حين تُقاس الحرب بمعدّل 9.5 من 20

"الاقتصاد" كثّفت حملاتها الرقابية: محاضر ضبط وإنذارات ومحاضر بحق مولدات الجنوب

حفيدة ترامب فاجأت وفد الصين بالبيت الأبيض.. وغنت له طفلة قبل سنوات

سلام أمام الأمم المتحدة: 3 تحديات مصيرية أمام لبنان لاستعادة الدولة

لبنان وصندوق النقد: هل يكفي الاتفاق للخروج من الأزمة؟!

البابا لاوون من فرنسا: لا تعتادوا الحروب

محاولات لمنع تسليم ابن عم الأسد إلى دمشق... ماذا في التفاصيل؟

بهذه الكلمات البسيطة، التي لا تحتاج إلى شرح، اختصر الطفل النازح فضل، كل ما عجزت عنه بيانات وزارة التربية ومؤتمراتها الصحافية. لم يطلب فضل امتحاناً أسهل، ولا معدّلاً أرحم، ولا إفادة نجاح. طلب غرفة هادئة، بلا مُسيّرات تحلّق فوق رأسه، وبلا صواريخ تنبئه بالليل قبل أن ينام.

(adsbygoogle = window.adsbygoogle || []).push({});

وعلى بُعد كيلومترات قليلة من غرفته التي لم يجدها، روت طالبة من مدينة الخيام أنها تتقاسم غرفة واحدة مع عدد كبير من النازحين، لا هدوء فيها ولا اتصال بالإنترنت، حتى صار الاستعداد للامتحان، على حدّ وصفها، أمراً شبه مستحيل. وفي بيروت، وبينما كانت سينتيا فقيه أمهز تتابع مصير ابنتها الطالبة في الصف التاسع، لاحظت أن القرارات التي اتُّخذت، وإن حسنت نيتها، رسّخت أمراً خطيراً: تقسيم البلد الواحد إلى مناطق آمنة وأخرى لم تعد كذلك، حتى داخل العاصمة نفسها.

(adsbygoogle = window.adsbygoogle || []).push({});

هذه ليست مشاهد خياليّة، ولا استعارات أدبية استُدعيت لتحريك المشاعر. إنها شهادات حقيقية وثّقتها وسائل إعلام عربية ودولية في الأشهر الماضية، من قلب حرب تشنّها إسرائيل على لبنان منذ الثاني من آذار، أودت بحياة آلاف الشهداء وشرّدت أكثر من مليون إنسان، معظمهم من الجنوب والضاحية والبقاع، أي من البيئة التي تُصنّف «بيئة مقاومة».

ماذا يُطلب من هؤلاء أن يتكيّفوا معه؟
فقدان البيت، الأب، الأخ؟ أم مع القلق، أو مع وزارة تصرّ على أن تقيس تجربتهم الإنسانية الثقيلة بمسطرة واحدة، هي نفسها التي يُقاس بها تلميذ لم يبرح بيته يوماً، ولم يسمع صوت انفجار إلا في نشرة الأخبار؟
بعد أشهر من التصلّب والإصرار على إجراء الامتحانات كما هي، حتى في مراكز مهدّدة بالقصف، تراجعت وزارة التربية جزئياً، فمنحت إفادات نجاح لمن حقّق معدّلاً مدرسياً لا يقل عن 9.5 من 20، مع الإبقاء على دورة استثنائية اختيارية لمن يريد الحصول على شهادة رسمية، بحجة أن بعض الجامعات في الخارج، والمنح، لا تعترف بغير الشهادة.

للوهلة الأولى، يبدو هذا القرار تنازلاً إنسانياً. لكن من ينظر إليه عن قرب يكتشف أنه لم يحلّ المعضلة، بل أعاد إنتاجها في ثوب جديد.
فالسؤال البسيط الذي يطرحه اليوم الأهل والمعلّمون والتلامذة، هو: من يملك، في خضمّ هذا النزوح والفقر المستجد، القدرة على خوض دورة استثنائية إضافية، والتفرّغ لها والاستعداد لها، بينما لا يزال يبحث عن سقف يؤويه؟

أليس الميسور، المقيم في منزله الآمن، هو نفسه من سيملك ترف «الاختيار» بين الإفادة والشهادة، بينما يُترك ابن مدن مثل الخيام وصور والنبطية أمام خيار واحد لا ثاني له؟ بهذا المعنى، لم تُنه الوزارة الظلم، بل منحته شكلاً قانونياً وغطاءً من الشرعية. صار في الدفعة الواحدة تلميذان: واحد «نجح بإفادة»، وآخر «نجح بامتحان»، وكأنّ الحرب لم تكفِ هؤلاء الأبناء عبئاً، فحمّلناهم أيضاً عبء التصنيف طوال حياتهم الجامعية والمهنية، بحسب الوثيقة التي يحملها كل واحد منهم.

