.اشترك في نشرتنا الإخبارية لتحصل على أهم و أبرز أخبار اليوم
في لحظة إعلان تطويب البطريرك إلياس الحويّك، لا يقف التاريخ عند حدود خبر كنسي أو احتفالٍ عابر إنما يرتقي ليكون سؤالاً أعمق من الوقائع: كيف يتحوّل الإنسان إلى علامة؟ وكيف تصبح السيرة البشرية مجالًا لقراءة حضور الله في الزمن؟في لبنان، لا تنفصل القداسة عن التاريخ، ولا الإيمان عن الجغرافيا، بل يتداخلان في نسيج واحد يجعل من الحياة نفسها نصاً لاهوتياً مفتوحاً، تُقرأ فيه الحريّة وسط الألم، والرجاء وسط الانكسار، والمعنى وسط الاضطراب.
أولًا: سرّ الاعتراف الكنسي بالقداسةفي التقليد الكاثوليكي، تُعلن القداسة على أساس تمييز عيش الحقيقة الروحية التي ظهرت في التاريخ.تمرّ الطريق إلى القداسة عبر تدرّج كنسي دقيق:خادم الله: حيث تبدأ الكنيسة الإصغاء إلى سيرة حياة تُروى.المكرَّم (Venerable): حيث تُعلن الفضائل البطولية كحقيقة مُعاشة.الطوباوي (Blessed): حيث تُعترف الشهادة في إطار كنسي محلي علني.القديس (Saint): حيث تُقدَّم الحياة كنموذج للكنيسة الجامعة.
اقرأ أيضاً: بطريرك لبنان الكبير أعلن طوباوياً: "بركة سماوية" في هذا التوقيت
لكن خلف هذا التدرّج الكنسي يكمن منطق أعمق فالقداسة لا تعتبر انتقال الإنسان إلى الحالة المثالية، لأنها عمليّة كشف تدل على أن النعمة استطاعت أن تسكن التاريخ البشري دون أن تلغيه. ولأن الكنيسة، في جوهر عملها، لا تُنشئ قديسين، بل تُميّز حضور الله في إنسان عاش دعوته حتى النهاية.ثانياً: القديسون اللبنانيونحين يصبح الصمت لاهوتاً حياًالقديس شربل مخلوفالتقديس: 9 تشرين الأول / أكتوبر 1977 (البابا بولس السادس)في شربل، يتحوّل الصمت إلى لغة لاهوتية. فالحياة المنسحبة من ضجيج العالم ليست هروباً، بل دخولٌ إلى كثافة الحضور الإلهي، حيث يصبح الصمت شكلاً من أشكال المعرفة بالله.القديسة رفقا الريّسالتقديس: 10 حزيران / يونيو 2001 (البابا يوحنا بولس الثاني)في جسدها المتألم، لم تنطفئ الحياة فصارت شمعة مضاءة من خلال الصلاة المستمرة. الألم لا يُفهَم كعبء محدود ومُقفَل خال من المعنى فالألم هو المساحة التي تتجلّى فيه الشركة مع المسيح المتألم.القديس نعمة الله الحردينيالتقديس: 16 أيار / مايو 2004 ( البابا يوحنا بولس الثاني)
يجسّد الحرديني وحدة التوازن بين العقل والإيمان، حيث لا يُلغى الفكر انما يُنقّى. في حياته يصبح العقل طريقاً نحو الله لا حاجزًا أمامه.ثالثًا: الطوباويون حيث تتجلّى الشهادة في التاريخالطوباوي يعقوب الكبوشي (أبونا يعقوب)قبول التطويب: 13 أيار / مايو 2008التطويب: 22 حزيران / يونيو 2008 ( البابا بنديكتوس السادس عشر)تتحوّل الخدمة إلى لاهوتٍ مُعاش وحَيّ، حيث يُصبح القرب من الإنسان المتألم والمهمّش امتدادًا لسرّ التجسد في التاريخ.