لماذا يلجأ الحوثي إلى استهداف المطارات والمدن السعودية كلما اشتدت عليه الضغوط في ميادين القتال؟ ولماذا تتجه صواريخه ومسيّراته نحو الأهداف المدنية بدلًا من مواجهة خصومه في ساحات المعركة؟ أسئلة لا تبدو إجاباتها بعيدة عمّن يقرأ المشهد بعين عسكرية وسياسية، فحين تضيق الأرض بالمليشيات، وتتوالى عليها الانتكاسات، تبحث عن انتصار إعلامي ولو كان وهميًا، وعن ضجيج يغطي على ما يجري خلف خطوط المواجهة، وهنا تحديدًا تتكشف حقيقة هذه الجماعة التي تتخذ من استهداف المدنيين وسيلة لإظهار القوة حين تعجز عن إثباتها في الميدان.
في العلوم العسكرية، ليست كل عملية هجومية دليل قوة، فقد تكون أحيانًا علامة ارتباك ومحاولة يائسة لرفع معنويات الأتباع، والتاريخ مليء بالشواهد على ذلك، ففي المراحل الأخيرة من الحرب العالمية الثانية، حاول هتلر من خلال هجوم الأردين أن يقلب موازين المعركة ويستعيد شيئًا من المبادرة العسكرية والمعنوية، لكن الهجوم لم يغيّر المصير الذي كان ينتظر نظامه، وهكذا تفعل الجماعات حين تبدأ الأرض بالاهتزاز تحت أقدامها، ترفع صوت السلاح لتوهم أتباعها بأنها ما زالت تمسك بزمام الأمور.
ومن هذا المنظور يمكن قراءة اعتداءات الحوثيين على أبها والرياض وجازان وغيرها من المدن السعودية، فهذه الهجمات لا يمكن فصلها عن طبيعة الجماعة وأسلوبها في إدارة الصراع، ولا عن حاجتها المستمرة إلى صناعة صورة القوة أمام أتباعها، خصوصًا عندما تتعرض لضغوط ميدانية أو تصدعات داخلية، فالذي يعجز عن تقديم انتصار حقيقي في ساحة القتال قد يبحث عن عنوان صاخب في نشرات الأخبار، ولو كان ثمن ذلك ترويع الأبرياء وتهديد أمن المسافرين وسلامة المدنيين.
ولعل أكثر ما يفضح هذه الجماعة هو ذلك التناقض الصارخ بين شعاراتها وأفعالها، فمنذ سنوات وهي تملأ الدنيا صراخًا عن القدس وفلسطين ومواجهة إسرائيل، بينما شهدت المنطقة اعتداءاتها على الأراضي السعودية، بل لم تسلم مكة المكرمة من محاولات الاستهداف بالصواريخ، فأي بوصلة هذه التي ترفع شعار القدس ثم تتجه نحو قبلة المسلمين؟ وأي مشروع مقاومة ذلك الذي يجد في المطارات والمنشآت المدنية أهدافًا لصواريخه؟ إنها بوصلة ضلّت طريقها، حتى ليخيل للمرء أن أجهزة توجيهها تعرف طريق المدن العربية أكثر مما تعرف طريق الشعارات التي يرددها أصحابها!
وليس الحوثي في هذا النهج بعيدًا عن المدرسة التي خرج منها، فالنفوذ الإيراني في المنطقة ارتبط طويلًا بتغذية المليشيات والصراعات، وبناء أدوات مسلحة تتجاوز سلطة الدول ومؤسساتها، وما شهدته سوريا والعراق ولبنان واليمن من تدخلات وصراعات يقدم شواهد مؤلمة على الثمن الذي تدفعه الشعوب عندما تصبح أوطانها ساحات لمشروعات عابرة للحدود، أما الشعارات الكبيرة فلا تستطيع أن تمحو حقيقة الدماء والدمار، ولا أن تمنح تلك المشروعات صك براءة من مسؤولياتها.
والأعجب أن من يرفعون رايات تحرير القدس لم يجدوا حرجًا في تحويل مدن عربية إلى ساحات لتصفية الحسابات، حتى أصبحت العبارة الساخرة عن مرور الطريق إلى القدس بحلب تختصر جانبًا من هذا التناقض، فأي طريق إلى تحرير الأرض يبدأ بتخريب أرض أخرى؟ وأي نصرة للمظلوم تقوم على صناعة مظلومين جدد؟ إن القضية ليست في ارتفاع الصوت ولا في كثرة الشعارات، وإنما في صدق المواقف واحترام حياة الإنسان وسيادة الأوطان.
