ارتدوا ثياب الإحرام، وخلعوا معها زينة الدنيا، ولم يبقَ بينهم وبين الطائرة إلا خطوات، وما بين قلوبهم وبيت الله الحرام إلا شوقٌ يطوي المسافات.
كانوا يمضون إلى الرحمن وفدًا، يحمل كلٌّ منهم في صدره دعاءً أخفاه عن الناس، وذنبًا يرجو مغفرته، وهمًّا ينتظر فرجه، ودمعةً ادّخرها لأول نظرة إلى الكعبة المشرفة.
بياضٌ يكسو الأجساد، وسكينةٌ تغمر الأرواح، وألسنةٌ تلهج بالتلبية، كأن القلوب سبقت أصحابها إلى الحرم، ووقفت على أعتابه تستأذن في الدخول.
«لبّيك اللهم لبّيك، لبّيك لا شريك لك لبّيك».
يا الله! ما أرقَّ تلك اللحظات حين يترك العبد وراءه دنياه، ويمضي إليك لا يحمل إلا رجاءه فيك! وما أفجعها حين تمتدّ يدُ الغدر إلى قومٍ لم يحملوا سلاحًا، ولم يقصدوا قتالًا، وإنما خرجوا يرجون رحمتك ويبتغون مرضاتك!
دوّى صوتُ الإرهاب، فمزّق سكون المكان، وارتجفت القلوب التي كانت قبل لحظات تخفق شوقًا إلى البيت العتيق، وتناثرت الأجساد التي كانت تستعدّ للوقوف بين يدي الله في رحاب بيته الحرام.
مَن ذا الذي لوَّن بياضَ أُزُرهم بدمائهم الزكيّة؟ ومَن ذا الذي أسكت أصواتهم وهي تلهج بالتلبية، فإذا بالألسنة التي كانت تقول: «لبّيك اللهم لبّيك» تنطق في أنفاسها الأخيرة: «أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمدًا رسول الله»؟!
خرجوا بثيابٍ تشبه الأكفان في بياضها، لا يحملون إلا رجاء المغفرة، فإذا بالعدوان يجعلها أكفانًا تخضّبت بالدماء!
كانوا يرجون أن تقع أعينهم على الكعبة، فإذا بأعينهم تُغمض قبل بلوغها، وكانوا يمنّون النفس بدمعة خشوع عند أول خطوة طواف بالبيت العتيق، فإذا بدموع الفراق تُذرف عليهم قبل أن يصلوا إليه.
اختلطت أصوات التكبير بأصوات الفزع، وارتفعت الأكفُّ التي كانت تتوق إلى استلام الحجر الأسود، تستغيث بربّ الحجر والبيت والمقام.
لم تتغيّر الكلمات، ولكن تغيّرت النبرات؛ فالتكبير الذي كان ينساب من صدورٍ مطمئنة، صار يخرج من حناجر مكلومة، والتلبية التي كانت نشيد شوق، غدت بين الدموع شهادةً على براءة القاصدين، وفظاعة المعتدين.
هؤلاء وفدك، خرجوا من ديارهم يريدون بيتك، وأحرموا يرجون عفوك، وتركوا وراءهم أهلًا ينتظرون عودتهم محمّلين ببركة النسك وطمأنينة القرب منك؛ فكيف يعود بعضهم محمولًا على الأكتاف، بعد أن خرج يمشي على قدميه؟ وكيف تستقبل أمٌّ ابنها وقد خُضّب وجهه بدمه، وقد كانت تنتظر أن يعود إليها بوجهٍ أضاءته أنوار العبادة؟!
أيُّ قلبٍ هذا الذي لا يرتجف حين يرى ثياب الإحرام؟ وأيُّ ضميرٍ لا يستيقظ حين يسمع التلبية؟ وأيُّ عدوانٍ أفظع من أن يُروَّع عبدٌ وهو في طريقه إلى عبادة ربّه؟!
لقد قطع القرامطة من قبل طريق الحجيج، واستباحوا حرمة البيت العتيق، وها هو الإرهاب الحوثي يستحضر في الأذهان تلك الصفحة السوداء من أسلافهم، حين يجعل من طريق العابدين موضعًا للخوف، ومن رحلة الطمأنينة مشهدًا للفزع.
ويا لعظيم الجرم حين لا يكتفي المعتدي بحرمان الإنسان من أمنه وحياته، بل يعترض طريقه إلى بيت ربّه، كأنما ضاقت به الأرض حتى لم يجد موضعًا لعدوانه إلا دروب الذاهبين إلى الله!
ولكن يا ربّ، إن حالت بينهم وبين بيتك يدُ معتدٍ، فلن تحول بينهم وبينك؛ وإن عجزت أقدامهم عن إتمام المسير، فقد بلغت نياتهم ما قصّرت عنه خطاهم، وأنت الذي لا يضيع عنده قصد الصادقين.
اللهم إنهم خرجوا إليك ملبّين، فاجعل آخر أنفاسهم شهادةً لهم، واغسل بدموع أحبابهم أحزانَ الفراق، واربط على قلوب أمهاتهم وآبائهم وأزواجهم وأبنائهم، وألهمهم صبرًا لا ينطفئ معه الرجاء، ويقينًا لا تنال منه الفجيعة.
