حين يأكلنا الذكاء – د. إبراهيم بن جلال فضلون

قل لي ماذا تأكل، أقل لك من أنت؟، لكن ماذا لو تحول الطعام نفسه إلى ظل يفقد روحه؟ كما قال الفيلسوف الفرنسي رولان بارت: «الصورة التي لا تترك أثرًا في الذاكرة ليست صورة، بل مجرد ظل عابر»، وماذا لو صارت قائمة المطعم، تلك البوابة الأولى للشهية، مجرد نسخ بصرية باردة لا تثير فينا إلا الريبة، بل والاشمئزاز أحيانًا؟، ليكون الرعب الفريد لأسلوب طعام الذكي الاصطناعي، ولماذا يشعر الأمر بعدم الارتياح عندما تستخدم المطاعم الذكاء الاصطناعي التوليدي لإنشاء قوائم الطعام والمواد الترويجية؟.

هناك صور تجعل الإنسان جائعًا، وصور أخرى تجعله يتراجع عن الطعام، فقد بدأت تظهر قوائم طعام غريبة، صور أطباق لامعة بشكل مفرط، برجر بألوان شمعية، جمبري يبدو كأنه خرج من مختبر حشرات، وجبن يذوب بطريقة هندسية مستحيلة.. لا، هذه ليست دعاية لمطعم فاخر، بل هي نتاج الذكاء الاصطناعي التوليدي الذي غزا مطابخنا من الباب الخلفي، لا عبر الوصفات فحسب، بل عبر الصور التي من المفترض أن تفتح شهيتنا. فلماذا نشعر بأن شيئًا ما في أعماقنا يرفض هذه الصور؟، ولماذا يبدو الطعام المولّد آليًا وكأنه بلا روح؟، هُنا يبدأ الرعب.

في عام 2007، كتب الناقد ريتشارد ماجي عن «الإباحية الغذائية»، مشيرًا إلى أن صور الأطباق الشهية أصبحت منفصلة عن قيمتها الغذائية أو مذاقها الحقيقي. يومها، كانت الصور تثير الشهوة، وتحرك الغرائز، وتجعلنا نتوقف أمام شاشات التلفاز كما لو كنا أمام مغارة علي بابا.

فالطعام ليس صورة، الطعام ذاكرة، وبيت، وأم، ومدينة، وموسم، ورائحة مطبخ، وموعد عائلي، وطبق تعلمه الإنسان من أبيه أو أمه قبل أن يتعلم كيف يقرأ وصفته، خاصة في عالمنا العربي، يصعب الفصل بين الطعام والهوية، (الكبسة والمندي والمطبق والكشري والفلافل والكسكس والمقلوبة والمنسف والمشاوي والحلويات الشعبية) ليست مجرد منتجات قابلة للبيع؛ إنها روايات اجتماعية اختصرت نفسها في طبق.

واليوم، نحن أمام نوع جديد من الصور: صور الذكاء الاصطناعي. إنها لا تثير الشهوة، بل تثير ما هو أعمق: إحساس بالغربة، بفقدان الألفة، بمواجهة شيء يشبه الطعام لكنه ليس طعامًا، ولهذا يبدو استخدام صورة مصطنعة لطبق حقيقي أكثر إزعاجًا من استخدام صورة مصطنعة لساعة أو سيارة.

هنا الطامة الكُبرى في زمن نعيش فيه ويقدّس الكفاءة، ويحتفي بالسرعة، ويمجّد التكنولوجيا، لكن في قلب هذا الاحتفاء، ثمة سؤال قديم يتجدد: أين يذهب الإنسان حين تحل الآلة محله في أكثر لحظاتنا حميمية؟، الطعام ليس مجرد وقود للجسد، بل طقس اجتماعي، وذاكرة عائلية، وهوية ثقافية. وحين نسلّم حتى صوره للخوارزميات، فإننا لا نوفر المال فحسب، بل نسلّم شيئًا من روحنا.

اقتصاديًا وببساطة: لسنوات طويلة، كانت صناعة الإعلان تتلاعب بالطعام لتجعله أكثر جاذبية، لتجعلك ترغب في الأكل.. (الإضاءة محسوبة، والزوايا مدروسة، والألوان منتقاة)، وحتى بعض المنتجات كانت تُصوَّر بطريقة تختلف عن شكلها الفعلي من أجل جعلها أكثر إغراءً، لكن لماذا ندفع آلاف الدولارات لمصوّر محترف ومصمم جرافيك، بينما يمكنك أن تحصل على صورة «كافية» من نموذج ذكاء اصطناعي خلال ثوانٍ وبتكلفة تقارب الصفر؟، هذا منطق يتردد في أروقة المطاعم الصغيرة والمتوسطة، لا سيما في المدن العربية التي تعاني من ضغط التكاليف وتقلبات العملة.

