حين يعزي الإنسان نفسه – أ.د.عثمان بن صالح العامر

(عظّم الله أجري).. عبارة اعتدنا أن نسمعها من الآخرين حين نفقد قريباً دفناه. أو صديقاً ودعناه، لكنها حين تخرج من فم الإنسان معزّياً بها نفسه، فإنها تحمل من الحزن ما تعجز عنه عبارات المواساة، وتكشف عن لحظة إنسانية يقف فيها المرء أمام الفقد وحيداً، لا يجد من الكلمات ما يواسي به قلبه إلا أن يقول لنفسه: عظّم الله أجري!.

بهذا المطلع الموجع استهل سيدي صاحب السمو الملكي الأمير عبدالعزيز بن سعد بن عبدالعزيز أبياتاً شعرية تنبض بالوفاء، وتفيض بحزن الذكريات:

ليس الحزن هنا على إنسان رحل فحسب، وإنما على زمن رحل معه، وعلى ضحكات كانت تملأ الأمكنة، وأحاديث ومواقف صنعت تاريخاً مشتركاً لا يستطيع الموت أن يمحوه، وإن استطاع أن يغيّب أصحابه. ولعل أعمق ما في هذه الأبيات أن الشاعر لم يبدأ بوصف الراحل، وإنما بدأ بوصف حاله هو بعد الرحيل؛ فالفقد الحقيقي لا يُقاس بمقدار الغياب وحده، بل بمقدار الفراغ الذي يتركه الغائب في حياة من أحبوه.

ثم ينتقل سموه إلى ذاكرة الطفولة، تلك الذاكرة التي لا تشيخ مهما تقدّم بنا العمر:

ما أصدق هذا التصوير!، فالإنسان لا يكبر بكل ما فيه؛ إذ يبقى في أعماقه طفل يحتفظ بأسماء الأصدقاء، حكاياتهم، مواقفهم، ترتسم في ذاكرته ملامح البيوت القديمة، أصوات الأهل والأحباب ، تفاصيل الأيام الأولى. وقد تتباعد المسافات، وتتغير الأحوال، ولكن ذكرى واحدة قادرة على إعادة الإنسان إلى عمر مضى، وإلى وجوه غابت، وإلى مشاعر ظن أنه تجاوزها.

إن الحنين ليس مجرد استعادة للماضي، وإنما هو اعتراف بقيمة الذين شاركونا صناعته. ولهذا فإن بعض العلاقات لا تقوى السنوات على إضعافها، ولا تستطيع المسافات قطع جذورها؛ لأنها لم تُبنَ على المصالح العابرة، وإنما تشكلت في أعماق الوجدان.، واستقرت بين الحنايا. وتبلغ المفارقة الإنسانية ذروتها حين يقول سمو الأمير:

هنا تتجلى قسوة الموت حين يسبق المواعيد، ويقطع على الأحياء أحاديثهم المؤجلة، ولقاءاتهم المنتظرة. فكم من موعد قلنا فيه: غداً نلتقي، وكم من حديث أجّلناه إلى فرصة قادمة، ثم اكتشفنا أن الغد الذي انتظرناه لم يأتِ، وأن بعض المواعيد لا تُخلفها القلوب، وإنما يسبقها الأجل. وهذه من أعظم دروس الفقد؛ ألا نؤجل المحبة، ولا نبخل بكلمة طيبة، ولا نترك للغد كل ما نستطيع أن نقدمه اليوم. فالعمر أقصر من أن نراهن على امتداده، والإنسان لا يعرف أي لقاء سيكون الأخير. ويختتم سموه أبياته بقوله:

إنها عودة إلى المطلع، ولكنها ليست عودة إلى المعنى نفسه؛ ففي البداية كان يبحث عن العزاء، وفي النهاية أدرك أن بعض الأحزان لا يعزّي الإنسان فيها إلا إيمانه وصبره، وأن الدموع ليست ضعفاً، بل شهادة وفاء، ولغة صادقة حين تضيق الكلمات عن التعبير. كيف لا وقد بكى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو من هو بأبي هو وأمي عليه الصلاة والسلام عند وفاة ابنه إبراهيم، وقال: (إن العين تدمع، والقلب يحزن، ولا نقول إلا ما يرضى ربنا)، فجمع في هذا الموقف العظيم بين رقة المشاعر والتسليم بقضاء الله والرضى بالمكتوب.

واللافت في أبيات سمو سيدي الأمير أنها تجرّد الحزن من الألقاب والمواقع والمناصب، وتعيد الإنسان إلى حقيقته الأولى؛ قلب يحب، وذاكرة تحن، وعين تدمع. فالفقد تجربة إنسانية لا تميّز بين أمير ومواطن، ولا بين غني وفقير؛ لأن الموت حين يأخذ عزيزاً لا يسأل عن مكانة من يبكيه.

