كنا نختلف على المباراة، فأصبحنا نختلف على الذين يتحدثون عنها. وكان المحلل يساعدنا على فهم ما جرى في الملعب، ثم تطورت المهمة حتى صرنا نحتاج إلى محلل آخر يشرح لنا ما يقصده المحلل الأول!
تسأله: لماذا خسر الفريق؟ فيستدعي كامو، ويمر على ديوي، ويستوقف مفكرًا لم تسمع باسمه، ثم يعود إليك بمصطلح يشبه اسم دواء مستورد. تستمع بكل ما تبقى لديك من صبر، وتنتهي الحلقة وأنت تعرف شيئًا عن أزمة الإنسان المعاصر، ولا تعرف لماذا ظل الظهير وحيدًا أمام مهاجمين طوال الشوط الثاني.
كرة القدم تتسع للفلسفة والثقافة والأدب؛ فيها ما يغري بالتأمل والكتابة، وما يكشف طبائع الناس والمجتمعات. لكن بعض ضيوفها الجدد يدخلون إليها وفي أيديهم مرآة، يقضون الوقت في تأمل صورتهم وهم يتحدثون. تصبح المباراة مناسبة لإظهار سعة الاطلاع، وتتحول أسماء الفلاسفة إلى بطاقات تعريف، تُلقى على الطاولة كلما احتاج رأي عادي إلى شيء من الهيبة.
وأحيانًا تشعر أن النظرية جاهزة منذ الصباح، وأن صاحبها انتظر مباراة المساء ليبحث لها عن لقطة تصلح شاهدًا. فإن فاز الفريق أثبتت النتيجة نظريته، وإن خسر كشفت الخسارة عمق نظريته أيضًا. وحده المشاهد يخسر في الحالتين!
صرنا بين نارين. برامج تلفزيونية تجمع بعد المباراة من يجيدون رفع أصواتهم على بعضهم، وتترك الكرة عند باب الاستديو. مداخلة تستدعي مقاطعة، وكلمة تستدعي اتهامًا، وضحكة محسوبة تستفز جمهورًا كاملًا. وفي الصباح يصلنا المقطع المختصر: «شاهد الرد الناري»، و»فلان يقصف جبهة فلان». نبحث عن الهجمة التي جاء منها الهدف، فنجد هجومًا على الضيف، وننتظر تفسير التبديل، فيتبدل موضوع الحلقة.
يمكنك أن تتابع بعض هذه البرامج من دون أن تكون قد شاهدت المباراة، وربما من دون أن تعرف من لعب أصلًا؛ فالخصومة مستمرة، والأدوار محفوظة، وكل نتيجة تصلح وقودًا للحلقة المقبلة.
وحين ظننا أن البودكاست سيمنحنا فرصة للاستماع بهدوء، جاء بعضه باستعراض أطول نفس. مقعد مريح، وإضاءة خافتة، وميكروفون ضخم، وساعتين من الحديث تحتاجان أحيانًا إلى عشر دقائق من المعنى.
ذكّرنا بعض أصحابه بذلك العائد من الدراسة في الخارج الذي تتعثر جملته العربية حتى يسندها بكلمة إنجليزية، ثم يحدثك عن الحياة كأنه استلم مفاتيحها عند بوابة المطار. تسمع المصطلح، ثم ترجمته، ثم شرح الترجمة، وتتمنى لو أنه بدأ باللقطة وانتهى عندها.
وبين فكرة وأخرى تمر السيرة الذاتية: دورة هنا، ورخصة تدريب هناك، و»بي» و»إيه»، وبرنامج وماجستير. حتى لتشعر أنك أمام لجنة تعادل شهادات، وعليك أن تعتمد مؤهلات المتحدث قبل أن يسمح لك بمناقشة رأيه.
للشهادات قيمتها، وللتخصص احترامه، ويظهر أثرهما حين يلتقط صاحبهما ما فاتنا، ويشرح لنا ما استعصى علينا. أما تكرارهما على مسامع الجمهور فيجعلنا نسأل: متى تنتهي المقدمة ويبدأ التحليل؟ وسط هذا كله، أفتقد من يكتب من قلبه؛ من يحب اللعبة بما يكفي لينصفها، ويحترم القارئ بما يكفي ليمنحه فكرة واضحة وجملة تستحق القراءة. أتذكر تحليل محمد الكثيري بعد مباراة الليلة، حين نقرؤه في الصباح فنعود إلى الملعب مرة أخرى. نستعيد حركة لم نتوقف عندها، ونفهم تفصيلًا عبر أمام أعيننا سريعًا، ونرى للمباراة ترتيبًا أوضح في الذاكرة. كان للنص متعته، ولصاحبه عين تعرف أين تنظر، ولغته تقرّب إليك المشهد.
