خابت صواريخ الحوثي.. مكة آمنة مطمئنة

في مكة المكرمة، لم يكن صباح أمس (الثلاثاء) عادياً. ففي غرف الفنادق المطلة على المسجد الحرام، وبينما كان ضيوف الرحمن يستعدون ليوم جديد في أطهر بقاع الأرض، كانت الهواتف تستعد لقول شيء لم يألفه أصحابها في مكة.لم يكن منبهاً. ولا رسالة من أحد. ولا تنبيهاً عن رحلة أو حجز. فجأة.. تحدثت الهواتف! مطلقة صوت إنذار أمني يخترق الغرف، ورسالة على الشاشة تطلب من الموجودين التصرف بهدوء، والاحتماء، والابتعاد عن النوافذ والأبواب، والبقاء في أماكن آمنة لأن المنطقة تتعرض لـ«تهديد معادٍ».في غرفة تطل على المسجد الحرام، تبدلت وظيفة النافذة في لحظة. فقبل ثوانٍ كانت النافذة تمنح صاحبها أغلى مشهد يمكن أن تراه عين: الكعبة المشرفة.والآن، يُطلب منه أن يبتعد عنها، هو المشهد الذي لا يمكن أن تصنعه نشرة أخبار. الكعبة أمام العين.. والإنذار في اليد.معتمر جاء من أقصى الأرض وجد نفسه فجأة أمام رسالة تقول إن عليه أن يحتمي من خطر. لم يرَ الصاروخ. لكنه لم يكن بحاجة إلى أن يراه. فالهاتف رآه وقال له إن هناك خطراً. وفي مدينة اعتاد الناس أن تستيقظ هواتفهم فيها على مواقيت الصلاة، أو رسائل الأهل، أو تنبيهات السفر، جاء الصوت هذه المرة من منظومة الإنذار الوطنية. صوت واحد، لكنه حمل معه معنى مختلفاً تماماً: هناك خطر جوي.ثم جاءت الرسالة التي كان الجميع ينتظرها. تم إعلان زوال الخطر. وعادت مكة إلى إيقاعها. لم تُصب الكعبة المشرفة. ولم يُصب المسجد الحرام. لكن شيئاً آخر حدث في صباح أمس: للمرة الأولى، دخل صوت الإنذار الجوي إلى تجربة المعتمر داخل مكة نفسها. بعدما أطلق الدفاع المدني إنذاراً للتحذير من خطر في مكة المكرمة وجدة والطائف، قبل أن يعلن لاحقاً زوال الخطر.ليس بالصاروخ.. بل بالصوتهنا تبدأ الحكاية. لأن السؤال لم يعد: ماذا كان في السماء؟ السؤال الأعمق: كيف وصل إرهاب الحوثي إلى هذه الغرفة؟ الإنذار نفسه كان كافياً ليفتح باباً في الذاكرة ظل الحوثي يحاول الوصول إليه منذ سنوات: مكة. فكيف يمكن لصاروخ يُطلق من بعيد أن يدخل القلق إلى خلجات معتمر يقيم في غرفة فندق مطلة على الكعبة المشرفة؟قبل أعوام، كان الخطر الذي يأتي من اليمن يُرصد في السماء، وتلاحقه منظومات الدفاع الجوي بعيداً عن أعين الناس. أما في صباح اليوم، فقد صار له حضور آخر، اهتز الهاتف، وظهر التنبيه، وانتقلت الحرب للحظة من شاشة الرادار إلى شاشة في يد إنسان.هنا تصبح القصة أكبر من مسار صاروخ، لأن مكة ليست مدينة عادية في الوعي المسلم، والإنذار فيها ليس مجرد تنبيه أمني عابر.ذاكرة الصواريخ نحو مكةالدكتور عبدالرحمن السديس كان قد وصف محاولة استهداف منطقة مكة في 2016 بأنها عدوان يمس المسلمين، وقال في أعقاب اعتراض الصاروخ إن التاريخ يشهد أن من أراد بالبيت الحرام سوءاً فإن الله قاصمه.