«كانت ملوك الفرس إذا غضبت على عاقل حبسته مع جاهل»... عبارة أوردها أبو الحسن الماوردي في «أدب الدنيا والدين»، وبقيت بعد قرون طويلة قادرة على إثارة سؤال يتجاوز زمانها ومكانها: أيّ سجن يمكن أن يكون أقسى على العقل من أن يُجبر على العيش في فضاء لا تحكمه قواعد التفكير، ولا لغة الحوار، ولا سلطان الدليل؟.
لم تكن قيمة هذه العبارة في حكاية ملوك الفرس، ولا في ظرفها التاريخية، وإنما في ذلك المعنى الإنساني العميق الذي تختزنه. فالإنسان قد يكون محاطًا بالناس من كل جانب، ومع ذلك يعيش عزلة أشد قسوة من عزلة الوحدة، حين يفقد اللغة المشتركة التي تمكنه من التواصل معهم. ليست العزلة دائمًا غياب الآخرين، فقد تكون أحيانًا حضورهم الكثيف من دون إمكانية حقيقية للحوار.
والاختلاف، في ذاته، ليس عدوًا للعقل. بل إن العقل ينمو بالاختلاف، ويختبر أفكاره في مواجهة الأسئلة، ويكتشف نقاط ضعفه حين يستمع إلى رأي آخر.
ما يستنزفه ليس أن يختلف الآخرون معه، وإنما أن يصبح الاختلاف مستحيلًا، حين تتحول الحجة إلى انطباع، والسؤال إلى اتهام، والنقاش إلى خصومة، والبحث عن الحقيقة إلى مجرد رغبة في الانتصار.
وهنا تتجاوز حكمة الماوردي سياقها القديم لتصبح مرآة للحاضر. فالجاهل ليس بالضرورة من يملك معلومات قليلة. قد يكون الإنسان محدود المعرفة، لكنه يمتلك فضيلة نادرة: أن يعرف أنه لا يعرف. وقد يكون آخر محمّلًا بالمعلومات، لكنه عاجز عن اختبارها أو ربطها أو مساءلة مصادرها أو مراجعة أحكامه.
الجهل الأخطر ليس ألا نعرف، وإنما أن نجهل أننا لا نعرف. وأشد منه خطرًا أن يتحول الجهل إلى يقين مغلق، إلى موقف لا يسمح بالسؤال، ولا يعترف بالخطأ، ولا يقبل المراجعة.
العقل لا يشترط على الآخرين أن يشبهوه، ولا يطلب منهم أن يوافقوه في كل شيء. كل ما يحتاجه هو ذلك الحد الأدنى الذي يجعل الاختلاف ممكنًا: احترام الحقيقة، والاعتراف بالدليل، والقدرة على السؤال، والاستعداد لتغيير الموقف عندما تتغير المعطيات.
أما حين يسقط هذا الحد الأدنى، فإن الحوار يصبح أشبه بمحاولة بناء جسر فوق فراغ. وهنا يصبح الجهل أكثر من حالة فردية. فقد يتحول إلى مناخ، وإلى ثقافة، وإلى طريقة في النظر إلى العالم، بل وإلى سلوك جماعي يدافع عن نفسه كلما اقتربت منه المعرفة. وعندها لا يعود الجهل مجرد غياب للمعرفة، بل يصبح مقاومة للمعرفة. وهذه هي المفارقة الكبرى في عصرنا.
لقد فتح العالم الرقمي أبواب المعرفة على مصاريعها، وأصبح في إمكان الإنسان أن يصل خلال ثوان إلى ما كان يحتاج في الماضي إلى سنوات للوصول إليه. لكن وفرة المعلومات لم تؤد بالضرورة إلى وفرة الوعي.
لقد انتقلنا من زمن كان الإنسان فيه يعاني من نقص المعلومات إلى زمن قد يعاني فيه من فائضها. وهنا لا تكمن المشكلة في أن نجد معلومة، وإنما في أن نعرف أي معلومة تستحق التصديق، وأيها تحتاج إلى تحقق، وأيها رأي، وأيها حقيقة، وأيها تحليل، وأيها دعاية.
قد تنتشر المعلومة الكاذبة أسرع من الحقيقة، لأن الكذب لا يحتاج إلى إثبات، بينما تحتاج الحقيقة إلى وقت ودليل وسياق.
والأخطر أن الإنسان يستطيع اليوم أن يبني لنفسه عالمًا معلوماتيًا خاصًا، لا يرى فيه إلا ما يؤكد قناعاته السابقة. فيصبح الفضاء الذي يفترض أن يوسع رؤيته للعالم أداة لتضييقها.
وهكذا يظهر شكل جديد من الجهل: وهم المعرفة. إنه وهم، أن يمتلك الإنسان إجابة جاهزة عن كل سؤال، وأن يعتبر السؤال ضعفًا، والمراجعة تراجعًا، والاعتراف بالخطأ هزيمة.
وعندما يصبح الإنسان أسيرًا لهذا الوهم، لا يعود يبحث عن الحقيقة، بل عن كل ما يؤكد أنه كان على حق.
