حين ينهض المعلم ينهض الإنسان: المعلم وصناعة الإنسان في عصر الذكاء الاصطناعي (1-2) – د. عبدالناصر سعيد محمد  البطاطي

في مسيرة البشرية الطويلة، لم يكن أعظم التحولات التي صنعت الحضارات نتيجة وفرة الموارد وحدها، ولا ثمرة التقدم المادي والتقني منفردًا، وإنما كانت في جوهرها نتيجة القدرة على بناء الإنسان الذي يعرف كيف يستخدم الموارد، وكيف يحول المعرفة إلى فعل، والعلم إلى مسؤولية، والقوة إلى عمران، والتقنية إلى وسيلة لخدمة الحياة. ومن هنا فإن الحديث عن المعلم والتعليم ليس حديثًا عن قطاع من قطاعات الدولة، ولا عن وظيفة من الوظائف، وإنما هو حديث عن المنظومة العميقة التي تتشكل داخلها شخصية الإنسان، وتتحدد من خلالها طبيعة المجتمع، وتتبلور عبرها صورة الدولة، ويُرسم بها مستقبل الحضارة. فالمعلم لا يُلَقِّن المعرفة فحسب؛ إنه يشارك في تشكيل العقل والضمير والسلوك، وفي بناء الإنسان الذي سيصبح لاحقًا أستاذًا جامعيًا أو طبيبًا أو مهندسًا أو عالمًا أو قائدًا أو عاملًا أو مفكرًا أو أبًا أو أمًا أو مواطنًا. ولهذا فإن مستقبل المجتمعات يبدأ، في جانب عميق منه، من المكان الذي يقف فيه المعلم أمام طلابه.

ويكتسب هذا الحديث دلالة أعمق حين نستحضر المكانة التي يحظى بها المعلم في الوعي التربوي العالمي، وفي مقدمة ذلك اليوم العالمي للمعلمين، الخامس من أكتوبر من كل عام، والذي أقرته اليونسكو وشركاؤها مناسبة للاحتفاء بالمعلمين وتسليط الضوء على مكانتهم ودورهم في بناء التعليم والمجتمعات. وتزداد دلالة هذه المناسبة في عام 2026م، الذي يتزامن مع الذكرى الستين لاعتماد توصية منظمة العمل الدولية واليونسكو بشأن أوضاع المعلمين لعام 1966م، بما تضمنته من معايير تتصل بحقوق المعلمين ومسؤولياتهم، وإعدادهم المهني، وتوظيفهم، وظروف عملهم وممارستهم لمهنة التعليم. غير أن قيمة هذه المناسبة لا ينبغي أن تُختزل في يومٍ أو احتفالٍ رمزي عابر، بل ينبغي أن تكون مدخلًا متجددًا لمراجعة مكانة المعلم المهنية والاجتماعية والإنسانية، وللتفكير في الشروط التي تمكنه من أداء رسالته في عالم تتغير فيه المعرفة والتقنية بوتيرة غير مسبوقة. ولعل المفارقة الأعمق أن العالم، كلما تقدم في عصر الذكاء الاصطناعي، لا يكتشف تراجع الحاجة إلى المعلم، بل يكتشف أن الحاجة إلى المعلم الإنسان أصبحت أكثر إلحاحًا؛ فالتقنية تستطيع أن توسع أدوات التعليم وتضاعف إمكاناته، لكنها لا تستطيع أن تحل محل الإنسان الذي يمنح المعرفة معناها، ويربطها بالقيم والمسؤولية والغاية، ويصوغ من التعليم تجربة إنسانية تتجاوز حدود نقل المعلومات إلى بناء الإنسان.

ولعل من أكثر الحقائق التربوية والإنسانية رسوخًا أن التربية تسبق التعليم؛ لأن العلم من دون أخلاق قد يتحول إلى قدرة بلا بوصلة، والمعرفة من دون مسؤولية قد تصبح أداة للضرر بدل أن تكون طريقًا للبناء، والذكاء من دون ضمير قد ينتج إنسانًا أكثر قدرة على الإيذاء لا أكثر قدرة على خدمة الحياة. ولهذا لم يكن ترتيب عبارة (التربية والتعليم) اعتباطيًا في الوعي الإنساني؛ فالتربية تبني الإنسان الذي يستحق أن يحمل المعرفة، ثم يأتي التعليم ليمنحه أدوات الفهم والتفكير والإبداع. فالطفل الذي يتعلم احترام الآخرين، والأمانة، والنظام، والنظافة، والوقت، والعمل، والمسؤولية، والصدق، والتواضع، والرحمة، واحترام الممتلكات العامة والخاصة، يصبح أكثر استعدادًا لأن يستوعب العلم ويستخدمه استخدامًا رشيدًا. أما حين تُختزل العملية التعليمية في الامتحان والدرجة والشهادة، فإن المؤسسة قد تنتج حافظًا للمعلومات، لكنها لا تضمن بالضرورة إنتاج إنسان قادر على صناعة الحياة.