وفي ذلك الوقت كانت الدفاعات الجوية السعودية قد اعترضت صاروخاً باليستياً أُعلن أنه أُطلق باتجاه منطقة مكة، ودمرته على مسافة نحو 65 كيلومتراً من العاصمة المقدسة.لهذا لم يكن غريباً أن يأتي الغضب الديني سريعاً من علماء المملكة. إلا أن الغضب من استهداف مكة المكرمة لم يكن سعودياً فقط. ففي القاهرة، خرج صوت الأزهر ليضع الواقعة في حجمها الديني والإنساني. فحينها، وصف شيخ الأزهر إطلاق الحوثيين صاروخاً باتجاه مكة بأنه «جرم أحمق»، ورأى فيه استفزازاً لمشاعر أكثر من مليار ونصف المليار مسلم، و«تصرفاً إجرامياً سافراً» و«سابقة خطيرة» تتجاوز الحدود الدينية والأخلاقية والإنسانية.اليوم، هناك شيء في مكة يجعل للإنذار معنى لا يشبه معناه في أي مدينة أخرى. ففي جدة، قد يكون الإنذار خبراً أمنياً. وفي الطائف، قد يكون لحظة توتر. وفي جازان، حيث عرفت المنطقة سنوات من الهجمات، يحمل الصوت ذاكرة أخرى. لكن في مكة، إذ تتجه قلوب المسلمين قبل أن تتجه إليها أجسادهم، يصبح مجرد احتمال الخطر مشهداً شديد القسوة. لأن المعتمر لم يأتِ إلى هنا ليكون قريباً من الخطر. بل جاء ليبتعد عنه. ومع ذلك، وجد الحرب تطرق بابه بالطريقة الأكثر حداثة: إشعار على شاشة هاتف.الطريق الطويل إلى مكةفي 2016، كان الصاروخ لا يزال في السماء. وجميعنا نتذكر ما حدث في الـ27 من أكتوبر في ذلك العام، حين أعلنت السعودية اعتراض صاروخ باليستي أطلقته الميليشيا الحوثية باتجاه منطقة مكة المكرمة، وتدميره دون وقوع أضرار. الصاروخ لم يصل. وهذا هو الخبر العسكري. لكن هناك خبر آخر، أكثر رسوخاً في الذاكرة: مكة كانت في اتجاهه.وسرعان ما عاد المشهد قبل موسم الحج في يوليو 2017. حين أطلق صاروخ باليستي حوثي آخر باتجاه مكة المكرمة مجدداً. واعترضته الدفاعات الجوية. ومرة أخرى، لم يصل. لكن محاولة الوصول كانت قد أصبحت حقيقة في السجل.ولم يكن اختيار التوقيت أقل دلالة، فقد وصفت قيادة التحالف المحاولة بأنها محاولة يائسة لإفساد موسم الحج، ثم، في ديسمبر من العام نفسه، جاءت العبارة السعودية التي تختصر ثقل تلك القصة كلها. ووصف المستشار بالديوان الملكي والمشرف العام على مركز الملك سلمان للإغاثة والأعمال الإنسانية الدكتور عبدالله الربيعة الصاروخ بأنه «الصاروخ الذي استهدف بيت الله الحرام في مكة المكرمة قبلة المسلمين كافة»، معتبراً ذلك جريمة نكراء وانتهاكاً للقانون الدولي الإنساني.وفي مايو 2019، عاد المشهد إلى الواجهة. وتم اعتراض صاروخ باليستي أطلقه الحوثيون باتجاه مكة المكرمة من جديد، وكان ذلك ثالث استهداف يُربط بمكة المكرمة في سنوات قليلة، لتبدو المسألة أبعد من حادثة عسكرية عابرة.