حين يكون التاريخ حاضرا! – أ.د. محمد بن عبدالعزيز  العميريني

علاقة الأوطان بالتاريخ علاقة متباينة إلى حد التناقض في كثير من الأحيان، فمنها ما يسكن التاريخَ لكونه ماضياً يُروى، ومنها ما يجعل التاريخ قوةً تعمل في الحاضر، وذاكرةً تتحول إلى إرادة، والمملكة العربية السعودية من هذا الصنف الأصيل، لأن تاريخها لم يكن تعاقباً جامداً للسنين، وإنما كان صعوداً متدرجاً لفكرة الدولة حتى استقرت كياناً، (تسامى بها المجد) حتى غدت مشروعاً حضارياً يتطلع إلى المستقبل بنظرات ثاقبة دون أن يخلع عن روحه عباءة الجذور.. تبدو جذور الوفاء ضاربةً في عمق الأصالة، لتمنح أغصان المجد هيبة التجلي، ووقار الحضور.

ومن -هنا- يتضح أن (عطر التجلي بها من أزل) ولم يزل يتسامى ليزرع بذور الأمل في كل الدُنا، وينشر أفانين المجد مفسراً فلسفة المسيرة السعودية نفسها، تلك الفلسفة التي تعاهدت شعبها ليظل في أعالي القمم، قريناً للمجد حين لم يكن المجد انتصاراً مؤقتاً، وإنما حصيلة تاريخ من التأسيس والتوحيد والبناء، أهّلها لتكون تاجاً رفيع المحل.

قبل أن تكون الرياض عاصمةً لواحدة من أكثر الدول حضوراً وتأثيراً، كانت الدرعية تحمل البذرة الأولى للمشروع السعودي، ففي عام 1727م بدأت الدولة السعودية الأولى في عهد الإمام محمد بن سعود، واتخذت الدرعية مركزاً لها، ثم قامت الدولة السعودية الثانية سنة 1824م على يد الإمام تركي بن عبدالله آل سعود، بعد هذا استعاد الملك عبدالعزيز بن عبدالرحمن آل سعود الرياض عام 1902م، لتبدأ مرحلة توحيد المملكة العربية السعودية.

القيمة العميقة لتلك التواريخ تكمن فيما تكشف عنه من استمرار فكرة الدولة واستمرار التخطيط المنظم لها، فقد تتغير الظروف، وتتبدل موازين القوى، وتنقطع مراحل الحكم، غير أن الفكرة التي امتلكت جذورها الاجتماعية والتاريخية استطاعت أن تعود مرة بعد أخرى.

لم يولد المجد السعودي مكتملاً، وإنما نما نمواً واثق الخطى، كما تنمو الأشجار العظيمة: جذرٌ يرسخ أولاً، ثم جذعٌ يشتد، ثم أغصانٌ تتسع، حتى أصبحت الشجرة أكبر من اللحظة التي بدأت فيها.

كانت الدرعية جذراً، وكانت الرياض استعادةً للفكرة، وكان التوحيد تحويلاً للفكرة إلى واقع سياسي محكم، ثم أصبح بناء المؤسسات تحويلاً للجغرافيا إلى دولة، وأصبح الإنسان والتنمية والاقتصاد والثقافة تشكيلاً لمشروع حضاري ثابت الأركان.

في الخامس عشر من يناير 1902م استعاد الملك عبدالعزيز الرياض، ومن تلك اللحظة بدأت رحلة طويلة لتوحيد أجزاء البلاد استمرت نحو ثلاثة عقود، إلى أن صدر الأمر الملكي بتوحيد البلاد وتسميتها المملكة العربية السعودية، وأُعلن ذلك في الثالث والعشرين من سبتمبر 1932م.

غير أن اختزال إنجاز الملك عبدالعزيز في جمع المناطق تحت راية واحدة يضيّق معنى التوحيد، لأن التحدي الحقيقي لم يكن ضم المناطق وتوحيدها، وإنما صناعة معنى سياسي حكيم يجمع بين تلك المناطق.

ولهذا كان عليه أن يجعل من المسافات وحدة، ومن التباينات اجتماعاً، ومن القبائل والمناطق وطناً، ومن تعدد الولاءات انتماءً إلى دولة، وهذه هي اللحظة التي تجاوز فيها المشروع السعودي مفهوم الغلبة إلى مفهوم البناء.

فالدول قد تتوسع بالقوة، ولكن الأوطان لا تستقر إلا حين تتحول الوحدة من حدود مرسومة على الخريطة إلى شعور راسخ في الإنسان، ولذلك كان الأمن أحد أعظم التحولات في التجربة السعودية، لأن الأمن كان شرطاً رئيساً يسمح للمجتمع بأن ينتقل من هاجس البقاء إلى إمكانية البناء.