ومن الشهية إلى النفور ترى قطعة دجاج بعدد غير منطقي من الأصابع، أو جبنًا يبدو كأنه مادة عضوية ذائبة، أو شطيرة لا تستقيم مكوناتها، أو روبيانًا يحمل تشوهات تجعل العين تتوقف قبل أن تصل إلى الشهية. فدراسة أكاديمية منشورة في «Journal of Sensory Studies» عام 2025، شملت 154 مشاركًا، وجدت أن إدراك الصورة على أنها مولدة بالذكاء الاصطناعي ارتبط بانخفاض الاستعداد لتناول الطعام، وكذلك بانخفاض تقييمات الطبيعية والصحة والجاذبية.

وفي دراسة أخرى نُشرت في «British Food Journal» على 241 مستهلكًا إسبانيًا، وجدت النتائج أن صور الطعام المولدة بالذكاء الاصطناعي، مقارنة بالصور الحقيقية، خفضت القيمة المدركة ورفعت احتمالات الكلام السلبي عن المنتج، مع ارتباط ذلك بالشعور بالمتعة والمخاطر المتصورة.

إذن نحن أمام مفارقة تجارية شديدة الأهمية: التكنولوجيا التي يفترض أن تزيد جاذبية المنتج قد تقلل الرغبة فيه إذا شعر المستهلك أنها حلت محل الحقيقة. وهنا لا يعود السؤال: هل الصورة جميلة؟، بل يصبح: هل أصدقها؟

الذكاء الاصطناعي لن يغادر المطاعم، فكل المؤشرات تقول إنه سيدخل إليها بصورة أعمق، وفق استطلاع ديلويت لعام 2025 شمل 375 من القيادات التنفيذية في المطاعم عبر 11 دولة، وأظهر أن 82 % يخططون لزيادة استثماراتهم في تقنيات الذكاء الاصطناعي خلال السنة المالية التالية. وكان تحسين تجربة العميل على رأس الفوائد المنتظرة بنسبة 60 %، ثم تحسين العمليات بنسبة 36 % وبرامج الولاء بنسبة 31 %.

وفي استطلاع أجرته Toast في الولايات المتحدة عام 2025 شمل 712 من صناع القرار في المطاعم، قال 86 % إنهم مرتاحون لاستخدام الذكاء الاصطناعي، بينما قال 81 % إنهم يتوقعون زيادة استخدامه مستقبلًا. وكانت أتمتة التسويق وتحليل البيانات وتحسين القوائم من الاستخدامات الحالية التي رصدها الاستطلاع. إذن، المعركة ليست بين المطاعم والذكاء الاصطناعي، بل بين الاستخدام الذكي للذكاء الاصطناعي والاستخدام الكسول له.

في واقعة لافتة، نشر أحد المطاعم في مدينة مينيابوليس الأمريكية قائمة طعام بصور مولدة بالكامل. النتيجة؟ موجة غضب عبر منصات التواصل الاجتماعي، ليس بسبب جودة الطعام نفسه، بل بسبب الشعور بالخداع. المستهلك لم يغضب من الصورة لأنها قبيحة، بل لأنها توحي بطعامٍ ليس له وجود مادي مطابق، لقد شعر بأنه أمام وعد زائف. هذا الإحساس بالخداع يتضخم في الثقافة العربية، حيث الطعام ليس مجرد سلعة، بل هو ضيافة وشرف.

الذكاء الاصطناعي لا يفهم الطعم، فقط يفهم الأنماط، فيجمّع آلاف الصور لطبق كبسة أو مندي أو كسكسٍ، ثم ينتج صورة «متوسطة» لكل هذه الصور، والنتيجة كما كتب الناقد ويليام ديريسيفيتش عن الأدب، يمكن أن نقول عن الطعام: «إن ما تنتجه الخوارزمية لا يتكلم، ولا يحمل غموضًا فلسفيًا، إنه طعام بلا لغة».

وهذا يقودنا إلى قاعدة بسيطة: ليست كل مهمة يستطيع الذكاء الاصطناعي القيام بها مهمة ينبغي أن نتركها له. وقد يكون من الرائع أن تخبرني الخوارزمية أن الزبائن في حي معين يفضلون طبقًا حارًا مساء الخميس، لكن هل تستطيع أن تخبرني لماذا تحب جدة طبقًا معينًا؟، لماذا يرتبط طبق بعينه برمضان؟، لماذا تحمل وصفة عائلية نكهة لا يمكن اختزالها في قائمة مكونات؟

لا ننكر أن للذكاء الاصطناعي دورًا مشروعًا في قطاع المطاعم. إدارة الحجوزات، وتحليل بيانات المبيعات، وتحسين سلاسل التوريد، وحتى اقتراح تعديلات على القوائم بناءً على تفضيلات العملاء، كلها استخدامات ترفع الكفاءة وتقلل الهدر. لكن الخط الفاصل بين الكفاءة وخسارة القيمة الإنسانية يبدأ عندما نستخدم الآلة لتحل محل الخيال البشري، لا لتعينه.