الطوباوي اسطفان نعمةقبول التطويب: 16 آذار / مارس 2010التطويب: 27 حزيران / يونيو 2010 (البابا بنديكتوس السادس عشر)في بساطته، ينكشف سرّ القداسة الخفيّة من حياة لا تبحث عن الظهور، لكنها تُعلن حضور الله في التفاصيل الصغيرة والأعمال البسيطة.الطوباويان ليونارد ملكي وتوما صالحالتطويب 4 حزيران / يونيو 2022 ( البابا فرنسيس)يجسّد الطوباويان ليونارد ملكي وتوما صالح بُعد الشهادة الكهنوتيّة في أقصى تجلياتها، حيث لا تُختزل الحياة الإيمانيّة في الخدمة اليوميّة، بل تبلغ ذروتها في أمانة الإنجيل حتى بذل الذات. في مسيرتهما، تتحوّل الحياة الكهنوتيّة إلى خيار جذري يجعل من الإيمان شهادة حيّة في قلب الألم والتاريخ، بحيث لا يُقرأ حضورهما كذكرى روحيّة فقط، بل كعلامة على أن الانتماء للمسيح قد يأخذ شكل التضحية الكاملة.الطوباوي البطريرك اسطفان الدويهيقبول التطويب: 14 آذار / مارس 2024التطويب: 2 آب / أغسطس 2024 ( البابا فرنسيس)في الدويهي، لا تنفصل القداسة عن الذاكرة. فهو البطريرك والمؤرخ الذي حمل التاريخ كمسؤولية روحية، وكتب الهوية بأسلوب أعمق من سرد ليكون أمانة ثابتة. تتحوّل المعرفة في مسيرته إلى شكل من أشكال الصلاة، ويغدو حفظ الذاكرة فعلًا لاهوتياً.الأب بشارة أبو مرادقبول التطويب: 21 شباط / فبراير 2026(البابا لاوون 14 )في أبو مراد، نرى أنّه قد جسّد في سيرته نموذج القداسة الخفية التي لا تُبنى على الأحداث الاستثنائية أو الظهور العلني، بل على عمق الأمانة اليومية في الحياة الروحية، حيث تتحوّل المعرفة اللاهوتية والنسك إلى أسلوب حياة ثابت يعكس حضور النعمة في التفاصيل الصامتة للوجود.الطوباوي البطريرك إلياس الحويّكقبول التطويب: 22 أيار / مايو 2026(البابا لاوون 14 )في الحويّك، يتخذ التاريخ شكلًا لاهوتياً خاصاً، حيث تتحوّل القيادة من مجرد إدارة للواقع، لتكون قراءة في الوجود الجماعي منذ لحظة التأسيس. إنه نموذج الإنسان الذي يقف عند تخوم السياسة والكنيسة، ليجعل من المسؤولية التاريخية والسياسية فعلًا مشبعاً بالضمير أمام الله.رابعًا: الشهادة غير المكتملة في أفق الدعوىيوسف بك كرم "رجل الله"في سيرته، تلتقي الوطنية بالضمير الأخلاقي. لا تُقرأ حياته كمسار كنسي اكتمل ولكن كعلامة مفتوحة حول معنى التضحية والحرية والكرامة في التاريخ اللبناني.خاتمة: لبنان بين الذاكرة والسرّليس لبنان مجرد بلد أنجب قديسين وطوباويين، انه فضاء تتقاطع فيه التجربة التاريخية مع السؤال اللاهوتي عن الإنسان.فإذا كان تاريخ بعض الأمم يكتب انطلاقاً من القوة، فإن لبنان يكتب من خلال الذاكرة؛ وإذا كانت بعض البلدان تُفهم بالسياسة، فإن لبنان يُقرأ كتأويل روحي مستمر للتاريخ. وفي هذا المعنى، لا تكون القداسة نهاية السيرة، لأن فيها بداية قراءة أعمق للإنسان في العالم.