حُب الكتابة الصحفية – د. يحيى جابر

الكتابة الصحفية ليست هواية عابرة، ولا مهارة تُكتسب في دورة تدريبية قصيرة، بل هي حالة من الشغف الدائم، وعلاقة استثنائية بين الكاتب والكلمة، حتى إن كثيرًا من الصحفيين يصفونها بأنها إدمان جميل لا يمكن التخلص منه، ففي الوقت الذي يُنشر فيه أكثر من 7 ملايين تدوينة ومقال يوميًا على شبكة الإنترنت، وتتنافس آلاف المؤسسات الإعلامية على جذب اهتمام القراء، يبقى المقال الصحفي الرصين، والتحقيق المتقن، والتقرير المهني، والخبر الدقيق، من أكثر الأشكال الصحفية قدرةً على صناعة الوعي، وتفسير الأحداث، وبناء الرأي العام، «المصدر- منصة وورد برس - إحصاءات النشر الرقمي 2024، ومعهد رويترز لدراسة الصحافة – تقرير الأخبار الرقمية 2024»، وتؤكد الدراسات الإعلامية أن الصحافة، منذ نشأتها، لم تعتمد على سرعة نقل الخبر فقط، وإنما على قدرة الكاتب على تفسير ما وراء الخبر، وربط الأحداث ببعضها، وتحليل آثارها المستقبلية، ولهذا بقيت المقالات والتحقيقات الصحفية الأكثر تأثيرًا في صناع القرار، والنخب الفكرية، والاقتصادية، لأنها تقدم المعرفة العميقة، لا مجرد المعلومات السريعة، «المصدرـ معهد رويترز لدراسة الصحافة - تقرير الأخبار الرقمية 2024، وكتاب «التحرير الصحفي» للدكتور محمود علم الدين».

وتبدأ رحلة معظم الصحفيين بكتابة الخبر، فهو المدرسة الأولى التي يتعلم فيها الكاتب الدقة، والاختصار، والتحقق من المصادر، واحترام الحقائق، والقدرة على نقل الحدث كما وقع دون مبالغة أو تحيز، فالخبر يعلم الصحفي كيف يبحث عن المعلومة، وكيف يتحقق منها، وكيف يكتبها بلغة يفهمها الجميع، وهو الأساس الذي تُبنى عليه بقية الفنون الصحفية، «المصدرـ كتاب «التحرير الصحفي» للدكتور محمود علم الدين، وكتاب «فن الخبر الصحفي» للدكتور عبد اللطيف حمزة».

ومع تراكم الخبرة، ينتقل الصحفي إلى التقرير الصحفي، الذي يمنحه مساحة أوسع لشرح خلفيات الأحداث، وتفسير أبعادها، ثم إلى التحقيق الصحفي الذي يعتمد على البحث الميداني، والوثائق، والمقابلات، وكشف القضايا التي تهم المجتمع، حتى يصل إلى المقال الصحفي، وهو الفن الذي يعده كثير من الإعلاميين قمة النضج المهني؛ لأنه يجمع بين المعرفة، والخبرة، والتحليل، والرؤية الشخصية المبنية على الحقائق، ولذلك يصبح المقال بالنسبة إلى كثير من الكتّاب حالة من الإدمان الإيجابي، لأنه يمنحهم حرية التفكير، وتحليل الوقائع، وربط الأحداث، وطرح الحلول، والتأثير في المجتمع، فالكاتب لا يكتب لأنه مطالب بذلك، وإنما لأنه يشعر بحاجة داخلية إلى التعبير، حتى إن الفكرة ترافقه في كل مكان؛ أثناء القراءة، أو السفر، أو حضور الاجتماعات، أو متابعة الأخبار، وقد تتحول ملاحظة بسيطة، أو موقف عابر، إلى مقال يقرؤه آلاف الأشخاص في اليوم التالي.

ويفسر عالم النفس ميهالي تشيكسنتميهالي هذه الحالة من خلال نظرية التدفق الذهني، التي تؤكد أن الإنسان عندما يمارس عملًا يحبه، ويمتلك فيه مستوى مرتفعًا من المهارة، يدخل في حالة من التركيز الكامل تجعله يفقد الإحساس بالوقت، وهي الحالة التي يعيشها كثير من الكتّاب أثناء الكتابة، «المصدرـ كتاب «التدفق ـ علم النفس الأمثل» لميهالي تشيكسنتميهالي».

وجمال الكتابة الصحفية لا يكمن في كثرة الكلمات، أو صعوبة المفردات، وإنما في القدرة على إيصال المعنى بأوضح عبارة، وأجمل أسلوب، فالكاتب المتمكن هو الذي يجعل القارئ يرى الحدث بعينيه، ويشعر به بقلبه، ويفهمه بعقله، مستخدمًا لغة رشيقة، وصورًا بلاغية معتدلة، وتسلسلًا منطقيًا في عرض الأفكار، وقد أشار الأديب مصطفى صادق الرافعي إلى أن الكلمة الجميلة هي التي توقظ الفكر، وتحرك الوجدان في آن واحد، «المصدرـ كتاب «وحي القلم» لمصطفى صادق الرافعي».

