كنت الأسبوع الماضي في عمّان، عاصمة المملكة الأردنية الهاشمية، بصحبة الصديق العزيز (هليل بن حماد الرميحي الشمري، «أبو عمر»)، الذي أكرمني باصطحابي إلى «ديوانية شمر» التي عرفت بعد ذلك أنها تأسست عام 1951م في مدينة الزرقاء تحت مسمى (ديوانية شمر وأصدقائهم) ثم انتقلت إلى العاصمة عمان منذ أكثر من عشر سنوات وما زالت، وهناك تشرفت بلقاء الأخ العزيز: أحمد بن حسن بن راشد الشمري «أبو راشد»، القائم على شئون الديوانية، ومع أن هذه الزيارة كانت في الأساس زيارة عابرة سريعة، إلا أنها بصدق صارت بعد ذلك عميقة في دلالاتها، تركت في نفسي انطباعًا جميلًا عن معنى الكرم، وأصالة الانتماء، وقيمة العمل الاجتماعي الذي يتجاوز حدود القرابة والقبيلة والجغرافيا والعمر.
ولعل أول ما استوقفني في تلك الديوانية أنها، وإن حملت اسم قبيلة شمر العريقة، فإنها لم تحصر رسالتها في أبنائها، بل اتسعت للجميع من مختلف القبائل والشعوب والجنسيات والأعمار؛ فالاسم عنوان للهوية، وليس قيدًا على الضيافة، والانتماء فيها جسر للتواصل لا حاجزًا بين الناس.
وهذه في تقديري، صورة حضارية ناضجة للانتماء القبلي حين يتحول من رابطة نسب إلى فضاء اجتماعي رحب، تتلاقى فيه القلوب قبل الأسماء، وتسبق فيه المودة السؤال عن الأصل والفصل والجنسية والعمر.
لفت انتباهي في ذلك المساء الجميل على شبة النار في بوادر دخول برد الشتاء هناك ما تحظى به الديوانية من حضور متنوع، لا سيما من الطلاب الخليجيين الدارسين في جامعات عمان، على اختلاف أعمارهم وجنسياتهم وتخصصاتهم، حيث يجدون فيها مكانًا للألفة والتعارف، وفرصة لتبادل الخبرات، وبيئة اجتماعية تخفف عنهم شيئًا من مشاعر الغربة، وتمنحهم إحساسًا بأن لهم أهلًا وإخوة خارج حدود أوطانهم.
وليس قليلًا أن يجد الطالب المغترب مجلسًا يأوي إليه، ووجوهًا تستقبله بالبشر والترحاب، وأشخاصًا يسألونه عن أحواله ويقفون معه عند الحاجة؛ فالغربة لا تقاس ببعد المسافات وحدها، وإنما بما يفتقده الإنسان من دفء العلاقات وطمأنينة الانتماء. والأجمل أن أبواب الديوانية مشرعة طوال ساعات اليوم، غير أن الأبواب المفتوحة ليست وحدها ما يصنع الكرم؛ فقد تُفتح الأبواب وتضيق الصدور، أما هنا فقد وجدت القلوب مفتوحة قبل الأبواب، والابتسامة حاضرة قبل القهوة، وروح الأخوة أوسع من المكان. غير أن أكثر ما استوقفني في شخصية (أبي راشد) تلك الروح المبادرة إلى نجدة المحتاج، والفزعة لمن يطلب العون، وهي خصلة أصيلة عرف بها والده من قبله رحمه الله، ويشاركه فيها إخوته وفقهم الله، حتى غدت المروءة في هذه الأسرة سلوكًا متوارثًا، لا مجرد قيمة يتحدثون عنها. فليس الكرم أن تقدم الطعام والشراب فحسب، وإنما أن تقدم وقتك وجهدك وجاهك لمن يحتاج إليك، وأن تشعر الآخرين بأنهم ليسوا وحدهم حين تضيق بهم السبل. وهنا تتجلى القيمة الاجتماعية الحقيقية لهذه الديوانية؛ فهي ليست مجرد مجلس للسمر وتبادل الأحاديث، بل مؤسسة أهلية غير رسمية، تؤدي أدوارًا إنسانية واجتماعية وتربوية، وتسهم في بناء جسور الثقة بين الناس، وتعزز ثقافة التعاون والتكافل بعيدًا عن الإجراءات والتكلف.
