حين يكون الاختلاف مساحة للمعرفة.. لا للخصومة – علي حسن حسون

في الحياة تجري كثير من النقاشات والحوارات حول موضوعات متعددة، وتكون بطبيعتها قابلة للاختلاف في الآراء ووجهات النظر ولعل هذا الاختلاف هو ملح النقاش وروحه، إذ يفتح أمام المتحاورين آفاقًا من التنوع الفكري، ويمنح كل طرف فرصة لاكتشاف جوانب أخرى من الموضوع لم يكن يراها من زاويته الخاصة. فالجميل في الحوار ليس أن نصل دائمًا إلى الرأي نفسه، وإنما أن نرى الموضوع الواحد من أكثر من جهة، وأن ندرك أن الحقيقة قد تكون أوسع من رؤيتنا لها.

لكن خوض النقاشات يحتاج إلى قدر من الوعي، وأول ما ينبغي الانتباه إليه هو الفصل بين علاقتنا الشخصية بمن نحاوره، وبين طبيعة الموضوع الذي يدور حوله الحوار. فالخلط بين الشخص والفكرة قد يأخذ النقاش إلى مساحة مختلفة تمامًا، تتحول فيها الآراء إلى مواقف شخصية، وتتحول الاختلافات الفكرية إلى شحناء وبغضاء، وربما تصل في بعض الأحيان إلى القطيعة والكره. وعندها لا نخسر الحوار فقط، بل نخسر شيئًا أهم منه؛ نخسر فرصة التعلم من الآخر، ونغلق على أنفسنا أبوابًا واسعة من التنوع والمعرفة.

ولهذا، فإن هناك عدة أمور ربما تساعدنا على الفصل بين علاقتنا بالآخرين وبين ما نتحاور حوله معهم.

أولها: أن نوسع دائرة القبول وليس من الضروري أن يتفق الآخرون معنا في كل ما نراه أو نفكر فيه، كما أننا لسنا مطالبين بأن نتبنى كل فكرة نسمعها فالاختلاف لا يعني بالضرورة وجود خصومة، كما أن الاتفاق لا يعني دائمًا وجود علاقة عميقة. وعندما نتقبل أن للآخر زاويته الخاصة في النظر إلى الأشياء، فإننا نمنح أنفسنا فرصة حقيقية لفهم ما وراء رأيه، وربما اكتشاف ما لم نكن نراه من قبل، فالقبول هنا ليس تنازلًا عن القناعة، بل اعتراف بحق الآخر في أن يرى العالم من زاويته.

وثانيها: أن نفصل ذواتنا عن أفكارنا وهذه من أهم المساحات التي ينبغي أن نعيها أثناء الحوار؛ فالفكرة ليست نحن، والرأي ليس هويتنا، أفكارنا هي في نهاية المطاف نتائج لما تعلمناه وعرفناه وعشناه وتأثرنا به، ولذلك فهي قابلة للتغير كلما اتسعت معرفتنا وتبدلت تجاربنا ،أما الذات فهي شيء مختلف؛ فهي ليست مجموعة آرائنا المؤقتة التي تتغير من مرحلة إلى أخرى.

وقد يكون من الصعب أن نغير بعض صفاتنا الجسدية أو طبيعتنا التي ولدنا بها، لكن من السهل نسبيًا أن تتغير أفكارنا عندما تتغير معارفنا وتجاربنا لذلك، عندما يختلف أحدهم مع فكرة نؤمن بها، فلا ينبغي أن نشعر وكأنه يختلف معنا نحن كأشخاص. وانتقاد الفكرة ليس انتقادًا للإنسان، وتغيير الرأي ليس هزيمة، بل قد يكون في كثير من الأحيان علامة على أن الإنسان ما زال قادرًا على التعلم والنمو.

أما ثالثها، فهي التصالح مع طبيعة النقاشات نفسها، خصوصًا تلك التي قد تثير الغضب أو تستفز مشاعرنا فمن الطبيعي أن نشعر بالانزعاج عندما نسمع رأيًا يخالف ما نؤمن به، لكن غير الطبيعي أن يتحول ذلك الشعور إلى موقف دائم من صاحبه. ليس من الحكمة أن نصدر حكمًا على إنسان بناءً على نقاش عابر، أو أن نجعل اختلافًا في وجهة النظر سببًا لتغيير علاقتنا به.

التصالح مع الاختلاف يعني أن ندرك أن الحوار ليس معركة ينبغي أن ينتصر فيها أحد الطرفين، وإنما مساحة يتبادل فيها الطرفان ما لديهما من معرفة وتجربة وليس مطلوبًا في نهاية كل نقاش أن يخرج أحدنا منتصرًا والآخر مهزومًا؛ يكفي أحيانًا أن يخرج كلاهما بفكرة جديدة، أو بسؤال لم يكن يفكر فيه من قبل.