ومن تجاربي في الإعلام، كانت البداية صحفيًا بسيطًا في الصحف السعودية، مثل: الجزيرة، والمدينة، والوطن، والحياة اللندنية، وغيرها، وكانت تلك البداية قبل 33 عامًا، تعلمنا خلالها ميدانيًا كيف نكتب الخبر، ونغطي الأحداث، وننجز التقارير، والتحقيقات، والاستطلاعات، والحوارات، والبروفايل، وأهمية العمل الصحفي، والتوثيق، والتأكد من صلاحية الخبر للنشر، وغيرها من المهارات التي لا تُكتسب إلا بالممارسة. وحتى وصلنا، بعد هذا العمر، إلى الكتابة في قالب المقال، ومما فتح شهيتي للكتابة في هذه الصحيفة العملاق الكبير، والقدوة، أستاذنا خالد المالك، مدرسة الإعلام ليس السعودي فحسب، بل العربي أيضًا، وبعد أن كدت أهجر الصحافة، أعادني إلى الكتابة، مشكورًا، بسعة صدره، وفكره النيّر، إضافة إلى حسن التعامل في الصحيفة، ومهارة محرريها في الصف، والإخراج، والدقة، واحترام الكاتب والقارئ.

من جهة أخرى، لا يولد الكاتب الصحفي محترفًا، فالموهبة وحدها لا تكفي، ولا تكفي المعرفة الأكاديمية وحدها أيضًا، فهناك كثير من الأكاديميين يفهمون أدق التفاصيل العلمية، لكنهم يجدون صعوبة في كتابة الخبر، أو المقال، أو التحقيق، أو غيرها من القوالب الصحفية؛ لأن الكتابة الصحفية مهارة تُبنى بالممارسة، قبل أن تكون معرفة نظرية، فالكتابة تتطور بالممارسة اليومية، والقراءة المستمرة، ومراجعة الأخطاء، والاطلاع على تجارب الآخرين، ولهذا كان كبار الصحفيين يحرصون على القراءة أكثر مما يحرصون على الكتابة؛ لأن الكاتب الذي لا يقرأ يتوقف نموه الفكري سريعًا، بينما تمنحه القراءة مخزونًا لغويًا، وثقافيًا، واسعًا ينعكس على جودة مقالاته، «المصدرـ كتاب «فن المقال» للدكتور عبد اللطيف حمزة، وكتاب «التحرير الصحفي» للدكتور محمود علم الدين».

أما قراء المقالات الصحفية، فهم يختلفون عن قراء الأخبار السريعة؛ فهم يبحثون عن الفهم قبل المعرفة، وعن التحليل قبل المعلومة، وعن تفسير الأحداث، وربطها بسياقاتها المختلفة، ويضم هذا الجمهور الأكاديميين، والباحثين، وصناع القرار، والاقتصاديين، والإعلاميين، والطلاب، والمهتمين بالشأن العام، إضافة إلى كل قارئ يريد رؤية أوسع للأحداث، بعيدًا عن الاختزال الذي تفرضه الأخبار العاجلة، «المصدرـ معهد رويترز لدراسة الصحافة – تقرير الأخبار الرقمية 2024».

ولهذا، يحرص كاتب المقال الناجح على احترام عقل القارئ، فلا يبالغ، ولا يثير العواطف على حساب الحقائق، ولا يكتب لإبهار الناس بالألفاظ، بل يكتب ليضيف قيمة معرفية حقيقية، فهو يبدأ بمقدمة قوية، ثم يعرض الأفكار مدعومة بالأرقام، والدراسات، ويستشهد بالمصادر الموثوقة، وينتهي بخلاصة، أو رؤية مستقبلية، تجعل القارئ يشعر بأنه خرج بفائدة حقيقية بعد انتهاء القراءة، وأن وقته لم يذهب سدى، كما أن الكاتب الصحفي يعد مفكرا ويحمل في عقله وروحه قضايا مهمة ويسهم في الوعي وانتشار المعرفة ويعلم بقوانين بلده وتشريعات بلاده فيما يخص الإعلام وغيره، وتشير دراسات معهد بوينتر للإعلام إلى أن العنوان الجذاب، والافتتاحية القوية، والتسلسل المنطقي للأفكار، تعد من أهم العوامل التي تدفع القارئ إلى إكمال المقال حتى نهايته، «المصدرـ معهد بوينتر للإعلام – دليل الكتابة والتحرير الرقمي».