لقد عرفت مجتمعاتنا العربية المجالس والديوانيات منذ القدم، وكانت مدارس مفتوحة يتعلم فيها الصغار من الكبار، ويتداول فيها الناس الرأي والمشورة، وتُصلح فيها ذات البين، وتُقضى فيها الحاجات. وما ديوانية شمر في عمّان إلا امتداد معاصر لهذا الموروث الاجتماعي الأصيل، مع خصوصية تستحق الإشادة، تتمثل في انفتاحها على الجميع دون تمييز. إن القبيلة حين تعتز بقيمها، وتفتح ذراعيها للآخرين، تقدم أرقى صور الانتماء؛ لأن قيمة النسب لا تكتمل بمجرد الانتساب إليه، وإنما بما يترجمه أبناؤه من أخلاق ومواقف وأعمال نافعة للناس. وقد صدق رسول الله صلى الله عليه وسلم حين قال: (...والله في عون العبد ما كان العبد في عون أخيه) رواه مسلم. وهي قاعدة أخلاقية عظيمة تتجاوز حدود الشعارات إلى ميادين العمل والمبادرة والبذل.
خرجت من ديوانية شمر وأنا أحمل تقديرًا أكبر لهذه النماذج الاجتماعية التي تعمل بصمت، وتزرع المحبة دون ضجيج، وتؤكد أن العلاقات الإنسانية لا تصنعها المؤسسات الرسمية وحدها، بل تبدع في خلقها مجالس الرجال الذين آمنوا بأن خدمة الناس شرف، وأن الكرم مسؤولية، وأن الانتماء الحقيقي يتسع ولا يضيق.
شكرًا للصديق العزيز أبي عمر الذي أتاح لي هذه الزيارة الجميلة، والشكر موصول لأبي راشد وإخوته ومن معهم على ما يقدمونه من نموذج اجتماعي جدير بالتقدير، ولهم مني ولمن على شاكلتهم ونهج نهجهم وسلك طريقهم صادق الدعاء بدوام التوفيق لكل خير ونفع الناس وإعانة المحتاج، وإلى لقاء والسلام.
كنت الأسبوع الماضي في عمّان، عاصمة المملكة الأردنية الهاشمية، بصحبة الصديق العزيز (هليل بن حماد الرميحي الشمري، «أبو عمر»)، الذي أكرمني باصطحابي إلى «ديوانية شمر» التي عرفت بعد ذلك أنها تأسست عام 1951م في مدينة الزرقاء تحت مسمى (ديوانية شمر وأصدقائهم) ثم انتقلت إلى العاصمة عمان منذ أكثر من عشر سنوات وما زالت، وهناك تشرفت بلقاء الأخ العزيز: أحمد بن حسن بن راشد الشمري «أبو راشد»، القائم على شئون الديوانية، ومع أن هذه الزيارة كانت في الأساس زيارة عابرة سريعة، إلا أنها بصدق صارت بعد ذلك عميقة في دلالاتها، تركت في نفسي انطباعًا جميلًا عن معنى الكرم، وأصالة الانتماء، وقيمة العمل الاجتماعي الذي يتجاوز حدود القرابة والقبيلة والجغرافيا والعمر.
ولعل أول ما استوقفني في تلك الديوانية أنها، وإن حملت اسم قبيلة شمر العريقة، فإنها لم تحصر رسالتها في أبنائها، بل اتسعت للجميع من مختلف القبائل والشعوب والجنسيات والأعمار؛ فالاسم عنوان للهوية، وليس قيدًا على الضيافة، والانتماء فيها جسر للتواصل لا حاجزًا بين الناس.
وهذه في تقديري، صورة حضارية ناضجة للانتماء القبلي حين يتحول من رابطة نسب إلى فضاء اجتماعي رحب، تتلاقى فيه القلوب قبل الأسماء، وتسبق فيه المودة السؤال عن الأصل والفصل والجنسية والعمر.
لفت انتباهي في ذلك المساء الجميل على شبة النار في بوادر دخول برد الشتاء هناك ما تحظى به الديوانية من حضور متنوع، لا سيما من الطلاب الخليجيين الدارسين في جامعات عمان، على اختلاف أعمارهم وجنسياتهم وتخصصاتهم، حيث يجدون فيها مكانًا للألفة والتعارف، وفرصة لتبادل الخبرات، وبيئة اجتماعية تخفف عنهم شيئًا من مشاعر الغربة، وتمنحهم إحساسًا بأن لهم أهلًا وإخوة خارج حدود أوطانهم.