جمع الملك عبدالعزيز-طيّب الله ثراه- الأرض، لكن الأثر الأعمق أنه جمع الزمن السعودي نفسه، حين وصل جذور الدولة الأولى والثانية بالدولة الثالثة، ثم دفع بهذه الذاكرة التاريخية نحو كيان يستطيع البقاء والاستمرار، ولهذا كان الثالث والعشرون من سبتمبر 1932م لحظة تحوّل تاريخية، حين أصبح الشتات وحدة، والجغرافيا دولة، والدولة وطناً.

تعاقبت بعد ذلك عهود الملوك: سعود، وفيصل، وخالد، وفهد، وعبدالله -رحمة الله عليهم جميعاً- ثم الملك سلمان بن عبدالعزيز-حفظه الله-، وظل كل عهد يضيف طبقة جديدة إلى البنيان الذي وضع أساسه الملك عبدالعزيز.

اتسعت مؤسسات الدولة، وانتشر التعليم، ونمت المدن، وتطورت البنية التحتية، وتوسعت الخدمات الصحية، وتشكل اقتصاد حديث، وأصبحت الطرق والمطارات والجامعات والمستشفيات والموانئ والمدن الصناعية علامات تدل على انتقال المملكة من مرحلة تأسيس الكيان إلى مرحلة بناء قدراته، وكان اكتشاف النفط منعطفاً اقتصادياً بالغ الأثر، غير أن القراءة الأعمق للتجربة السعودية لم تر في النفط قصة المملكة كلها، بل تراه أداةً في قصة أكبر، لأن الثروة وحدها لا تبني دولة، وإنما تمنح الإمكان، أما الدولة فقادرة على تحويل الممكن إلى مؤسسة، والمؤسسة إلى تنمية، والتنمية إلى استقرار، والاستقرار إلى قوة مستدامة، ولهذا كان الإنجاز السعودي الحقيقي هو الانتقال المتدرج من امتلاك الموارد إلى بناء الدولة القادرة على إدارتها وتوظيفها في الإنسان والمكان.

وفي قلب التجربة السعودية بعدٌ لا يمكن قراءتها من دونه: إنه (الحرمان الشريفان)، فالمملكة ليست جغرافيا سياسية فحسب، إنها الأرض التي تحتضن مكة المكرمة والمدينة المنورة، وتستقبل ملايين المسلمين القادمين للحج والعمرة والزيارة، و-هنا- يأخذ مفهوم المجد بعداً مختلفًا أكثر عمقاً ودلالة، لينتقل بهذا التشريف ويشكّل مجد المسؤولية، فخدمة الحرمين لا تُقاس فقط بضخامة المشروعات والتوسعات وشبكات النقل والخدمات، وإنما بما تمثله من التزام تاريخي بأن تكون الإمكانات الحديثة في خدمة أقدس مقصدين في وجدان المسلمين، وأن تتعاهدهما وزوارهما بالأمن والطمأنينة التي تجعل من زيارتهما أثراً ساكناً في الأفئدة.

ومن -هنا- اجتمع في المملكة العربية السعودية مفارقة جميلة: حداثة الوسيلة ونبل الغاية، قطارات وتقنيات ومنظومات رقمية ومشروعات هندسية هائلة، وكلها تتحرك في فضاء يمتد في الذاكرة الإسلامية إلى أربعة عشر قرناً، ولهذا يمكن وصف التاريخ السعودي الحديث بأنه انتقال متدرج من توحيد الأرض إلى تمكين الإنسان.. من الكتاتيب إلى الجامعات، ومن الرحلات الشاقة بين المناطق إلى شبكات الطرق والمطارات، ومن اقتصاد محدود النشاط إلى منظومة اقتصادية واستثمارية، وصناعية، وتقنية واسعة.

ومع عهد خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبد العزيز وولي عهده الأمين -حفظهم الله- دخلت المملكة مرحلةً شديدة العمق والتكثيف في تاريخها الحديث، إذ لم تكتفِ بإدارة ما تحقق، وإنما تعيد التفكير في الإمكانات التي لم تُستثمر بعد.

ومع إطلاق رؤية السعودية 2030 بقيادة ولي العهد الأمير محمد بن سلمان -حفظه الله-، انتقلت المملكة العربية السعودية إلى طور جديد من مشروعها التنموي، الذي يعتمد على ثلاثة محاور كبرى: مجتمع حيوي، واقتصاد مزدهر، ووطن طموح، مع تركيز واسع على تنويع الاقتصاد، والاستثمار، والثقافة، والسياحة، وجودة الحياة، وبناء قدرات الإنسان.

وهكذا، لم تعد رؤية المملكة العربية السعودية مشروعاً يطمح لبلوغ عام 2030 فقط، وإنما باتت تلك الرؤية الحكيمة تأسيساً لوطنٍ يتجاوز الزمن، وطنٌ يقيس مجده بقدرته على الإنجاز كلما اتسعت آفاق المستقبل، فالمجد الذي تصنعه السعودية وتخطط لبلوغه مسيرة وطنٍ يدرك تاريخه، ويعرف إلى أين يمضي، ويصنع من كل إنجاز بدايةً لإنجاز أكبر.