وحتى تقديم المباراة قبل انطلاقها كان يصنع انتظارًا جميلًا. تقرأ فتتهيأ للمنافسة: هنا تكمن القوة، ومن هذه الجهة قد يأتي الخطر، وبين هذين اللاعبين حكاية تستحق المتابعة. تدخل المباراة وفي رأسك أسئلة، ثم تراقب كيف يجيب عنها الملعب. ذلك النوع من الكتابة يمنح المشجع متعة إضافية، ويدرّبه مع الوقت على المشاهدة والفهم. يجعله يختلف بحجة، وينتبه إلى ما يتجاوز لون القميص. ولعل هذا ما نفتقده اليوم، ونحن نخرج من ساعات الكلام أكثر توترًا، وأقل قدرة على تفسير ما شاهدناه.
لقد جرّبنا الأصوات العالية طويلًا. نعرف ما تستطيع أن تصنعه من انتشار، وما تخلّفه من احتقان. والكلمة المكتوبة أيضًا تحتاج إلى ضمير وفهم، لكن فيها فرصة للمراجعة؛ يستطيع صاحبها أن يقرأ جملته قبل أن يدفع بها إلى الناس، وأن يسأل نفسه إن كانت تضيف معرفة أو تستجدي خصومة.
من يعيد إلى تحليلنا الرياضي هذا الرقي؟ من يجعل الثقافة نورًا نرى به المباراة، ويمنح المصطلح قدر حاجتنا إليه، ويترك للشهادة أثرها في جودة الرأي؟ من يتذكر أن وراء الشاشة مشاهد يحب الكرة، وقد أمضى تسعين دقيقة ينتظر متعتها، ويستحق حديثًا يكمّلها؟ خفّفوا قليلًا من السير الذاتية، ومن المعارك، ومن الفلاسفة الذين تستدعونهم كلما تعثر مهاجم أمام المرمى. أعيدوا لنا المباراة.
كنا نختلف على المباراة، فأصبحنا نختلف على الذين يتحدثون عنها. وكان المحلل يساعدنا على فهم ما جرى في الملعب، ثم تطورت المهمة حتى صرنا نحتاج إلى محلل آخر يشرح لنا ما يقصده المحلل الأول!
تسأله: لماذا خسر الفريق؟ فيستدعي كامو، ويمر على ديوي، ويستوقف مفكرًا لم تسمع باسمه، ثم يعود إليك بمصطلح يشبه اسم دواء مستورد. تستمع بكل ما تبقى لديك من صبر، وتنتهي الحلقة وأنت تعرف شيئًا عن أزمة الإنسان المعاصر، ولا تعرف لماذا ظل الظهير وحيدًا أمام مهاجمين طوال الشوط الثاني.
كرة القدم تتسع للفلسفة والثقافة والأدب؛ فيها ما يغري بالتأمل والكتابة، وما يكشف طبائع الناس والمجتمعات. لكن بعض ضيوفها الجدد يدخلون إليها وفي أيديهم مرآة، يقضون الوقت في تأمل صورتهم وهم يتحدثون. تصبح المباراة مناسبة لإظهار سعة الاطلاع، وتتحول أسماء الفلاسفة إلى بطاقات تعريف، تُلقى على الطاولة كلما احتاج رأي عادي إلى شيء من الهيبة.
وأحيانًا تشعر أن النظرية جاهزة منذ الصباح، وأن صاحبها انتظر مباراة المساء ليبحث لها عن لقطة تصلح شاهدًا. فإن فاز الفريق أثبتت النتيجة نظريته، وإن خسر كشفت الخسارة عمق نظريته أيضًا. وحده المشاهد يخسر في الحالتين!
صرنا بين نارين. برامج تلفزيونية تجمع بعد المباراة من يجيدون رفع أصواتهم على بعضهم، وتترك الكرة عند باب الاستديو. مداخلة تستدعي مقاطعة، وكلمة تستدعي اتهامًا، وضحكة محسوبة تستفز جمهورًا كاملًا. وفي الصباح يصلنا المقطع المختصر: «شاهد الرد الناري»، و»فلان يقصف جبهة فلان». نبحث عن الهجمة التي جاء منها الهدف، فنجد هجومًا على الضيف، وننتظر تفسير التبديل، فيتبدل موضوع الحلقة.
يمكنك أن تتابع بعض هذه البرامج من دون أن تكون قد شاهدت المباراة، وربما من دون أن تعرف من لعب أصلًا؛ فالخصومة مستمرة، والأدوار محفوظة، وكل نتيجة تصلح وقودًا للحلقة المقبلة.
وحين ظننا أن البودكاست سيمنحنا فرصة للاستماع بهدوء، جاء بعضه باستعراض أطول نفس. مقعد مريح، وإضاءة خافتة، وميكروفون ضخم، وساعتين من الحديث تحتاجان أحيانًا إلى عشر دقائق من المعنى.
ذكّرنا بعض أصحابه بذلك العائد من الدراسة في الخارج الذي تتعثر جملته العربية حتى يسندها بكلمة إنجليزية، ثم يحدثك عن الحياة كأنه استلم مفاتيحها عند بوابة المطار. تسمع المصطلح، ثم ترجمته، ثم شرح الترجمة، وتتمنى لو أنه بدأ باللقطة وانتهى عندها.