اللهم اجبر روع الناجين، وآمن خوف الخائفين، واكتب للمحرومين من تمام نسكهم أجر ما نووا، وتقبّل من قضى منهم في عبادك الصالحين، واحفظ آمّين بيتك وعمّاره من كل باغٍ ومعتدٍ.
يا ربّ، إن كانت ثياب الإحرام البيضاء لم توقظ في المعتدي حرمةً، وإن كانت أصوات التلبية لم تردعه عن جريمته، فإن لك عدلًا لا يغيب، وحكمًا لا يجور، وقد قلتَ وقولك الحق: (وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنقَلَبٍ يَنقَلِبُونَ).
ارتدوا ثياب الإحرام، وخلعوا معها زينة الدنيا، ولم يبقَ بينهم وبين الطائرة إلا خطوات، وما بين قلوبهم وبيت الله الحرام إلا شوقٌ يطوي المسافات.
كانوا يمضون إلى الرحمن وفدًا، يحمل كلٌّ منهم في صدره دعاءً أخفاه عن الناس، وذنبًا يرجو مغفرته، وهمًّا ينتظر فرجه، ودمعةً ادّخرها لأول نظرة إلى الكعبة المشرفة.
بياضٌ يكسو الأجساد، وسكينةٌ تغمر الأرواح، وألسنةٌ تلهج بالتلبية، كأن القلوب سبقت أصحابها إلى الحرم، ووقفت على أعتابه تستأذن في الدخول.
«لبّيك اللهم لبّيك، لبّيك لا شريك لك لبّيك».
يا الله! ما أرقَّ تلك اللحظات حين يترك العبد وراءه دنياه، ويمضي إليك لا يحمل إلا رجاءه فيك! وما أفجعها حين تمتدّ يدُ الغدر إلى قومٍ لم يحملوا سلاحًا، ولم يقصدوا قتالًا، وإنما خرجوا يرجون رحمتك ويبتغون مرضاتك!
دوّى صوتُ الإرهاب، فمزّق سكون المكان، وارتجفت القلوب التي كانت قبل لحظات تخفق شوقًا إلى البيت العتيق، وتناثرت الأجساد التي كانت تستعدّ للوقوف بين يدي الله في رحاب بيته الحرام.
مَن ذا الذي لوَّن بياضَ أُزُرهم بدمائهم الزكيّة؟ ومَن ذا الذي أسكت أصواتهم وهي تلهج بالتلبية، فإذا بالألسنة التي كانت تقول: «لبّيك اللهم لبّيك» تنطق في أنفاسها الأخيرة: «أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمدًا رسول الله»؟!
خرجوا بثيابٍ تشبه الأكفان في بياضها، لا يحملون إلا رجاء المغفرة، فإذا بالعدوان يجعلها أكفانًا تخضّبت بالدماء!
كانوا يرجون أن تقع أعينهم على الكعبة، فإذا بأعينهم تُغمض قبل بلوغها، وكانوا يمنّون النفس بدمعة خشوع عند أول خطوة طواف بالبيت العتيق، فإذا بدموع الفراق تُذرف عليهم قبل أن يصلوا إليه.
اختلطت أصوات التكبير بأصوات الفزع، وارتفعت الأكفُّ التي كانت تتوق إلى استلام الحجر الأسود، تستغيث بربّ الحجر والبيت والمقام.
لم تتغيّر الكلمات، ولكن تغيّرت النبرات؛ فالتكبير الذي كان ينساب من صدورٍ مطمئنة، صار يخرج من حناجر مكلومة، والتلبية التي كانت نشيد شوق، غدت بين الدموع شهادةً على براءة القاصدين، وفظاعة المعتدين.
هؤلاء وفدك، خرجوا من ديارهم يريدون بيتك، وأحرموا يرجون عفوك، وتركوا وراءهم أهلًا ينتظرون عودتهم محمّلين ببركة النسك وطمأنينة القرب منك؛ فكيف يعود بعضهم محمولًا على الأكتاف، بعد أن خرج يمشي على قدميه؟ وكيف تستقبل أمٌّ ابنها وقد خُضّب وجهه بدمه، وقد كانت تنتظر أن يعود إليها بوجهٍ أضاءته أنوار العبادة؟!
أيُّ قلبٍ هذا الذي لا يرتجف حين يرى ثياب الإحرام؟ وأيُّ ضميرٍ لا يستيقظ حين يسمع التلبية؟ وأيُّ عدوانٍ أفظع من أن يُروَّع عبدٌ وهو في طريقه إلى عبادة ربّه؟!
لقد قطع القرامطة من قبل طريق الحجيج، واستباحوا حرمة البيت العتيق، وها هو الإرهاب الحوثي يستحضر في الأذهان تلك الصفحة السوداء من أسلافهم، حين يجعل من طريق العابدين موضعًا للخوف، ومن رحلة الطمأنينة مشهدًا للفزع.
ويا لعظيم الجرم حين لا يكتفي المعتدي بحرمان الإنسان من أمنه وحياته، بل يعترض طريقه إلى بيت ربّه، كأنما ضاقت به الأرض حتى لم يجد موضعًا لعدوانه إلا دروب الذاهبين إلى الله!