حين تُنقل التوراة إلى اليمن: كيف تُصنع الخرائط من تشابه الأسماء؟ – محمد بن سالم بن علي جابر

تظهر بين حين وآخر قراءات تحاول نقل الجغرافيا التوراتية من بلاد الشام ومصر إلى جنوب الجزيرة العربية، ولا سيما اليمن. وتقدّم هذه القراءات نفسها بوصفها مراجعة جريئة للسرديات الموروثة، غير أن الجرأة المنهجية لا تُقاس بمدى غرابة النتيجة، بل بقدرة الأدلة على حملها؛ فكل فرضية تاريخية تظل مطالبةً بسلسلة متماسكة من الشواهد النصية والمادية والجغرافية، لا بمجرد التقارب الصوتي بين الأسماء.

تملك الحضارات اليمنية القديمة إرثًا نقشيًا واسعًا، خلّفته ممالك سبأ وقتبان ومعين وحضرموت وحِمير. وتكشف هذه النقوش عن أنظمة الحكم والعبادة والتجارة والحروب والعمران، وتقدّم مادة غنية لإعادة بناء تاريخ جنوب الجزيرة العربية. ومع ذلك، لا تقدم هذه المدونة، في حدود ما هو منشور ومتحقق، شاهدًا يربط اليمن بقصص الخروج أو ممالك داود وسليمان أو أنبياء بني إسرائيل.

وهنا تظهر قاعدة أساسية في البحث التاريخي: غياب الدليل لا يثبت وحده استحالة الحدث، لكنه يصبح ذا دلالة حين تكون الفرضية المقترحة واسعة الأثر، وتفترض انتقال شعوب وممالك وأحداث كبرى إلى بيئة تملك سجلًا كتابيًا وماديًا كثيفًا. فالنقل الجغرافي لا يكفيه تشابه تضاريس أو تقارب اسم؛ بل يحتاج إلى آثار عمرانية، وطرق، وتواريخ، وأسماء أشخاص وأماكن، وشبكة من الشواهد المستقلة التي تتساند ولا تتعارض.

في المقابل، تقدم مصر وبلاد الشام والرافدان شواهد متقاطعة على وجود كيانات وأقاليم ومدن ارتبطت بالمجال الكنعاني والشامي. وتعد لوحة مرنبتاح، المؤرخة إلى أواخر القرن الثالث عشر قبل الميلاد، أقدم ذكر مصري متفق عليه تقريبًا لجماعة باسم إسرائيل، وقد ورد الاسم في سياق حملة على كنعان، إلى جانب أسماء مثل عسقلان وجازر وينوعام. ويضع غالبية الباحثين هذه الإشارة في إطار جغرافي فلسطيني - كنعاني، مع بقاء نقاشات علمية حول تفاصيلها ودلالاتها.

وهذا التفصيل مهم؛ فالشاهد لا يثبت كل ما ورد في الرواية التوراتية، ولا يثبت خروج بني إسرائيل أو تفاصيل قصص الأنبياء، لكنه يضع اسم إسرائيل في فضاء كنعان في زمن مبكر، ويجعل نقل المشهد كله إلى اليمن بحاجة إلى أدلة أقوى بكثير من المطابقات اللغوية.

تقوم بعض الطروحات على اقتطاع أسماء من سياقاتها، ثم مقارنتها بأسماء مواضع يمنية أو عربية اعتمادًا على التقارب الصوتي. وهذه طريقة قابلة لإنتاج نتائج لا حصر لها؛ إذ تتكرر الجذور السامية، وتتعدد اللهجات، وتتقارب البنى الصرفية، فضلًا عن كثرة أسماء القرى والجبال والأودية في الجزيرة العربية.

غير أن التشابه اللفظي لا يساوي التطابق التاريخي. فالاسم لا يكتسب قيمته من صوته وحده، بل من طبقاته اللغوية، وسياقه الجغرافي، وتاريخ ظهوره، وتحولاته الصوتية، وصلته بالأسماء المجاورة. ومن دون هذه القرائن يتحول البحث إلى انتقاءٍ من المعجم، يستطيع صاحبه أن يطابق الاسم الواحد بأكثر من موضع، وأن يعيد رسم الخريطة بحسب النتيجة التي يريد الوصول إليها.

كما أن إسقاط أسماء توراتية على مواضع يمنية يتجاهل شهادة الجغرافيين والمؤرخين المسلمين، وفي مقدمتهم الهمداني، الذي وصف اليمن وأقاليمها وطرقاتها وقبائلها وصفًا واسعًا. ولو كانت جبال اليمن ووديانه تحمل ذاكرة محلية راسخة عن ممالك بني إسرائيل أو أحداثهم الكبرى، لكان من المتوقع أن يظهر شيء من ذلك في أخبار البلاد، أو أنساب سكانها، أو مروياتها، أو أوصاف مواضعها. أما الصمت التام فلا يصنع برهانًا، لكنه يضعف دعوى الاستمرار المحلي لذاكرة مفترضة.