وهنا نستعيد، بعد قرون من الماوردي، «أمثولة الكهف» عند أفلاطون. في الكهف الأفلاطوني، يعيش الإنسان أسير الظلال، ويحسبها الحقيقة لأنها كل ما عرفه. لكن الخروج من الكهف ليس مجرد انتقال من الظلام إلى النور، إنه مواجهة مؤلمة مع حقيقة لم يكن مستعدًا لرؤيتها.
والفيلسوف الذي يخرج من الكهف لا يكتفي بخلاصه الشخصي، بل يعود إلى الآخرين، محاولًا أن يدلهم على النور، حتى وإن واجه سوء الفهم والمقاومة.
وهنا يلتقي الماوردي بأفلاطون في سؤال يتجاوز الفلسفة إلى جوهر الحياة الإنسانية: هل يحمي العقل نفسه من الجهل بالابتعاد عنه، أم يقترب منه ليحوله إلى معرفة؟.
ربما يحتاج العقل إلى الأمرين معًا. يحتاج إلى العزلة حين تصبح الضوضاء طاغية، وإلى الحوار حين يريد اختبار أفكاره. يحتاج إلى الصمت حتى يسمع صوته الداخلي، وإلى الآخر حتى يكتشف حدود هذا الصوت.
لكن المعضلة تبدأ حين يتحول الاختلاف إلى عداوة، والجهل إلى هوية، والمعلومة إلى سلاح، والحقيقة إلى تهديد.
وفي السياسة والإعلام، تصبح هذه المعضلة أكثر خطورة. فالمجتمعات لا تتضرر فقط عندما تنقصها المعلومات، بل عندما تُشوَّه المعلومات، أو تُنتزع من سياقها، أو يتحول الرأي فيها إلى حقيقة، والانطباع إلى حكم، والتكرار إلى دليل.
ولهذا فإن الإعلام المسؤول لا تتمثل مهمته في إغراق الناس بالمعلومات، بل في مساعدتهم على فهمها.
الصحافة التي تضع الوقائع في سياقها، وتفصل بين الخبر والرأي، وتتيح تعدد وجهات النظر، وتتحقق من مصادرها، وتحترم عقل القارئ، لا تقوم بوظيفة إخبارية فحسب، إنها تساهم في بناء العقل العام.
أما الإعلام الذي يجعل من الصخب بديلًا عن الحقيقة، ومن الإثارة بديلًا عن التفسير، فقد يتحول، من حيث يدري أو لا يدري، إلى جزء من المشكلة. وهنا تصبح مسؤولية الصحفي والمثقف والمفكر أكبر من مجرد نقل المعرفة. إنها مسؤولية حماية المجال العام من أن يتحول إلى سوق مفتوحة للأوهام.
ولعل هذا هو الدرس الأهم: إن حماية العقل لا تعني عزله عن المجتمع، وإنما منحه المناعة التي تمكنه من العيش داخله دون أن يفقد استقلاله.
فليس المطلوب أن نقسم العالم إلى «عقلاء» و»جهلاء».
فكل إنسان يمكن أن يكون عاقلًا في موقف وجاهلًا في موقف آخر، وكل عقل معرض للخطأ والانحياز.
أما اليقين المغلق فيقول: يستحيل أن أكون مخطئًا.
ولهذا فإن أخطر السجون ليست تلك التي تغلق أبوابها بالحديد، وإنما تلك التي تُغلق أبوابها داخل الإنسان.
قد يعيش الإنسان في مدينة مفتوحة، ويسافر بين القارات، ويتصفح ملايين الصفحات، ويتواصل مع آلاف الأشخاص، لكنه يظل سجين فكرة واحدة إذا فقد القدرة على مراجعتها.
وقد تكون الجدران من حوله غير مرئية، لكنها أكثر صلابة من الحديد: جدار التعصب، وجدار الوهم، وجدار الخوف من الاعتراف بالخطأ.
ذلك أن الإنسان لا يُسجن فقط حين يُمنع من الوصول إلى الحقيقة، بل قد يُسجن أيضًا حين يفقد الرغبة في البحث عنها.
وهنا ربما تكمن المفارقة الأجمل في حكمة الماوردي: ليس المطلوب أن نحتقر الجاهل، بل أن نقاوم الجهل، وليس المطلوب أن نعزل المختلف، بل أن نفتح معه أبواب الحوار، وليس المطلوب أن نهزم الآخر في النقاش، بل أن ننتصر معًا للحقيقة.
فالعقل العظيم ليس هو العقل الذي لا يخطئ ، وإنما العقل الذي يمتلك شجاعة اكتشاف خطئه.
والمجتمع المتقدم ليس المجتمع الذي يخلو من الجهل، فهذا مستحيل، وإنما المجتمع الذي يجعل المعرفة أقوى من الجهل، والدليل أقوى من الشائعة، والحوار أقوى من التعصب، والمؤسسة أقوى من الفوضى، والعقل أقوى من الوهم.