حين يكون القائد هو القدوة – د. طلال الحربي

في مجتمعات كثيرة، لا تنتصر القيم بالموعظة، بل بمن يسبق إلى فعلها. فحين يتقدم صاحب القرار الصفوف ويبدأ بنفسه، يتحول المبدأ من فكرة تُقال إلى سلوك يُقتدى، ويصبح الاقتداء أسرع طريق إلى تغيير العادات الجمعية. ومن هذه الزاوية يمكن قراءة تبرع صاحب السمو الملكي الأمير محمد بن سلمان بن عبدالعزيز، ولي العهد رئيس مجلس الوزراء، حفظه الله، بدمه وإطلاقه الحملة الوطنية السنوية للتبرع بالدم لعام 2026، فالمشهد في دلالته أبعد من مناسبة صحية تمر وتنقضي، إذ يقدم نموذجًا عمليًا لقيادة ترى أن الكلمة لا تكتمل إلا بالفعل.

ولعل أبرز ما في هذه الخطوة أنها تنقل التبرع بالدم من دائرة الاحتياج الطارئ إلى دائرة الوعي المستدام. فالمجتمعات المتقدمة صحيًا لا تنتظر الأزمة لتستنفر أبناءها، بل تبني فيهم استعدادًا دائمًا للعطاء، حتى يغدو التبرع عادة راسخة لا استجابة ظرفية. وحين تأتي الدعوة من أعلى هرم المسؤولية، فإنها تسقط الحواجز النفسية التي تحول بين كثيرين وبين هذا الفعل، وتمنحهم قناعة بأن ما يقدمونه قليل في ظاهره، عظيم في أثره.

وتشهد تجربة العام الماضي على صدق هذا الرهان، فقد أفضت الحملة الوطنية الأولى إلى مضاعفة أعداد المتبرعين أربع مرات، وسجلت أكبر مشاركة في تاريخ بنوك الدم بالمملكة بتجاوز 65 ألف متبرع، جميعهم بدافع طوعي خالص، وكان أكثر من ثمانية من كل عشرة منهم يتبرعون للمرة الأولى. وهذه النسبة تحديدًا تستحق التأمل، لأنها تكشف أن الاستعداد للعطاء كان كامنًا في المجتمع ينتظر من يستنهضه، وأن القدوة الصادقة كفيلة بتحويل النية الطيبة إلى خطوة عملية. وقد انعكس ذلك مباشرة على المرضى، إذ استفاد من وحدات الدم أكثر من ثلاثة وستين ألف شخص، إضافة إلى آلاف من وحدات الصفائح والبلازما التي تنقذ حياة من يواجهون السرطان وأمراض الدم والحالات الحرجة.

ولا ينفصل هذا الجهد عن الرؤية الأشمل التي تقود التحول الوطني، فرؤية السعودية 2030 لم تقصر مفهوم التنمية على المشروعات والمؤشرات، بل جعلت الإنسان محورها وغايتها، وراهنت على أن جودة الحياة تصنعها المؤسسات والأفراد معًا. فالمجتمع الحيوي الذي تنشده الرؤية يقوم على مواطن يعي دوره ويشارك في حماية أمنه الصحي، ويدرك أن صحة المجتمع مسؤولية مشتركة لا تتحقق بجهود القطاع الصحي وحده. ومن هنا تلتقي الحملة مع مستهدفات برنامج تحول القطاع الصحي في السعي إلى إمدادات دم آمنة ومستدامة تغطي حاجة المرضى في مختلف مناطق المملكة، وتقترب من الاكتفاء الذاتي.

وتبدو المؤشرات الوطنية مشجعة في هذا المسار، إذ تجاوز عدد المتبرعين خلال عام 2025 تسعمئة ألف متبرع، وهو رقم يعكس تحولًا تدريجيًا في السلوك المجتمعي، ويؤكد أن استمرار الحملة للعام الثاني على التوالي يعبر عن نهج ثابت، لا عن حماسة موسمية. فالثقافات لا تتغير بحملة واحدة، وإنما بتراكم المبادرات وثبات الرسالة وصدق القدوة.

وفي المحصلة، فإن ما تحتاجه ثقافة التبرع بالدم أن تنتقل من كونها استجابة لحدث أو حملة إلى قيمة يومية يحملها كل فرد، مدركًا أن عطاءً يسيرًا منه قد يكون سببًا في إنقاذ حياة إنسان لا يعرفه. وتبرع سمو ولي العهد يذكّر الجميع بأن أبلغ الخطب هي تلك التي تُكتب بالفعل، وأن الأوطان تُبنى حين يكونوا القادة هم قدوة شعبهم فيما يدعونهم إليه.