إن في هذه القصيدة دلالة ضمنية على أنه ليس صحيحاً أن كل المراثي حديثاً عن الموتى؛ فبعضها قد يكون حديث عن الأحياء الذين أخذ الراحلون معهم شيئاً من أرواحهم. وهذا ما تقوله هذه الأبيات في عمقها الإنساني.

وإذا كان الموت يطوي أعمار الأحبة، فإن الوفاء يفتح لهم في الذاكرة عمراً آخر، لا تحكمه السنوات ولا تحدّه المسافات. وما أجمل أن نقرأ هذه الأبيات لا بوصفها قصيدة حزن وحدها، بل رسالة إلى كل من بقي له عزيز على قيد الحياة: لا تؤجل لقاءه، ولا تؤخر مودته، ولا تنتظر الغياب لتكتشف قيمة الحضور؛ فبعض المواعيد يسبقها الأجل، وبعض كلمات المحبة لا تعوّضها ألف مرثية.، أحسن الله عزاكم سيدي على (عبد العزيز بن عبد العزيز الرشيد)، وجعل قبره روضة من رياضه، وليلته أسعد لياليه، ورزقكم وذويه ومحبيه الصبر والسلوان، وأعاننا على ما أعانه عليه وما بعده.

(عظّم الله أجري).. عبارة اعتدنا أن نسمعها من الآخرين حين نفقد قريباً دفناه. أو صديقاً ودعناه، لكنها حين تخرج من فم الإنسان معزّياً بها نفسه، فإنها تحمل من الحزن ما تعجز عنه عبارات المواساة، وتكشف عن لحظة إنسانية يقف فيها المرء أمام الفقد وحيداً، لا يجد من الكلمات ما يواسي به قلبه إلا أن يقول لنفسه: عظّم الله أجري!.

بهذا المطلع الموجع استهل سيدي صاحب السمو الملكي الأمير عبدالعزيز بن سعد بن عبدالعزيز أبياتاً شعرية تنبض بالوفاء، وتفيض بحزن الذكريات:

ليس الحزن هنا على إنسان رحل فحسب، وإنما على زمن رحل معه، وعلى ضحكات كانت تملأ الأمكنة، وأحاديث ومواقف صنعت تاريخاً مشتركاً لا يستطيع الموت أن يمحوه، وإن استطاع أن يغيّب أصحابه. ولعل أعمق ما في هذه الأبيات أن الشاعر لم يبدأ بوصف الراحل، وإنما بدأ بوصف حاله هو بعد الرحيل؛ فالفقد الحقيقي لا يُقاس بمقدار الغياب وحده، بل بمقدار الفراغ الذي يتركه الغائب في حياة من أحبوه.

ثم ينتقل سموه إلى ذاكرة الطفولة، تلك الذاكرة التي لا تشيخ مهما تقدّم بنا العمر:

ما أصدق هذا التصوير!، فالإنسان لا يكبر بكل ما فيه؛ إذ يبقى في أعماقه طفل يحتفظ بأسماء الأصدقاء، حكاياتهم، مواقفهم، ترتسم في ذاكرته ملامح البيوت القديمة، أصوات الأهل والأحباب ، تفاصيل الأيام الأولى. وقد تتباعد المسافات، وتتغير الأحوال، ولكن ذكرى واحدة قادرة على إعادة الإنسان إلى عمر مضى، وإلى وجوه غابت، وإلى مشاعر ظن أنه تجاوزها.

إن الحنين ليس مجرد استعادة للماضي، وإنما هو اعتراف بقيمة الذين شاركونا صناعته. ولهذا فإن بعض العلاقات لا تقوى السنوات على إضعافها، ولا تستطيع المسافات قطع جذورها؛ لأنها لم تُبنَ على المصالح العابرة، وإنما تشكلت في أعماق الوجدان.، واستقرت بين الحنايا. وتبلغ المفارقة الإنسانية ذروتها حين يقول سمو الأمير:

هنا تتجلى قسوة الموت حين يسبق المواعيد، ويقطع على الأحياء أحاديثهم المؤجلة، ولقاءاتهم المنتظرة. فكم من موعد قلنا فيه: غداً نلتقي، وكم من حديث أجّلناه إلى فرصة قادمة، ثم اكتشفنا أن الغد الذي انتظرناه لم يأتِ، وأن بعض المواعيد لا تُخلفها القلوب، وإنما يسبقها الأجل. وهذه من أعظم دروس الفقد؛ ألا نؤجل المحبة، ولا نبخل بكلمة طيبة، ولا نترك للغد كل ما نستطيع أن نقدمه اليوم. فالعمر أقصر من أن نراهن على امتداده، والإنسان لا يعرف أي لقاء سيكون الأخير. ويختتم سموه أبياته بقوله: