حين تُباع النوايا بالكلمات: لماذا نصدّق اللسان وننكسر أمام الحقيقة؟ – د. أنس  عضيبات

كم من خيبةٍ كبرى بدأت بحديثٍ عذبٍ لم يكن ينقصه شيء من الصدق سوى أن يكون حقيقيًا؟ نعيش في زمنٍ يتسلل فيه البعض إلى أعمق مساحات أرواحنا، لا لشيء إلا لأنهم عرفوا من أين تؤكل عواطفنا؛ أتقنوا ترتيب الحروف، واختاروا نبرة صوتٍ دافئة تلامس انكساراتنا العطشى للأمان، فمنحناهم مفاتيح ثقتنا دون تردد فنحن كبشر لا نسمع بآذاننا فحسب، بل نستمع بقلوبنا واحتياجاتنا غير المكتملة، وحين يعثر أحدٌ على الكلمة التي نتوق لسماعها، تسقط كل حصوننا الدفاعية فجأة، لنقع أسرى بريقٍ لفظي لا يُسمن ولا يُغني من خذلان.

المأساة الإنسانية ليست في طيبتنا، بل في هذا الميل الفطري الذي يجعلنا نخلط بين جمال القول ورقيّ الفعل، وبين الكاريزما الجذابة وحُسن الخُلُق، ونظنّ واهمين أن من يملك لسانًا معسولًا يملك بالضرورة قلبًا نقيًا، وننسى أن مهارة الحديث قد لا تكون سوى قناع استعراضي صُنع بحرفية عالية للتأثير والاستقطاب، وهذا التورّط العاطفي ليس سذاجة نُلام عليها، بل هو انعكاسٌ لحاجتنا الفطرية للثقة بمن حولنا؛ غير أن فداحة الثمن تتجلى لاحقًا حين تتبدد هالة الانطباع الأول، ونكتشف أننا بنينا أوهامنا على رمالٍ متحركة صنعتها حلاوة اللسان وعجز عن إسنادها واقع الأفعال.

إن أخطر ما يمارسه أصحاب الكلام المنمّق هو براعتهم في قراءة شغفنا الداخلي؛ فهم يقدمون لنا ما يرضي غرورنا أو يواسي جراحنا بالجرعات التي نشتهيها تمامًا، يبهروننا في المشاهد العامة، ويتألقون في ساحات الإبهار حيث تكون العيون شاخصة والأضواء مسلّطة؛ لكن الصدمة تنبت في تلك اللحظات التي تنطفئ فيها الكاميرات، وحين تسقط مصلحة الاستعراض وتختفي الحاجة لإقناع أحد. في تلك الزوايا المهملة، ينفصل النص عن بطله، ويجد السامع نفسه أمام غريبٍ لا يشبه ما كان يقوله بشيء.

لذلك، لا تفرّط بثمن مشاعرك استجابةً لوقع العبارات البراقة؛ تعلّم أن تعطي الوقت مقعدًا متقدمًا في كل علاقة، فالزمن هو الغربال الوحيد الذي لا يجامل، وهو المختبر الصارم القادر على فرز المعدن الأصيل من الطلاء الزائف، ليس المطلوب أن نتحول إلى متشككين نقف على حافة الحذر الدائم، بل أن ندرك أن الثقة استحقاقٌ يُبنى بالخطوات الثابتة لا بالوعود الطائرة، وأن نترك للأيام مساحة لتكشف لنا هل ما ينطق به هذا الإنسان هو نسيجٌ من روحه، أم مجرد بضاعة كلامية تنتهي صلاحيتها بانتهاء مجلس الحديث.

إن مقياس النبل الحقيقي لا يظهر في مجالس اللباقة، بل في سلوكيات الظل وتفاصيل الحياة العادية؛ راقب كيف يُعامل من هم أدنى منه قدرة، وكيف يتصرف مع أهل بيته وأقرب الناس إليه حين يكون في قمة غضبه أو حين لا يرجو نفعًا من أحد هناك فقط، خلف الستار، تسقط البلاغة ويبقى جوهر الإنسان عاريًا؛ فالأقوال الجميلة قد تصنع لقاءً مبهرًا، لكن الاتساق والأفعال الصادقة وحدها تصنع الأمان وتستحق أن نؤتمن عليها قلوبنا وأرواحنا دون خوف.