صدى الاعتداء خارج السعوديةدلالة ما جرى لم تتوقف عند حدود المملكة. فمنذ المحاولة السابقة في أكتوبر 2016، خرج منتدى رابطة علماء وأئمة ببيان يستنكر استهداف مكة المكرمة بينما كانت الدفاعات الجوية السعودية تتعامل مع الصاروخ، كان علماء مسلمون يتعاملون مع معناه: فالمسافة بين اليمن ومكة لم تمنع الصاروخ من الاقتراب، والمسافة بين مكة وإسبانيا لم تمنع صدى الاعتداء من الوصول إلى العلماء والمساجد.حين يصبح الخوف جزءاً من المشهدوهذا تحديداً ما يجعل استهداف مكة، أو حتى محاولة إدخال الخوف إلى فضائها، مختلفاً عن استهداف أي مدينة أخرى. ففي المدن، قد يختبئ الناس من الصاروخ. لكن في مكة، يريد الحاج والمعتمر والزائر أن يشعر أنه جاء إلى مكان يترك فيه خوفه خلفه. ولذلك كان المشهد الصباحي في قبلة المسلمين قاسياً في رمزيته: رجل أو امرأة جاء إلى مكة طلباً للسكينة، يفتح الهاتف، فيجد أن عليه للحظات أن يفكر في الخطر. ثم ينظر إلى النافذة. الحرم هناك. وهنا تظهر قوة السعودية في المشهد: فالإنذار عمل، والناس تلقوا التحذير، ثم أعلنت الجهات المختصة زوال الخطر، واستمرت مكة في حياتها. والمدينة التي أراد الحوثي أن يقترب منها بالخوف بقيت شامخة في مكانها.ومما يجعل الإنذار مختلفاً، أن التهديد قبل سنوات كان شيئاً يُرى على شاشات الرادار. لكن اليوم، صار له صوت. وصار له اهتزاز في جيب المعتمر. وصار له ضوء على شاشة هاتفه. وصار بإمكان الخطر، ولو للحظات، أن يعبر المسافة الهائلة بين جبهة في اليمن وغرفة فندقية في مكة دون أن يقطعها جسدياً.من خريطة العمليات إلى شاشة الهاتفلم يعد الهاتف مجرد أداة لإيصال معلومة. بل إنه المكان الذي التقت فيه الحرب بحياة الإنسان العادي. فرجل جاء للعمرة. وامرأة جاءت للصلاة. وعائلة تقيم في فندق قريب من الحرم. ونافذة تطل على الكعبة. كلهم كانوا في خطر لأن إصرار ميليشيا الحوثي على إرهابهم أطلق صاروخاً استدعى صوتاً تحذيرياً يقول لهم: ابتعدوا عن النوافذ. وفي تلك اللحظة، لا يحتاج الإرهاب إلى إصابة المبنى كي يترك أثراً. بل يكفي أن يجعل الإنسان ينظر إلى المكان الذي جاء إليه طلباً للأمان، ثم يتساءل للحظة: هل السماء آمنة؟لكن المنظومة الأمنية السعودية لم تترك الإجابة على هذا السؤال معلقة. فالإنذار كان جزءاً من منظومة. والتحذير كان جزءاً من منظومة. والدفاعات التي تعاملت مع الخطر كانت جزءاً من منظومة. ثم جاءت الرسالة التي تعيد ترتيب المشهد كله: «إعلان زوال الخطر».الإنذار مقابل الإرهابهنا تنقلب الحكاية. فالحوثي يريد أن يرسل الخطر، والسعودية تريد أن تجعل المواطن والمعتمر يعرف به قبل أن يصل. هو يريد المفاجأة. والمنظومة الوطنية تحولها إلى تحذير. هو يريد الفوضى. والرسالة تبدأ بـ«يرجى التصرف بهدوء». هو يريد أن يبقى الخطر حاضراً. والرسالة التحذيرية تعلن: انتهى.لهذا فإن أقوى صورة في صباح مكة (الثلاثاء) لم تكن الإنذار وحده. كانت الفارق بين لحظتين: لحظة ظهر فيها التحذير على الهاتف، ولحظة اختفى فيها الخطر. وبينهما، بقيت مكة في مكانها.