أما المملكة العربية السعودية، فليست دولة يمكن أن تهز أمنها مغامرات مليشيا، ولا وطنًا يمكن أن تنال من مكانته صواريخ عابرة أو مسيّرات مأجورة، إنها دولة راسخة في تاريخها، قوية بقيادتها، عزيزة بشعبها، تمتلك من الحكمة والحزم والقدرة ما يجعل أمنها وسيادتها خطًا أحمر، وقد أثبتت في مواجهة التهديدات أن ضبط النفس ليس ضعفًا، وأن الحرص على الاستقرار لا يعني التهاون في حماية الوطن، وأن القوة الحقيقية لا تُقاس بالصخب والتهديد، بل بالقدرة على حماية الإنسان وصون الأرض والمقدرات.
وفي ظل قيادة خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز، وسمو ولي عهده الأمير محمد بن سلمان - حفظهما الله -، تمضي المملكة بثبات في مسيرة البناء والتنمية، واضعة أمن المواطن والمقيم وسلامة الوطن في مقدمة أولوياتها، بينما تنشغل المليشيات بإطلاق الصواريخ وصناعة الأزمات، وهنا يتجلى الفارق بين دولة تبني مستقبلًا لأجيالها، وجماعة ترهن مستقبل شعبها لمعارك لا تنتهي، بين قيادة تجعل التنمية مشروعًا وطنيًا، ومليشيا تجعل الحرب وسيلة للبقاء.
وعلى الحوثي ومن يقف خلفه أن يدركوا أن استهداف المطارات والمدن لا يصنع نصرًا، وأن ترويع المدنيين ليس بطولة، وأن الصاروخ الذي يُطلق بعيدًا عن ميدان المعركة لا يستطيع أن يخفي حقيقة ما يجري فيه، فالهزائم لا تُعالج بالمغامرات، والأزمات الداخلية لا تُحل بتصدير الخوف إلى الآخرين، ومن يظن أن الضجيج العسكري قادر على تعويض فقدان الشرعية أو إقناع الشعوب بعدالة مشروعه، إنما يخدع نفسه قبل أن يخدع أتباعه.
ستبقى المملكة، بإذن الله، شامخة بقيادتها وشعبها ورجال أمنها وقواتها المسلحة، عصية على كل من تسوّل له نفسه العبث بأمنها، وستبقى مدنها ومطاراتها ومنشآتها عنوانًا للحياة والبناء لا ساحة لأوهام المليشيات، أما الذين يتوهمون أن صواريخهم قادرة على كسر إرادة وطن بحجم السعودية، فليعلموا أن الأوطان الراسخة لا ترهبها أصوات الانفجارات، وأن من يحاول إخفاء انكساراته خلف دخان الصواريخ، لن يجد في نهاية المطاف إلا حقيقة واحدة، أن الضجيج لا يصنع انتصارًا، وأن السعودية أكبر من أوهامهم، وأعز من أن تنال منها مغامراتهم.
لماذا يلجأ الحوثي إلى استهداف المطارات والمدن السعودية كلما اشتدت عليه الضغوط في ميادين القتال؟ ولماذا تتجه صواريخه ومسيّراته نحو الأهداف المدنية بدلًا من مواجهة خصومه في ساحات المعركة؟ أسئلة لا تبدو إجاباتها بعيدة عمّن يقرأ المشهد بعين عسكرية وسياسية، فحين تضيق الأرض بالمليشيات، وتتوالى عليها الانتكاسات، تبحث عن انتصار إعلامي ولو كان وهميًا، وعن ضجيج يغطي على ما يجري خلف خطوط المواجهة، وهنا تحديدًا تتكشف حقيقة هذه الجماعة التي تتخذ من استهداف المدنيين وسيلة لإظهار القوة حين تعجز عن إثباتها في الميدان.
في العلوم العسكرية، ليست كل عملية هجومية دليل قوة، فقد تكون أحيانًا علامة ارتباك ومحاولة يائسة لرفع معنويات الأتباع، والتاريخ مليء بالشواهد على ذلك، ففي المراحل الأخيرة من الحرب العالمية الثانية، حاول هتلر من خلال هجوم الأردين أن يقلب موازين المعركة ويستعيد شيئًا من المبادرة العسكرية والمعنوية، لكن الهجوم لم يغيّر المصير الذي كان ينتظر نظامه، وهكذا تفعل الجماعات حين تبدأ الأرض بالاهتزاز تحت أقدامها، ترفع صوت السلاح لتوهم أتباعها بأنها ما زالت تمسك بزمام الأمور.
ومن هذا المنظور يمكن قراءة اعتداءات الحوثيين على أبها والرياض وجازان وغيرها من المدن السعودية، فهذه الهجمات لا يمكن فصلها عن طبيعة الجماعة وأسلوبها في إدارة الصراع، ولا عن حاجتها المستمرة إلى صناعة صورة القوة أمام أتباعها، خصوصًا عندما تتعرض لضغوط ميدانية أو تصدعات داخلية، فالذي يعجز عن تقديم انتصار حقيقي في ساحة القتال قد يبحث عن عنوان صاخب في نشرات الأخبار، ولو كان ثمن ذلك ترويع الأبرياء وتهديد أمن المسافرين وسلامة المدنيين.