ثمة أشخاص لا يكادون يقولون «لا». يوافقون حين يريدون الاعتذار، ويبتسمون حين يضيقون، ويؤجلون رغباتهم حتى لا يخيب أمل أحد. يعرفون كيف يختارون الكلمات التي ترضي الآخرين، وكيف يتجنبون المواقف التي قد تزعجهم، وكيف يقدمون التنازلات الصغيرة التي تحفظ الود وتمنع الخلاف.
يبدو كل شيء في حياتهم هادئًا، وتبدو علاقاتهم مستقرة، ويشعر من حولهم أنهم أشخاص يسهل التعامل معهم. لكن أحدًا لا يسأل غالبًا: ماذا يحدث داخل هذا الإنسان الذي يحرص على ألا ينزعج منه أحد؟
قد تبدأ الحكاية بنية جميلة، نريد أن نكون محبوبين، وأن نحافظ على علاقاتنا، وأن نخفف عن الآخرين، وألا نكون سببًا في حزن شخص أو خيبة أمله. نتعلم منذ الصغر أن مراعاة مشاعر الناس فضيلة، وأن الكلمة الطيبة تفتح القلوب، وأن التنازل أحيانًا يحفظ العلاقات من الانكسار.
وكل ذلك صحيح، لكن المشكلة تبدأ حين تتحول هذه القيم من اختيارات نمارسها بوعي إلى التزامات لا نملك الجرأة على مخالفتها، وحين يصبح رضا الآخرين شرطًا نشعر أننا لا نستطيع الحياة بدونه.
في البداية، قد يبدو الأمر بسيطًا، توافق على دعوة لا ترغب في تلبيتها، أو تقبل مهمة لا تسمح ظروفك بها، أو تسكت عن رأي يزعجك حتى لا تدخل في نقاش طويل.
تقول لنفسك إن الأمر لا يستحق الخلاف، وإن إرضاء الآخرين أهون من الدخول في مواجهة.
ثم تتكرر المواقف، وتتراكم التنازلات، ويصبح ما كان استثناءً عادة، وما كان مجاملة واجبًا، وما كان اختيارًا شخصيًا نوعًا من الشعور بالذنب إذا حاولت التراجع عنه.
وهكذا، دون أن ننتبه، قد نبدأ في بناء حياة لا تقوم على ما نريده حقًا، بل على ما نتوقع أن يريده الآخرون منا.
نختار كلماتنا وفق ردود أفعالهم المحتملة، ونراجع قراراتنا قبل اتخاذها لا لنتأكد من صوابها، بل لنتأكد من أنها لن تزعج أحدًا. وربما نغير رأينا لا لأننا اكتشفنا خطأه، وإنما لأن شخصًا ما لم يعجبه.
ومع مرور الوقت، تصبح نظرة الآخرين إلينا أكثر حضورًا في قراراتنا من نظرتنا إلى أنفسنا.
والأشد تعقيدًا أن الإنسان قد لا يدرك أنه يفعل ذلك.
فهو لا يرى نفسه ضعيفًا، بل يرى نفسه متعاونًا، ولا يعتبر صمته خوفًا، بل حكمة، ولا ينظر إلى تنازلاته باعتبارها فقدانًا لذاته، بل دليلًا على طيبة قلبه. وقد يكون في هذا شيء من الحقيقة؛ فليس كل تنازل ضعفًا، وليس كل صمت عجزًا، وليس كل موافقة على حساب رغبتنا أمرًا يستحق الرفض.
إن العلاقات الإنسانية لا تقوم على الإصرار الدائم على الذات، وإنما تحتاج إلى المرونة والتفاهم والتضحية المتبادلة. غير أن السؤال الذي يستحق أن نتوقف عنده هو: متى تكون مراعاتنا للآخرين تعبيرًا عن محبتنا لهم، ومتى تصبح إلغاءً لأنفسنا من أجلهم؟
ربما يكون الفرق في الشعور الذي يتركه القرار في داخلنا، فهناك تنازل نختاره بمحبة، فنشعر بعده بالرضا والطمأنينة، لأننا قدمنا شيئًا نملك القدرة على تقديمه.
وهناك تنازل آخر نقوم به خوفًا من أن نخسر مكانتنا في قلوب الآخرين، فنبتسم في الخارج ونشعر في الداخل بأن شيئًا منا قد تراجع مرة أخرى.
الأول يقوي العلاقة لأنه صادر عن حرية، أما الثاني فقد يضعفها على المدى البعيد، لأنه يجعل أحد طرفيها مسؤولًا عن إخفاء احتياجاته باستمرار حتى لا يضطرب رضا الطرف الآخر.
ولعل أكثر ما يجعل هذه المسألة مؤلمة أن الإنسان الذي يحرص على إرضاء الجميع قد يجد نفسه في نهاية المطاف عاجزًا عن إرضاء نفسه. فهو مهما بذل، سيظل هناك من يريد منه المزيد، ومن لا يفهم اعتذاره، ومن يفسر اختلافه على أنه جفاء، ومن يظن أن موافقته الدائمة حق مكتسب لا ينبغي أن يتغير.