في مجتمعات كثيرة، لا تنتصر القيم بالموعظة، بل بمن يسبق إلى فعلها. فحين يتقدم صاحب القرار الصفوف ويبدأ بنفسه، يتحول المبدأ من فكرة تُقال إلى سلوك يُقتدى، ويصبح الاقتداء أسرع طريق إلى تغيير العادات الجمعية. ومن هذه الزاوية يمكن قراءة تبرع صاحب السمو الملكي الأمير محمد بن سلمان بن عبدالعزيز، ولي العهد رئيس مجلس الوزراء، حفظه الله، بدمه وإطلاقه الحملة الوطنية السنوية للتبرع بالدم لعام 2026، فالمشهد في دلالته أبعد من مناسبة صحية تمر وتنقضي، إذ يقدم نموذجًا عمليًا لقيادة ترى أن الكلمة لا تكتمل إلا بالفعل.

ولعل أبرز ما في هذه الخطوة أنها تنقل التبرع بالدم من دائرة الاحتياج الطارئ إلى دائرة الوعي المستدام. فالمجتمعات المتقدمة صحيًا لا تنتظر الأزمة لتستنفر أبناءها، بل تبني فيهم استعدادًا دائمًا للعطاء، حتى يغدو التبرع عادة راسخة لا استجابة ظرفية. وحين تأتي الدعوة من أعلى هرم المسؤولية، فإنها تسقط الحواجز النفسية التي تحول بين كثيرين وبين هذا الفعل، وتمنحهم قناعة بأن ما يقدمونه قليل في ظاهره، عظيم في أثره.

وتشهد تجربة العام الماضي على صدق هذا الرهان، فقد أفضت الحملة الوطنية الأولى إلى مضاعفة أعداد المتبرعين أربع مرات، وسجلت أكبر مشاركة في تاريخ بنوك الدم بالمملكة بتجاوز 65 ألف متبرع، جميعهم بدافع طوعي خالص، وكان أكثر من ثمانية من كل عشرة منهم يتبرعون للمرة الأولى. وهذه النسبة تحديدًا تستحق التأمل، لأنها تكشف أن الاستعداد للعطاء كان كامنًا في المجتمع ينتظر من يستنهضه، وأن القدوة الصادقة كفيلة بتحويل النية الطيبة إلى خطوة عملية. وقد انعكس ذلك مباشرة على المرضى، إذ استفاد من وحدات الدم أكثر من ثلاثة وستين ألف شخص، إضافة إلى آلاف من وحدات الصفائح والبلازما التي تنقذ حياة من يواجهون السرطان وأمراض الدم والحالات الحرجة.

ولا ينفصل هذا الجهد عن الرؤية الأشمل التي تقود التحول الوطني، فرؤية السعودية 2030 لم تقصر مفهوم التنمية على المشروعات والمؤشرات، بل جعلت الإنسان محورها وغايتها، وراهنت على أن جودة الحياة تصنعها المؤسسات والأفراد معًا. فالمجتمع الحيوي الذي تنشده الرؤية يقوم على مواطن يعي دوره ويشارك في حماية أمنه الصحي، ويدرك أن صحة المجتمع مسؤولية مشتركة لا تتحقق بجهود القطاع الصحي وحده. ومن هنا تلتقي الحملة مع مستهدفات برنامج تحول القطاع الصحي في السعي إلى إمدادات دم آمنة ومستدامة تغطي حاجة المرضى في مختلف مناطق المملكة، وتقترب من الاكتفاء الذاتي.

وتبدو المؤشرات الوطنية مشجعة في هذا المسار، إذ تجاوز عدد المتبرعين خلال عام 2025 تسعمئة ألف متبرع، وهو رقم يعكس تحولًا تدريجيًا في السلوك المجتمعي، ويؤكد أن استمرار الحملة للعام الثاني على التوالي يعبر عن نهج ثابت، لا عن حماسة موسمية. فالثقافات لا تتغير بحملة واحدة، وإنما بتراكم المبادرات وثبات الرسالة وصدق القدوة.

وفي المحصلة، فإن ما تحتاجه ثقافة التبرع بالدم أن تنتقل من كونها استجابة لحدث أو حملة إلى قيمة يومية يحملها كل فرد، مدركًا أن عطاءً يسيرًا منه قد يكون سببًا في إنقاذ حياة إنسان لا يعرفه. وتبرع سمو ولي العهد يذكّر الجميع بأن أبلغ الخطب هي تلك التي تُكتب بالفعل، وأن الأوطان تُبنى حين يكونوا القادة هم قدوة شعبهم فيما يدعونهم إليه.

الجزيرة صحيفة سعودية يومية تصدر عن مؤسسة الجزيرة للصحافة والطباعة والنشر ومقرها العاصمة الرياض.

أسسها الشيخ عبدالله بن خميس وصدر عددها الاول كمجلة شهرية في أبريل 1960م.