ومن منظور تاريخي، فإن كل حضارة عظيمة أدركت، بصورة مباشرة أو غير مباشرة، أن الاستثمار الحقيقي ليس في الحجر وحده وإنما في الإنسان الذي يبني الحجر ويحافظ عليه ويمنحه المعنى. فمن المدارس والكتاتيب والحواضر العلمية في الحضارات القديمة، إلى الجامعات ومراكز البحث الحديثة، ظل المعلم وسيطًا بين أجيال الإنسان وذاكرته ومستقبله. لقد كانت المعرفة تنتقل من عقل إلى عقل، ومن جيل إلى جيل، فتتراكم الخبرة الإنسانية بدل أن تبدأ البشرية في كل مرة من نقطة الصفر. وفي الحضارة الإسلامية على وجه الخصوص ارتبط العلم بالأخلاق، وبتهذيب النفس، وبطلب المعرفة، وبخدمة المجتمع، ونشأت تقاليد علمية عريقة جعلت من العلماء والمعلمين حراسًا للمعرفة وصُنَّاعًا للوعي. وفي الحضارات الحديثة تطورت وظيفة المعلم من ناقل للمعلومات إلى مُيَسِّر للتعلم، وموجه للتفكير، وبانٍ للقدرات، وشريك في تشكيل الشخصية. وهذا التحول التاريخي ينبغي أن يقودنا اليوم إلى مرحلة أعمق: مرحلة يصبح فيها المعلم قائدًا إنسانيًا ومعرفيًا في عصر شديد التعقيد.

إن العالم المعاصر يختلف جذريًا عن العالم الذي تشكلت فيه كثير من النظم التعليمية التقليدية. فالمعلومة التي كان الطالب يحتاج إلى سنوات للوصول إليها أصبحت في متناول يده خلال ثوانٍ، والمكتبة التي كانت تحتاج إلى مبنى أصبحت في كثير من الأحيان داخل جهاز صغير، والمحاضرة التي كانت مرتبطة بمكان وزمان أصبحت قابلة للبث إلى ملايين البشر، والذكاء الاصطناعي بات قادرًا على تحليل النصوص، وترجمة اللغات، وتوليد الأفكار، ومساعدة الباحثين، وتقديم نماذج تعليمية شخصية، ومعالجة كميات هائلة من البيانات. لكن هذه الثورة لا تعني أن المعلم أصبح زائدًا عن الحاجة؛ بل تعني العكس تمامًا. فكلما أصبحت المعلومة أكثر وفرة، ازدادت الحاجة إلى من يساعد الإنسان على التمييز بين المعرفة والوهم، وبين الحقيقة والتضليل، وبين الاستخدام المسؤول والاستخدام المدمر للتقنية. وفي عصر يستطيع فيه الذكاء الاصطناعي إنتاج إجابات كثيرة، تزداد قيمة الإنسان الذي يعرف أي سؤال ينبغي أن يُطرح، ولماذا، ولأي غاية.

وهنا تظهر إحدى أكبر المفارقات في عصرنا: لقد أصبح الوصول إلى المعلومات أسهل من أي وقت مضى، لكن الوصول إلى الحكمة لم يصبح بالسهولة نفسها. فالمعلومة ليست معرفة، والمعرفة ليست فهمًا، والفهم ليس حكمة، والحكمة لا تنشأ من كثرة البيانات وحدها، وإنما من تفاعل العقل مع التجربة والأخلاق والسياق والمسؤولية. ولذلك فإن التعليم الذي سيبقى ذا قيمة في المستقبل ليس التعليم الذي يُدَرِّب الطالب على حفظ ما يمكن للآلة استرجاعه، وإنما التعليم الذي يُدَرِّبه على التفكير النقدي، والتحليل، والاستدلال، والإبداع، والتواصل، والتعاون، وحل المشكلات، وفهم الإنسان، وإدارة الاختلاف، واتخاذ القرار الأخلاقي. وحينئذ لا يصبح الذكاء الاصطناعي منافسًا للمعلم، بل أداة جديدة في يده، شريطة ألا تُسَلَّم العملية التعليمية للآلة، وألا يتحول الإنسان إلى تابع لتقنية لا يفهم حدودها ومخاطرها.