ولعل أجمل ما يمكن أن نفعله أثناء اختلافنا مع الآخرين، أن نترك بيننا وبين الفكرة مسافة كافية تجعلنا قادرين على النظر إليها بهدوء فكلما ضاقت المسافة بين الإنسان وفكرته، أصبح الدفاع عنها دفاعًا عن ذاته، وكلما اتسعت، أصبح أكثر قدرة على مراجعتها دون أن يشعر بأنه يخسر شيئًا من قيمته.

في النهاية، ليست المشكلة أن نختلف، فالاختلاف جزء أصيل من طبيعة البشر، وإنما المشكلة أن نجعل اختلافنا سببًا لإلغاء الآخر، نحن لا نحتاج إلى أن نتشابه حتى نحترم بعضنا، ولا أن نتفق حتى تستمر علاقاتنا فربما تكون أجمل العلاقات تلك التي تتسع للاختلاف دون أن تنكسر، وأعمق الحوارات تلك التي تجعلنا نغادرها ونحن لا نكره من خالفنا، بل نفهمه أكثر.

فالحوار الحقيقي لا يقاس بعدد المرات التي أقنعت فيها الآخرين برأيك، وإنما بعدد المرات التي خرجت فيها من الحوار وأنت أكثر فهمًا للآخر... وأكثر معرفة بنفسك.

في الحياة تجري كثير من النقاشات والحوارات حول موضوعات متعددة، وتكون بطبيعتها قابلة للاختلاف في الآراء ووجهات النظر ولعل هذا الاختلاف هو ملح النقاش وروحه، إذ يفتح أمام المتحاورين آفاقًا من التنوع الفكري، ويمنح كل طرف فرصة لاكتشاف جوانب أخرى من الموضوع لم يكن يراها من زاويته الخاصة. فالجميل في الحوار ليس أن نصل دائمًا إلى الرأي نفسه، وإنما أن نرى الموضوع الواحد من أكثر من جهة، وأن ندرك أن الحقيقة قد تكون أوسع من رؤيتنا لها.

لكن خوض النقاشات يحتاج إلى قدر من الوعي، وأول ما ينبغي الانتباه إليه هو الفصل بين علاقتنا الشخصية بمن نحاوره، وبين طبيعة الموضوع الذي يدور حوله الحوار. فالخلط بين الشخص والفكرة قد يأخذ النقاش إلى مساحة مختلفة تمامًا، تتحول فيها الآراء إلى مواقف شخصية، وتتحول الاختلافات الفكرية إلى شحناء وبغضاء، وربما تصل في بعض الأحيان إلى القطيعة والكره. وعندها لا نخسر الحوار فقط، بل نخسر شيئًا أهم منه؛ نخسر فرصة التعلم من الآخر، ونغلق على أنفسنا أبوابًا واسعة من التنوع والمعرفة.

ولهذا، فإن هناك عدة أمور ربما تساعدنا على الفصل بين علاقتنا بالآخرين وبين ما نتحاور حوله معهم.

أولها: أن نوسع دائرة القبول وليس من الضروري أن يتفق الآخرون معنا في كل ما نراه أو نفكر فيه، كما أننا لسنا مطالبين بأن نتبنى كل فكرة نسمعها فالاختلاف لا يعني بالضرورة وجود خصومة، كما أن الاتفاق لا يعني دائمًا وجود علاقة عميقة. وعندما نتقبل أن للآخر زاويته الخاصة في النظر إلى الأشياء، فإننا نمنح أنفسنا فرصة حقيقية لفهم ما وراء رأيه، وربما اكتشاف ما لم نكن نراه من قبل، فالقبول هنا ليس تنازلًا عن القناعة، بل اعتراف بحق الآخر في أن يرى العالم من زاويته.

وثانيها: أن نفصل ذواتنا عن أفكارنا وهذه من أهم المساحات التي ينبغي أن نعيها أثناء الحوار؛ فالفكرة ليست نحن، والرأي ليس هويتنا، أفكارنا هي في نهاية المطاف نتائج لما تعلمناه وعرفناه وعشناه وتأثرنا به، ولذلك فهي قابلة للتغير كلما اتسعت معرفتنا وتبدلت تجاربنا ،أما الذات فهي شيء مختلف؛ فهي ليست مجموعة آرائنا المؤقتة التي تتغير من مرحلة إلى أخرى.

وقد يكون من الصعب أن نغير بعض صفاتنا الجسدية أو طبيعتنا التي ولدنا بها، لكن من السهل نسبيًا أن تتغير أفكارنا عندما تتغير معارفنا وتجاربنا لذلك، عندما يختلف أحدهم مع فكرة نؤمن بها، فلا ينبغي أن نشعر وكأنه يختلف معنا نحن كأشخاص. وانتقاد الفكرة ليس انتقادًا للإنسان، وتغيير الرأي ليس هزيمة، بل قد يكون في كثير من الأحيان علامة على أن الإنسان ما زال قادرًا على التعلم والنمو.