على الحفاظ على هامش عسكري وأمني واسع في الجنوب اللبناني، ويرفض أي صيغة قد تؤدي إلى تقييد حرية الحركة الإسرائيلية بصورة كاملة.

في الداخل اللبناني، تؤكد مصادر حكومية أن الرئاسة اللبنانية رفضت خلال الأسابيع الماضية مقترحات إسرائيلية وأمريكية تتعلق بما يسمى "المناطق التجريبية"، التي تقوم على انسحاب محدود من مواقع محددة وتسليمها إلى الجيش اللبناني لاختبار قدرته على ضبط الوضع الأمني.

وتوضح المصادر أن الجانب اللبناني اعتبر الطرح محاولة لإعادة تدوير الاحتلال بصيغة مختلفة، خصوصاً أن المناطق التي اقترحت إسرائيل الانسحاب منها لا تشكل في معظمها نقاط نفوذ استراتيجية بالنسبة إلى الجيش الإسرائيلي.

وفي السياق نفسه، نقلت المصادر عن رئيس مجلس النواب نبيه بري رفضه القاطع لأي ترتيبات جزئية أو مرحلية لا تتضمن التزاماً واضحاً ومكتوباً بالانسحاب الإسرائيلي الكامل من الأراضي اللبنانية المحتلة، معتبراً أن أي خطوات تجريبية ستتحول سريعاً إلى واقع دائم يصعب تغييره لاحقاً.

أكدت مصادر دبلوماسية عربية لـ"عربي بوست" أن الدور القطري شهد توسعاً كبيراً خلال الأسابيع الأخيرة، متجاوزاً حدود الوساطة التقليدية بين واشنطن وطهران.

وبحسب المعلومات، أصبحت الدوحة إحدى القنوات الأساسية التي تستخدمها الإدارة الأمريكية لإدارة الاتصالات غير المباشرة مع أطراف إقليمية معنية بالملف اللبناني، كما باتت تلعب دوراً متزايداً في التنسيق بين واشنطن وبيروت وعدد من العواصم العربية.

وترى المصادر أن نجاح دولة قطر في المساهمة في إنجاز التفاهم الأمريكي الإيراني منحها موقعاً متقدماً داخل شبكة الترتيبات الإقليمية الجديدة، الأمر الذي يفسر الحضور القطري المكثف في مختلف الملفات المرتبطة بلبنان خلال المرحلة الحالية.

وتكشف المصادر الدبلوماسية الباكستانية أن النقاشات الجارية لم تعد تقتصر على وقف إطلاق النار والانسحاب الإسرائيلي، بل بدأت تشمل أيضاً مستقبل قوات الأمم المتحدة العاملة في جنوب لبنان (اليونيفيل).