فالناس، على اختلاف طبائعهم وتوقعاتهم، لا يملكون صورة واحدة لما ينبغي أن نكون عليه.
وما يرضي شخصًا قد يزعج آخر، وما يراه أحدهم وفاءً قد يراه غيره تقصيرًا، وما يعتبره إنسان موقفًا شجاعًا قد يعدّه آخر قسوة لا مبرر لها.
فكيف يستطيع المرء أن يعيش حياته وهو يحاول أن يطابق كل هذه الصور المتعارضة؟ وأي قدر من التنازل يحتاج إليه حتى لا يغضب أحدًا؟
إن السعي إلى رضا الجميع مهمة لا تنتهي، ليس لأن الإنسان عاجز عن المحاولة فحسب، بل لأن توقعات الناس نفسها متغيرة، ولأننا لا نستطيع أن نتحكم في الطريقة التي يفسرون بها أفعالنا، مهما أحسنا النية وأخلصنا القصد.
ومن هنا تأتي إحدى الحقائق التي يصعب تقبلها: ليس كل من يحبنا سيفهم قراراتنا، وليس كل من يقدرنا سيوافق على اختياراتنا، وليس كل من اعتاد منا العطاء سيقبل بسهولة أن نضع حدًا له.
وقد يشعر بعضهم بالاستغراب حين نعتذر للمرة الأولى، أو حين نعبّر عن رأي مختلف، أو حين نختار لأنفسنا ما لم نكن نجرؤ على اختياره من قبل.
لكن استغرابهم لا يعني بالضرورة أننا أخطأنا، كما أن رضاهم لا يعني دائمًا أننا أصبنا.
إننا نحتاج أحيانًا إلى أن نفصل بين محبتنا للآخرين ومسؤوليتنا عن مشاعرهم.
يمكننا أن نحترم حزن شخص دون أن نكون ملزمين بإلغاء قرارنا لإزالته، وأن نتفهم غضبه دون أن نعتبر كل غضب دليلًا على خطئنا، وأن نعتذر حين نسيء، دون أن نعتذر عن كل اختلاف. فهناك فرق كبير بين أن نكون سببًا في أذى حقيقي لشخص ما، وبين أن يشعر بالانزعاج لأننا لم نفعل ما كان يتوقعه منا.
الأول يستحق المراجعة والإصلاح، أما الثاني فقد يكون جزءًا طبيعيًا من اختلاف البشر وحقوقهم وحدودهم.
ولا يعني ذلك أن يتحول الإنسان إلى شخص لا يبالي بأحد، أو أن يجعل رغباته مقياسًا وحيدًا لكل قرار، أو أن يتخذ من الحرية ذريعة للأنانية.
فالحياة المشتركة لا تستقيم إذا تمسك كل فرد بما يريد دون اعتبار لمن حوله. لكن احترام الآخرين لا ينبغي أن يكون مرادفًا للتخلي عن احترام الذات، والمحبة لا ينبغي أن تتطلب من الإنسان أن يختفي حتى يشعر من حوله بالراحة.
إن العلاقة التي لا تحتمل اختلافًا في الرأي، أو اعتذارًا عن طلب، أو مساحة شخصية، تحتاج إلى مراجعة طبيعة التوقعات التي تقوم عليها.
وقد تكون البداية الحقيقية لاستعادة أنفسنا في أشياء صغيرة لا تبدو مهمة.
أن نتوقف لحظة قبل أن نقول «نعم»، ونسأل أنفسنا إن كنا نوافق عن رغبة أم عن خوف. أن نسمح لأنفسنا بالتعبير عن رأي مختلف دون أن نحوله إلى معركة، وأن نعتذر حين نحتاج إلى الاعتذار دون أن نشعر بأن الاعتذار عن كل شيء هو ثمن بقائنا في حياة الآخرين. وأن نتعلم أن نقول «لا أستطيع» حين لا نستطيع، و»لا أريد» حين يكون الرفض حقًا مشروعًا، وأن نفهم أن الصراحة المهذبة ليست قسوة، وأن الحدود الواضحة لا تعني بالضرورة غياب المحبة.
فليس مطلوبًا منا أن نكون قساة حتى نحمي أنفسنا، ولا أن نجرح الآخرين حتى نثبت استقلالنا. يكفي أن نتعلم التعبير عن احتياجاتنا بصدق واحترام، وأن نمنح الآخرين الحق نفسه الذي نطلبه لأنفسنا:
حق الاختلاف، وحق الرفض، وحق ألا يكون الإنسان متاحًا في كل وقت، ولا قادرًا على تلبية كل طلب، ولا مسؤولًا عن تحقيق كل توقع.
وربما نكتشف حين نبدأ بذلك أن بعض العلاقات تصبح أعمق وأكثر صدقًا، لأننا لم نعد نعيش فيها خلف أقنعة الموافقة الدائمة.
وأن بعض العلاقات الأخرى قد تتغير حين لا تعود التنازلات القديمة متاحة.
وهذا التغير، على صعوبته، قد يكشف لنا طبيعة الروابط التي كانت تجمعنا بالآخرين: هل كانت تقوم على المودة المتبادلة، أم على الصورة التي اعتادوا أن نكون عليها؟