حين تكون المدرسة في انتظار معلميها

حين تكون المدرسة في انتظار معلميها2026-08-26T03:00:01.572Zالاستقبال ثقافة لا مناسبةقبل سنوات طويلة، وفي يوم المعلم، اتفقت مع إدارة المدرسة على أن نصنع للمعلمات يومًا مختلفًا.أعددنا لهن احتفالًا كاملًا؛ وردًا وضيافة، واستقبالًا من الطالبات، وزفّة على أنغام أنشودة أُعدت لهن، وتفاصيل صغيرة جعلت ذلك اليوم مملوءًا بالفرح.انتهى اليوم، وانتهت الضيافة، وذبل الورد، ومضت السنوات.لكن أثر الاحتفال لم ينتهِ.فبعد سنوات، فوجئت ببعض المعلمات ما زلن يذكرن ذلك اليوم، بل إن بعض من تقاعدن منهن ما زلن يستعدنه في حديثهن: أتذكرين ذلك الاحتفال الذي أقمتموه لنا؟عندها ندرك أن بعض الأشياء التي تبدو صغيرة في حسابات الإدارة، قد تكون كبيرة جدًا في ذاكرة الإنسان.تذكرت ذلك مؤخرًا وأنا أشاهد مقطعًا دافئًا نشرته مديرة مدرسة لاستقبال معلماتها مع بداية العام الدراسي. كانت قد هيأت إحدى الغرف حتى بدت كقاعة صغيرة جميلة؛ طاولات مرتبة، وورود، وبطاقات ترحيب، وضيافة، وبخور وعطور. تفاصيل كثيرة تقول لمن تدخل المكان، قبل أن يقول لها أحد شيئًا: كنا في انتظارك.وقد يرى أحدهم المشهد فيقول: ورد وقهوة وبخور، ثم ماذا؟لكنني أعرف الآن ماذا بعد.أعرفه من معلمات ما زلن، بعد سنوات طويلة، يتذكرن صباحًا شبيهًا بهذا الصباح.فالورد ليس القضية، ولا القهوة، ولا البخور. هذه كلها وسائل صغيرة تحمل رسالة أكبر منها: نحن سعداء بعودتك، ووجودك مهم، وأنت جزء من هذا المكان ومن رسالته.وفي علم النفس والإدارة، للأمان النفسي وشعور الإنسان بأنه مقدَّر أثر عميق في انتمائه إلى مكانه؛ فالمشاعر لا تبقى حبيسة أصحابها، والمعلم الذي يرتوي قلبه بالتقدير من إدارته في أول الصباح، يحمل شيئًا من هذا الدفء معه إلى فصله وطلابه.نحن نتحدث كثيرًا مع بداية كل عام عن استقبال الطلاب، لكن من يستقبل الذين سيستقبلونهم؟من يقول للمعلم، قبل أن يقف عند باب فصله ويبتسم لطلابه: أهلًا بعودتك أنت أيضًا؟فالمدرسة قد تكتمل مبانيها، وتُجهز فصولها، وتصل كتبها، وتُعد جداولها، لكنها لا تدب فيها الحياة حقًا حتى يدخلها معلموها.وحسن الاستقبال لا يعني بالضرورة حفلًا كبيرًا؛ فالقيمة ليست فيما دُفع، وإنما فيما وصل إلى القلب.والأجمل ألا تنتهي رسالة الاستقبال بانتهاء صباحه، بل تكون الباب الأول لثقافة تمتد بعده: تقدير واحترام وتعاون، وشعور بأن من اجتمعوا تحت سقف المدرسة ليسوا أفرادًا يؤدون ساعات عمل، بل فريقًا يحمل رسالة واحدة.وربما لهذا بقي ذلك الاحتفال القديم في ذاكرة معلماتنا كل هذه السنوات.لقد نسين بالتأكيد كثيرًا من التفاصيل؛ نوع الحلوى، ولون الورد، وترتيب المكان، وربما كلمات الأنشودة، لكنهن تذكرن شيئًا أهم:كيف شعرن في ذلك اليوم؟وهذه هي المسألة.فبعض ما نصنعه للناس ينتهي بانتهاء المناسبة، وبعضه يبدأ منها.وما أجمل أن يبدأ العام الدراسي برسالة بسيطة إلى من سيحملون رسالته طوال العام:أهلًا بعودتكم... كانت المدرسة في انتظاركم.