كم من خيبةٍ كبرى بدأت بحديثٍ عذبٍ لم يكن ينقصه شيء من الصدق سوى أن يكون حقيقيًا؟ نعيش في زمنٍ يتسلل فيه البعض إلى أعمق مساحات أرواحنا، لا لشيء إلا لأنهم عرفوا من أين تؤكل عواطفنا؛ أتقنوا ترتيب الحروف، واختاروا نبرة صوتٍ دافئة تلامس انكساراتنا العطشى للأمان، فمنحناهم مفاتيح ثقتنا دون تردد فنحن كبشر لا نسمع بآذاننا فحسب، بل نستمع بقلوبنا واحتياجاتنا غير المكتملة، وحين يعثر أحدٌ على الكلمة التي نتوق لسماعها، تسقط كل حصوننا الدفاعية فجأة، لنقع أسرى بريقٍ لفظي لا يُسمن ولا يُغني من خذلان.

المأساة الإنسانية ليست في طيبتنا، بل في هذا الميل الفطري الذي يجعلنا نخلط بين جمال القول ورقيّ الفعل، وبين الكاريزما الجذابة وحُسن الخُلُق، ونظنّ واهمين أن من يملك لسانًا معسولًا يملك بالضرورة قلبًا نقيًا، وننسى أن مهارة الحديث قد لا تكون سوى قناع استعراضي صُنع بحرفية عالية للتأثير والاستقطاب، وهذا التورّط العاطفي ليس سذاجة نُلام عليها، بل هو انعكاسٌ لحاجتنا الفطرية للثقة بمن حولنا؛ غير أن فداحة الثمن تتجلى لاحقًا حين تتبدد هالة الانطباع الأول، ونكتشف أننا بنينا أوهامنا على رمالٍ متحركة صنعتها حلاوة اللسان وعجز عن إسنادها واقع الأفعال.

إن أخطر ما يمارسه أصحاب الكلام المنمّق هو براعتهم في قراءة شغفنا الداخلي؛ فهم يقدمون لنا ما يرضي غرورنا أو يواسي جراحنا بالجرعات التي نشتهيها تمامًا، يبهروننا في المشاهد العامة، ويتألقون في ساحات الإبهار حيث تكون العيون شاخصة والأضواء مسلّطة؛ لكن الصدمة تنبت في تلك اللحظات التي تنطفئ فيها الكاميرات، وحين تسقط مصلحة الاستعراض وتختفي الحاجة لإقناع أحد. في تلك الزوايا المهملة، ينفصل النص عن بطله، ويجد السامع نفسه أمام غريبٍ لا يشبه ما كان يقوله بشيء.

لذلك، لا تفرّط بثمن مشاعرك استجابةً لوقع العبارات البراقة؛ تعلّم أن تعطي الوقت مقعدًا متقدمًا في كل علاقة، فالزمن هو الغربال الوحيد الذي لا يجامل، وهو المختبر الصارم القادر على فرز المعدن الأصيل من الطلاء الزائف، ليس المطلوب أن نتحول إلى متشككين نقف على حافة الحذر الدائم، بل أن ندرك أن الثقة استحقاقٌ يُبنى بالخطوات الثابتة لا بالوعود الطائرة، وأن نترك للأيام مساحة لتكشف لنا هل ما ينطق به هذا الإنسان هو نسيجٌ من روحه، أم مجرد بضاعة كلامية تنتهي صلاحيتها بانتهاء مجلس الحديث.

إن مقياس النبل الحقيقي لا يظهر في مجالس اللباقة، بل في سلوكيات الظل وتفاصيل الحياة العادية؛ راقب كيف يُعامل من هم أدنى منه قدرة، وكيف يتصرف مع أهل بيته وأقرب الناس إليه حين يكون في قمة غضبه أو حين لا يرجو نفعًا من أحد هناك فقط، خلف الستار، تسقط البلاغة ويبقى جوهر الإنسان عاريًا؛ فالأقوال الجميلة قد تصنع لقاءً مبهرًا، لكن الاتساق والأفعال الصادقة وحدها تصنع الأمان وتستحق أن نؤتمن عليها قلوبنا وأرواحنا دون خوف.

الجزيرة صحيفة سعودية يومية تصدر عن مؤسسة الجزيرة للصحافة والطباعة والنشر ومقرها العاصمة الرياض.

أسسها الشيخ عبدالله بن خميس وصدر عددها الاول كمجلة شهرية في أبريل 1960م.