في أعماق الدرعية التاريخية، حيث يتردد صدى الرياح بين الأزقة الضيقة وتنتصب الجدران الطينية شامخة على ضفاف وادي حنيفة، يقف حي الطريف شاهداً صامتاً على عبقرية معمارية تجاوز عمرها ثلاثة قرون. هنا لم يكن البناء مجرد حرفة أو فن، بل كان فلسفة حياة متكاملة مع البيئة، صاغها الأجداد بفطرة سليمة قبل أن تعرف البشرية مصطلحات «الاقتصاد الدائري»، «البصمة الكربونية» و»البناء الأخضر». واليوم، ونحن في عام 2026م، يعود هذا الإرث ليطرح سؤالاً جوهرياً: هل كان بناة الدرعية روّاداً في الاستدامة قبل أن تُصاغ مفاهيمها بثلاثة قرون؟ وكيف يمكن لجيل رؤية 2030م أن يستلهم هذه الحلول الأصيلة ويطوّرها بوعي، بدلاً من الاكتفاء باستيراد نماذج أجنبية قد لا تلائم مناخنا ولا هويتنا؟ ليس هذا السؤال ترفاً فكرياً، بل دعوة صريحة لإعادة قراءة التراث المعماري السعودي بوصفه مصدراً حياً للابتكار في عصر التحول الوطني الكبير.
حين أسّس الإمام محمد بن سعود (رحمه الله) الدولة السعودية الأولى عام 1727م متخذاً من الدرعية عاصمة لها، كانت هذه المدينة الطينية الواقعة على ضفاف وادي حنيفة نموذجاً مكتملاً للتعايش الذكي مع بيئة صحراوية قاسية. لم يكن أحد آنذاك يتحدث عن خفض الانبعاثات أو كفاءة الطاقة، لكن من يقف اليوم أمام جدران قصور حي الطريف يدرك أن أولئك البناة مارسوا هذه المبادئ بحسّ عملي استثنائي، فرضته طبيعة المكان وصقلته خبرة الأجيال المتراكمة. نمت الدرعية خلال القرن الثامن عشر لتصبح حاضرة سياسية واقتصادية مزدهرة، وتوسّع حي الطريف ليضم قصور الحكم والدواوين والمساجد والمدارس، كلها مبنية بالمواد نفسها التي جادت بها الأرض المحيطة. وحين حاصرت المدفعية العثمانية المدينة عام 1818م في نهاية عهد الدولة السعودية الأولى، قاومت الجدران الطينية القذائف لأشهر بفضل جودة اللبن وكثافة الجدران التي بلغت في بعض المواضع أمتاراً عدة، في شهادة تاريخية على متانة هذه العمارة التي يظنها البعض هشّة.
حي الطريف التاريخي، الذي أدرجته منظمة اليونسكو ضمن قائمة التراث العالمي عام 2010م، ليس مجرد أطلال تُزار، بل مختبر حي للعمارة النجدية التي تجسّد التناغم الكامل بين الإنسان وبيئته. بُنيت قصوره، وفي مقدمتها قصر سلوى الذي يمتد على نحو عشرة آلاف متر مربع ويتألف من سبع وحدات معمارية متصلة، باستخدام مواد محلية بحتة مستخرجة من وادي حنيفة نفسه.
وكان الطوب اللبن يُصنع من خليط الطين الصلصالي المستخرج من مواضع المياه الجوفية، ممزوجاً بالتراب الناعم المترسّب على ضفتي الوادي، والتبن والقش المقطّع، والماء. يُعجن المزيج ويُترك أياماً ليتخمّر، ثم يُصبّ في قوالب خشبية ويُجفّف تحت شمس الصحراء أسابيع حتى يكتسب صلابته. أما الأساسات فكانت من الحجر الجيري الصلب لمقاومة الرطوبة الزاحفة من باطن الأرض، فيما بُنيت الجدران بسماكة تتراوح بين ستين ومئة وعشرين سنتيمتراً، وقد تصل في بعض القصور إلى ثلاثة أمتار، ثم تُكسى بطبقات من الجص الأبيض المصنوع من الحجر الجيري المحروق والمطحون، وتُزيّن بالزخارف الجصية الهندسية المميزة للطراز النجدي. وكانت السقوف تُقام على جذوع الأثل المتينة وسعف النخيل، تعلوها طبقة طينية سميكة تُدكّ بالأقدام حتى تستوي. لم تكن هذه مجرد تقنيات بناء متفرقة، بل منظومة متكاملة صمدت أكثر من قرنين ونصف القرن في وجه عوامل الزمن والحروب.