يفرق القرآن الكريم بين جغرافيا جنوب الجزيرة العربية وجغرافيا الشام تفريقًا واضحًا. فهو يذكر سبأ وسيل العرم والأحقاف في سياقات مستقلة، كما يرد ذكر الأرض المباركة والقرى المباركة في سياقات أخرى. وفي قوله تعالى: (وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ الْقُرَى الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا قُرًى ظَاهِرَةً) [سبأ: 18]، حملت طائفة واسعة من أقوال المفسرين «القرى التي باركنا فيها» على قرى الشام، باعتبارها نهاية الطريق التجاري الذي كان يصل اليمن ببلاد الشام.

وتكتسب هذه الآية دلالتها من كونها تميز بين موطن سبأ وبين القرى المباركة الواقعة في جهة أخرى، لا من كونها تساوي بين الإقليمين. فالطريق الذي يصل مكانين يثبت اختلافهما، والمسافر الذي ينتقل من اليمن إلى الشام لا يتحرك داخل جغرافيا واحدة، بل يعبر أقاليم متباينة ومراحل معروفة.

وينطبق الأمر نفسه على مفهوم الأرض المقدسة والأرض المباركة في كتب التفسير والتراث الإسلامي؛ فقد ارتبطت هذه المفاهيم ببيت المقدس وبلاد الشام، استنادًا إلى مرويات التفسير وأخبار الأنبياء ومواضع العبادة. كما استقر في الوعي الإسلامي أن حادثة الإسراء انتهت إلى المسجد الأقصى في بيت المقدس، ضمن جغرافيا دينية وتاريخية متماسكة، لا ضمن موضع جنوبي مجهول الصلة بهذا التواتر.

من حق الباحث أن يراجع الروايات، وأن يناقش قراءاتها، وأن يختبر صلاتها بالآثار واللغات والجغرافيا. غير أن نقد المركزيات الاستعمارية أو مراجعة التوظيف السياسي للتاريخ لا يبرران إعادة هندسة الخرائط من غير سند. فرفض رواية ما لا يستلزم قبول نقيضها، ومقاومة التسييس لا تكون بإحلال فرضية أيديولوجية محل أخرى.

وتكمن مشكلة الطرح اليمني في انتقائيته؛ إذ يلتقط العناصر البيئية التي يمكن أن تخدمه، مثل البخور واللبان والطرق التجارية، ثم يعزلها عن بقية المعطيات. وهذه العناصر لا تكفي وحدها لتعيين مسرح الأحداث؛ فالتجارة القديمة عابرة للأقاليم، والسلع تنتقل بين موانئ وطرق ومراكز متعددة. أما الجغرافيا التاريخية فتُبنى من اجتماع الأدلة، لا من مفردة منفردة.

والأخطر أن تحويل النصوص الدينية إلى وثائق ملكية جغرافية يضيّق مجال البحث بدل أن يوسعه. فالنص الديني يحتاج إلى قراءة تاريخية ولغوية ومقارنة، بينما تحتاج دعوى النقل الجغرافي إلى أدلة مستقلة قابلة للفحص. وحين تغيب هذه الأدلة، يصبح التفسير أقرب إلى تمرين ذهني منه إلى نظرية تاريخية.

إن نقل الجغرافيا التوراتية إلى جنوب الجزيرة العربية يظل فرضية تحتاج إلى إثبات مادي ونصي متكامل، لا إلى تشابهات أسماء أو انتقاء أوصاف بيئية. فالمادة النقشية اليمنية لا تسند هذه الدعوى، والشواهد المصرية والشامية تضع اسم إسرائيل في سياق كنعاني مبكر، والتفسير الإسلامي والتواتر الجغرافي يميزان بوضوح بين اليمن وبلاد الشام.

لذلك لا تصمد هذه القراءة، بصورتها المتداولة، أمام أبسط شروط البحث التاريخي المقارن. وقد تكون مفيدة بوصفها موضوعًا للنقد ودراسة مناهج التأويل، أما تقديمها بديلًا مكتملًا للجغرافيا التاريخية المعروفة فيحتاج إلى اكتشافات موثقة تعيد ترتيب الأدلة كلها، لا إلى إعادة ترتيب الأسماء وحدها.

- كاتب وباحث وناشر، ومؤسس لعدد من المؤسسات الثقافية.

تظهر بين حين وآخر قراءات تحاول نقل الجغرافيا التوراتية من بلاد الشام ومصر إلى جنوب الجزيرة العربية، ولا سيما اليمن. وتقدّم هذه القراءات نفسها بوصفها مراجعة جريئة للسرديات الموروثة، غير أن الجرأة المنهجية لا تُقاس بمدى غرابة النتيجة، بل بقدرة الأدلة على حملها؛ فكل فرضية تاريخية تظل مطالبةً بسلسلة متماسكة من الشواهد النصية والمادية والجغرافية، لا بمجرد التقارب الصوتي بين الأسماء.