حين يسبق السؤال التكنولوجيا – د. غالب محمد  طه

أشعر بشيء من الخوف والارتباك كلما تابعت ما يدور عالميًا حول الذكاء الاصطناعي الفائق. وتمثّل هذا الشعور بصورة أوضح عندما قرأت، قبل أيام، ما يدور في مجلس العموم البريطاني.

ولست متخصصًا في الذكاء الاصطناعي حتى أدّعي أن خوفي نابع من معرفة تقنية بما يمكن أن تصل إليه هذه الأنظمة. أنا أنظر إلى الأمر من نافذتي الصغيرة: الإعلام والاتصال والعلاقات العامة. وكل ما كان يشغلني، حتى وقت قريب، هو كيف نوسّع النقاش مع الأجيال الجديدة حول الذكاء الاصطناعي، وكيف نعلّمهم أن يستخدموه دون أن يفقدوا مهاراتهم، وأن يفهموا أثره قبل أن يكتفوا بالانبهار بما يستطيع أن يفعله.

كتبت وفكرت كثيرًا من هذه الزاوية. ماذا يبقى للطالب إذا استطاعت الآلة أن تكتب واجبه؟ وماذا نعلّمه إذا أصبحت قادرة على إنتاج خبر جيد، وتلخيص وثيقة، وبناء محتوى في ثوانٍ؟

كنت أظن أن هذه أسئلة المستقبل. لكنني، هذه المرة، نظرت من زاوية مختلفة.

في بريطانيا، قُدّم إلى مجلس العموم مشروع قانون يسعى إلى حظر تطوير ونشر وتشغيل ما يسمى «الذكاء الاصطناعي الفائق». وفي الأيام التالية طالب أكثر من سبعين عضوًا في مجلسي العموم واللوردات، بينهم وزراء سابقون وسياسيون من اتجاهات مختلفة، بدعم الحظر.

والحديث هنا ليس عن «شات جي بي تي»، ولا عن الأدوات التي نستخدمها اليوم. الحديث عن مستوى افتراضي من الذكاء الاصطناعي يمكن أن تتجاوز فيه قدرات الآلة أفضل القدرات البشرية في نطاق واسع من المجالات.

هذا المستوى لم يوجد حتى الآن. ولا أحد يستطيع أن يقول بيقين إنه سيأتي، أو متى سيأتي إن حدث ذلك. ومع ذلك، هناك من يريد أن يضع له حدودًا قبل أن يولد.

ولم يكن ما يجري في البرلمان وحده ما استوقفني. فالقلق يأتي أيضًا من داخل الصناعة نفسها.

استقال الباحث جاكوب كوكسون من شركة «أنثروبيك»، بعد أن عمل سابقًا في «أوبن إيه آي»، محذرًا مما يراه سباقًا نحو أنظمة أكثر قدرة. وتحدث إيفان هوبنغر، وهو من الباحثين البارزين في مجال مواءمة الذكاء الاصطناعي داخل «أنثروبيك»، عن مخاطر قد تصل في أسوأ السيناريوهات إلى فناء البشر، ووضع لذلك تقديرًا شخصيًا يتجاوز عشرة في المئة خلال العقد المقبل.

هذه النسبة ليست حقيقة علمية، ولا يوجد إجماع على أن مثل هذا السيناريو سيقع. لكنني لا أستطيع، في المقابل، أن أتعامل مع الأمر باعتباره خيالًا علميًا بعيدًا. فعندما يأتي التحذير من باحثين يعملون قريبًا من حدود هذه التكنولوجيا، ويغادر أحدهم عمله بسبب ما يراه سباقًا خطيرًا، ثم يصل السؤال إلى البرلمان، يصبح التوقف عنده مبررًا.

وفي الولايات المتحدة ظهر السؤال نفسه. أعلن السيناتور بيرني ساندرز والنائب غريغ كاسار عن تحرك تشريعي لحظر الذكاء الاصطناعي الفائق، وإيقاف تطوير بعض الأنظمة المتقدمة مؤقتًا إلى حين وضع قواعد أكثر صرامة للسلامة.

هنا بدأ خوفي الحقيقي. ليس خوفي من أن نستيقظ غدًا فنجد آلة قررت القضاء على البشرية. ما أخافني أكثر هو السرعة التي يتحرك بها هذا المجال، والسباق الدائر حوله، ومقدار ما لا نعرفه عما قد يأتي بعد ذلك.

وربما يكون السباق نفسه جزءًا من المشكلة. فالشركة التي تفكر في التباطؤ تعرف أن منافستها قد لا تفعل. والدولة التي تقرر الانتظار قد تخشى أن تصل دولة أخرى قبلها. عندها لا يعود السؤال متعلقًا بما تستطيع التكنولوجيا فعله وحدها، بل بما يمكن أن يفعله البشر وهم يتنافسون على الوصول إليها أولًا.