من مكة إلى جازانجازان، قبل أيام فقط، قدمت الوجه الآخر للقصة. هناك، لم يكن الحديث عن صاروخ اقترب ثم جرى اعتراضه. ففي محافظة الطوال، سقط مقذوف أطلقته المليشيا الحوثية، بحسب ما أعلن الدفاع المدني السعودي، فأصاب شخصين وألحق أضراراً بمسجد ومبانٍ ومركبات. وهنا يصبح الانتقال من مكة إلى جازان أكثر من انتقال جغرافي.في مكة، كان الخطر عند حدود المدينة. وفي جازان، ترك المقذوف أثره على الأرض. وفي الحالتين، كان هناك شيء واحد مشترك: مدنيون في الطرف الآخر من السلاح. ومسجد. ومبانٍ سكنية. ومركبات شخصية. وأشخاص أصيبوا.في جازان، كان المسجد نفسه داخل المشهد. وفي مكة، كان الحرم هو المعنى الذي تتجه إليه المخاوف. وهكذا تتصل الصور ببعضها دون حاجة إلى خريطة: مسجد في الطوال، إنذار في مكة، وصواريخ حوثية في الذاكرة السعودية ظل اسمها مرتبطاً بقبلة المسلمين التي لا تشبه سواها. إنها ليست حكاية سلاح فقط. إنها حكاية حرمة.إلى أين يريد الحوثي أن تصل الحرب؟وفجأة، لا يعود السؤال: هل يستطيع الحوثي إطلاق صاروخ؟ لأن هذا السؤال حُسم منذ زمن. والسؤال هو: إلى أين يريد أن تصل الحرب؟ إلى المدن؟ إلى البيوت؟ إلى المساجد؟ إلى الفنادق؟ إلى الهاتف الذي يحمله المعتمر؟ إلى النافذة التي تطل على الكعبة؟وهنا تكمن المفارقة التي تجعل قصة الحوثي أكثر جنوناً. فالجماعة التي ترفع شعارات الدين، لا تتردد، في إدخال قبلة المسلمين إلى حسابات صواريخها. والمقذوف الذي خرج من الاتجاه نفسه انتهى، في جازان، إلى مسجد.الحرب تصل إلى الهاتففي صباح أمس، لم تصل الحرب إلى الحرم. لكنها وصلت إلى شاشة هاتف. وهذا فرق هائل في النتيجة، لكنه ليس فرقاً صغيراً في معنى المشهد. فالحرب الحديثة لا تحتاج دائماً إلى احتلال شارع حتى تدخل حياة الناس. قد تدخل برسالة. وقد تدخل بصوت. وقد تجعل الإنسان يغادر مكان تواجده بحثاً عن موقع آمن. وقد تجعل المعتمر، للحظات، يسمع كلمة «خطر» في المدينة التي جاء إليها بحثاً عن الطمأنينة.لكن ما يهم في النهاية ليس ما حاول الحوثي أن يفعله. بل ما حدث فعلاً. الإنذار وصل. والدفاعات الجوية السعودية تعاملت. والخطر زال. ومكة بقيت مكة. وهذه هي الصورة التي تستحق أن تبقى من هذا الصباح. معتمر يضع هاتفه جانباً. ويفتح الستار بحذر. فيرى المشهد الذي جاء من أجله. الكعبة. كما هي. والحرم. كما هو. والحياة تعود إلى إيقاعها.في الخارج، فشل الصاروخ في الوصول. وفي الداخل، فشل الإرهاب في أن يغير معنى المكان. يمكن للحوثي أن يرسل الخطر من بعيد. ويمكنه أن يهز هاتفاً بصوت إنذار. ويمكنه أن يحاول إدخال الحرب إلى نافذة فندق. لكن هناك شيئاً لا يستطيع الوصول إليه: مكة.وذلك لأن الصاروخ، رغم اقترابه، لم يستطع أن يجعلها ساحة لإرهابه.