العدالة ليست أن يُعامَل الجميع بالتساوي، بل أن يُعامَل كل واحد بحسب حاجته. هنا، بالتحديد، يكمن جوهر الخلل. المسألة ليست تفصيلاً إدارياً، ولا خلافاً حول رقم 9.5 من 20. منذ عقود، قدّم الاقتصادي الهندي أمارتيا سن، الحائز على جائزة نوبل، فكرة بسيطة وعميقة في آن واحد: «إن المساواة بين إنسانين لا يملكان الفرصة نفسها ليست عدالة، بل شكل من أشكال الظلم المُقنّع بلغة المساواة».

حين تُمنح «الحرية الشكلية» لتلميذين، أحدهما يملك غرفة وإنترنت وهدوءاً، والآخر لا يملك سوى الخوف والضجيج والفقد، فإن المسافة الحقيقية بينهما لا تُقاس بالمعدّل الذي حصّله كل منهما، بل بالقدرة التي أُتيحت لكل واحد منهما على التحصيل أصلاً. وقد سبق عالم الاجتماع الفرنسي بيير بورديو إلى هذا المعنى، حين بيّن أن المدرسة، عندما تعامل الجميع بمعيار واحد متجاهلة اختلاف الظروف التي أنتجت هذا «المعيار»، لا تكسر الفوارق الاجتماعية، بل تعيد إنتاجها وتُلبِسها لباس الاستحقاق الفردي. عندها يبدو النجاح وكأنه ثمرة جهد شخصي بحت، بينما هو، في جزء كبير منه، انعكاس لموقع اجتماعي لم يختره أحد.

وعندما ننظر إلى تجربة هذه البيئة تحديداً، بيئة الصمود والمقاومة، يصبح المطروح أكثر من مجرد سؤال تربوي. إنه سؤال كرامة. كان المربّي البرازيلي باولو فريري، صاحب كتاب «تربية المقهورين»، واضحاً حين بيّن أن أخطر ما يمكن أن تفعله منظومة تعليمية بمن أنهكتهم الحرب والفقر، هو أن تطلب منهم «التكيّف» مع واقع ظالم، بدل أن تعمل على تغيير شروط هذا الواقع.

والمفارقة أن عبارة «عليك أن تتكيّف» هي حرفياً ما سمعه أطفال هذه الحرب من مسؤولين تربويين، وكأنّ التكيّف مع القصف والنزوح مهارة يمكن تعلّمها كما تُتعلّم قاعدة نحوية. وحتى جون ديوي، الذي استُشهد به في مقالات دافعت عن صرامة الامتحان بوصفه تدريباً على الحياة، قال بوضوح إن التربية ليست إعداداً للحياة، بل هي الحياة عينها.

فإن كانت التربية هي الحياة، فكيف يكون امتحان يتنكّر لحياة التلميذ الفعلية، بكل ما فيها من نزوح وفقد وخوف، امتحاناً تربوياً أصلاً؟ إن من يستحضر ديوي ليبرّر به الصرامة يستحضره في غير موضعه. فديوي بالذات كان سيسأل أولاً: أي حياة يُراد للامتحان أن يحاكيها، إن لم تكن حياة التلميذ كما يعيشها فعلاً، لا كما نتخيّلها نحن من مكاتبنا الآمنة؟

العالم لم يخترع هذه المعضلة اليوم
الأمر الذي تتعامل معه وزارة التربية اللبنانية بوصفه استثناءً محيّراً، عالجته منظومات تعليمية أخرى عاشت حروباً لا تقل قسوة، من خلال أطر واضحة سبقتنا إليها. فمنظمة اليونسكو، ومعها الشبكة المشتركة للتعليم في حالات الطوارئ، وضعتا منذ سنوات معايير معتمدة عالمياً للتقييم في أوقات الأزمات، تقوم على مبدأ بسيط: لا يجوز إخضاع المتعلّم في زمن الحرب لأداة تقييم صُمّمت أساساً لزمن السلم.

سوريا، وفي أحلك سنوات حربها، لجأت إلى تأجيل الامتحانات وتوزيع مراكز بديلة للنازحين. وغزة، تحت القصف المباشر، اعتمدت أشكالاً من التقييم المستمر والتعلّم عن بُعد، بما لا يُقصي أحداً بذريعة «المعادلة» بين ظروف غير متكافئة أصلًا. أمّا أوكرانيا، وهي دولة أوروبية تملك إمكانات أكبر بكثير من لبنان، فقد عدّلت جداول امتحاناتها وأدواتها بما يراعي ملايين النازحين داخلياً وخارجياً، من دون أن تنشئ طبقتين من الشهادات. والأهم من كل هذه التجارب أن القانون الدولي نفسه لا يترك الأمر لاجتهاد وزارة أو مزاج مسؤول.