وهذا ما أعادني إلى أسئلتنا القريبة. فنحن ما زلنا منشغلين، وبحق، بالذكاء الاصطناعي الذي بين أيدينا: أثره في التعليم والإعلام، الوظائف التي قد يغيرها، الغش الأكاديمي، الأخبار الزائفة، وما الذي سيبقى من مهارات الإنسان إذا أصبحت الآلة قادرة على إنجاز جانب متزايد مما كان يفعله بنفسه.

هذه أسئلة مهمة. وأنا شخصيًا منشغل بها. لكنني لم أعد واثقًا من أنها وحدها تكفي. وأنا أفكر في ذلك، لا أعرف لماذا عادت إلى ذاكرتي النعجة «دوللي».

أتذكر الضجة التي صاحبت الإعلان عنها في التسعينيات. لم يكن الناس وقتها منشغلين بالنعجة وحدها. سرعان ما انتقل السؤال إلى الإنسان: إذا أصبح استنساخ حيوان من خلية بالغة ممكنًا، فأين يمكن أن يصل العلم؟ وأين ينبغي أن يتوقف؟

مرت السنوات وابتعدت دوللي عن عناوين الأخبار، لكن الأسئلة التي فتحتها لم تختف معها. تطورت تقنيات أخرى، وبقي ذلك النقاش القديم حول المسافة بين ما يستطيع العلم فعله وما ينبغي السماح به.

ولا أستعيد دوللي لأقول إن التاريخ يعيد نفسه، ولا لأقارن بين تقنيتين مختلفتين تمامًا. ما أعادها إلى ذاكرتي هو السؤال الذي صاحبها: هل كل ما نستطيع فعله، ينبغي أن نفعله؟

لكن هناك فارقًا لافتًا هذه المرة. مع دوللي حدث الاختراق أولًا ثم انفجر السؤال. أما مع الذكاء الاصطناعي الفائق، فهناك من يحاول أن يطرح السؤال قبل أن يحدث الشيء نفسه.

قد يبدو الحديث عن ذكاء فائق لم يوجد بعد نوعًا من الترف الفكري، خصوصًا في عالمنا الذي تثقله أسئلة التعليم والعمل والاقتصاد والحروب وما تركته في حياة الناس. لكن المستقبل لا ينتظر حتى ننتهي من مشكلاتنا.

والتقنيات الكبرى لا تستأذن المجتمعات قبل أن تدخل مدارسها وبيوتها ومؤسساتها، وتغير سوق عملها وطريقة حصول أبنائها على المعرفة. وربما كانت المجتمعات المثقلة بمشكلات الحاضر أقل قدرة من غيرها على تحمل مفاجآت المستقبل.

ولا أريد أن أحوّل الأمر إلى الحكاية السهلة عن غرب يتقدم وعالم عربي يتأخر. لسنا خارج مشهد الذكاء الاصطناعي. في منطقتنا استثمارات كبيرة، واستراتيجيات ومراكز بحث، ومحاولات جادة للمشاركة في صناعة هذه التكنولوجيا.

لكن المشاركة في صناعة التكنولوجيا ليست هي نفسها المشاركة في صناعة الأسئلة التي ستحدد حدودها. وهذا، في ظني، هو النقاش الذي يستحق أن يبدأ عندنا مبكرًا.

ليس لكي نستورد مخاوف الآخرين، ولا لكي نصدق كل سيناريو كارثي يطرح في الغرب، وإنما لأن التكنولوجيا التي يتحدثون عنها، إن وصلت يومًا، لن تتوقف آثارها عند حدود الدول والشركات التي صنعتها.

وللعالم العربي والإسلامي حق في أن يكون حاضرًا في هذا السؤال.

لدينا ما نقوله عن المسؤولية والمصلحة والضرر وحدود الفعل الإنساني. لكن وجود هذا التراث لا يمنحنا إجابات جاهزة عن أسئلة لم يعرفها السابقون.

ولا أريد أن نضع آية أو حديثًا بجوار مصطلح تقني جديد ثم نقول إننا قدمنا رؤية إسلامية للذكاء الاصطناعي. المسألة أعقد من ذلك. نحن أمام سؤال يحتاج إلى معرفة بالتكنولوجيا، نعم، لكنه يحتاج أيضًا إلى الفلسفة والأخلاق والفقه والاجتماع، وإلى نقاش عام يتجاوز المختبرات وشركات التقنية.

لا أعرف متى يمكن أن يصل الذكاء الاصطناعي إلى مستوى فائق، ولا أملك أن أقول إنه سيصل حتمًا.

لكنني لم أعد أرى أن عدم اليقين سبب كافٍ لتأجيل السؤال. فالمشكلة ليست أن يسبقنا الآخرون إلى الإجابة.

المشكلة أن يتغير السؤال نفسه، ونحن ما زلنا مشغولين بالإجابة عن السؤال القديم.

وربما لهذا عادت دوللي إلى ذاكرتي بعد كل هذه السنوات.

فالسؤال، في النهاية، لم يكن عن نعجة. وليس اليوم عن آلة فقط.

إنه عن الإنسان، عندما يكتشف أن في استطاعته أن يذهب أبعد مما ذهب من قبل: إذا استطعنا الوصول إلى هناك.. فهل ينبغي أن نذهب؟