تكمن العبقرية الحقيقية في التكيّف الحراري الاستثنائي مع مناخ صحراوي تتجاوز فيه درجات الحرارة صيفاً الأربعين مئوية. فالجدران السميكة تعمل كتلةً حرارية هائلة، تمتص حرارة النهار ببطء وتطلقها ليلاً حين يبرد الجو، ما يخفض درجة الحرارة الداخلية بما يتراوح بين عشر درجات وخمس عشرة درجة مقارنة بالخارج. والأفنية الداخلية المكشوفة تولّد تيارات هوائية طبيعية تجدد الهواء وتلطّفه، فيما تسمح الفتحات المثلثة الصغيرة في أعالي الجدران بالتهوية المتقاطعة مع الحفاظ على الخصوصية وحجب أشعة الشمس المباشرة. أما النسيج العمراني الكثيف، بجدرانه العالية وأزقته الضيقة وأروقته المظللة، فيوفر ظلالاً ممتدة تجعل الحركة في المدينة ممكنة حتى في ذروة القيظ.
النتيجة بيئة داخلية مريحة من دون استهلاك طاقة يُذكر، وهو ما يسميه مهندسو اليوم «التبريد السلبي» ويسعون إليه بأبحاث ومختبرات متقدمة. ولم تكن هذه المباني مأوى فحسب، بل درساً في كفاءة الموارد وطول العمر: مادة قابلة للإصلاح المستمر بأبسط الأدوات، تعود إلى الأرض إذا انهارت من غير أن تخلّف نفايات سامة أو ركاماً ملوِّثاً.
يجسّد هذا النظام المعماري مبادئ الاقتصاد الدائري قبل أن يتبلور مفهوماً حديثاً بزمن طويل. فالمواد مستدامة ومتجددة ومحلية المصدر: طين وماء وحجر وتبن وجذوع نخيل، لا تحتاج إلى نقل بعيد ولا معالجة كيميائية مكثفة. والاستخدام أمثل إلى أقصى حد، إذ يؤدي كل عنصر وظائف متعددة في آن واحد؛ فالجدار عازل وهيكل إنشائي وسطح للزخرفة معاً. والنفايات شبه معدومة، لأن الطين يُعاد تدويره في بناء جديد أو يتحلل طبيعياً في الأرض التي جاء منها. والطاقة المستهلكة في التصنيع منخفضة للغاية، فالتجفيف الشمسي يقوم مقام أفران الإسمنت الحديثة التي تُعدّ من أكبر مصادر انبعاثات ثاني أكسيد الكربون في العالم. وهكذا كانت البصمة الكربونية لهذا البناء ضئيلة لا تُقارن بالخرسانة المسلحة، وكان «أخضر» بطبيعته: كفاءة طاقة عالية نابعة من التصميم المناخي ذاته، من غير حاجة إلى أنظمة تكييف مكثفة. إنه فهم عميق للدورة الطبيعية الكاملة: من الأرض إلى البناء ثم العودة إليها. وفي عصر ينشغل فيه العالم بخفض الانبعاثات وإعادة التدوير، يبدو أن الدرعية سبقت الجميع بقرون.
من الصمود إلى العالمية: رحلة اعتراف امتدت قرنين
لم يكن طريق هذا التراث إلى العالمية قصيراً. فبعد سقوط الدرعية عام 1818م، انتقلت العاصمة إلى الرياض، وظل حي الطريف قائماً بأطلاله يروي قصة الدولة الأولى. ومع توحيد المملكة على يد الملك عبدالعزيز عام 1932م، بدأ الاهتمام التدريجي بالموقع بوصفه مهد الدولة ومعقل الأسرة الحاكمة، ثم توالت أعمال التوثيق والترميم في النصف الثاني من القرن العشرين، إلى أن جاء الاعتراف الدولي الكبير عام 2010م بإدراج الحي في قائمة التراث العالمي، تقديراً لقيمته الاستثنائية بوصفه أحد أبرز نماذج العمارة الطينية النجدية في العالم.
ثم جاءت رؤية 2030م لتنقل التعامل مع هذا الإرث من الحفظ إلى الإحياء والتطوير. ففي عام 2017م أُنشئت هيئة تطوير بوابة الدرعية، وفي نوفمبر 2019م وضع خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز حجر الأساس لمشروع بوابة الدرعية بوضع أول لبنة طينية في المشروع، في رمزية بليغة تصل الحاضر بالجذور. وفي ديسمبر 2022م افتُتح حي الطريف التاريخي ومطل البجيري أمام الزوار بعد ترميم دقيق، ليستقبل المطل وحده أكثر من مليون زائر بمعدلات رضا تجاوزت 90 في المئة.
مدينة الأرض: (حين يلتقي التراث بمعايير القرن الحادي والعشرين)