لم تعد الحسابات المشبوهة في منصات التواصل الاجتماعي مجرد أصوات عابرة في فضاء رقمي مفتوح بل أصبحت ظاهرة تستحق اليقظة والتأمل حين تتحول بعض الحسابات إلى أدوات لبث الكراهية وإشعال الخصومات وتأجيج الخلافات بين الشعوب والإساءة إلى الدول ورموزها وشخصياتها المعروفة في مشاهد لا يمكن فصل خطورتها عن محاولات العبث بالوعي واستغلال العواطف وتحويل المنصات التي وجدت للتواصل وتبادل المعرفة إلى ساحات للتحريض والتشهير وصناعة العداوات.
وفي منصة إكس على وجه الخصوص يبرز نمط من الحسابات التي تستدعي الانتباه بما تنشره من صور وأعلام ورموز لدول بعينها وبما تطرحه من عبارات مستفزة وإساءات متعمدة تستهدف إثارة الغضب ودفع المستخدمين إلى الاشتباك اللفظي والتراشق بالاتهامات حتى يصبح المتابع جزءاً من معركة لم يعرف من أشعلها ولا من يقف خلفها ولا ما الغاية الحقيقية من جرّه إليها.
والأخطر من ذلك أن بعض هذه الحسابات تبدو وكأنها لا تبحث عن حوار ولا تحمل رسالة ولا تهتم بحقيقة أو مصلحة عامة بل تتحرك في مسار واحد هو تأجيج الفتنة واستدراج الآخرين إلى مستنقع الإساءة والاتهام والقذف مستغلة الأحداث والظروف التي تمر بها المنطقة لتصب الزيت على النار وتوسع دائرة الخلاف بين الأشقاء وتمنح كل حادثة قابلة للتأويل فرصة جديدة لبث الشكوك وتسميم العلاقات وإشغال الناس بمعارك جانبية تصرف الأنظار عن الحقائق والمصالح المشتركة.
وتزداد خطورة هذه الممارسات حين يُستغل الذكاء الاصطناعي في إنشاء مقاطع مرئية مفبركة أو تعديل فيديوهات حقيقية وإخراجها من سياقها بما يوحي بوقائع لم تحدث أو ينسب إلى أشخاص ومجتمعات مواقف لم تصدر عنهم بهدف تضليل المتلقين وتأجيج الكراهية وإشعال الفتن بين الشعوب فالمشهد المصور لم يعد دليلا كافيا على الحقيقة ما لم يُتحقق من مصدره وسياقه وأصالته وقد تتحول ثوانٍ من مقطع مزيف أو محرّف إلى شرارة لخلاف واسع يصعب احتواء آثاره وهو ما يجعل الوعي الرقمي والتحقق قبل النشر ضرورة لحماية الحقيقة وصون العلاقات بين الشعوب من عبث المتلاعبين.
ومن يتأمل بعض هذه الحسابات قد يلحظ مؤشرات تستدعي التحقق مثل حداثة تاريخ إنشائها أو نمط النشر المتكرر أو التركيز المفرط على موضوعات الخلاف أو إعادة تدوير المحتوى الاستفزازي أو استخدام لغة واحدة في مهاجمة أطراف متعددة وهذه المؤشرات لا تكفي وحدها لإثبات أن الحساب وهمي أو أنه يدار من جهة خارجية لكنها تستوجب الحذر والتحقق وعدم منح أصحابها ثقة مجانية أو مساحة إضافية لنشر ما يريدون.
فليس من المستبعد أن تستغل جهات معادية أو أطراف تسعى إلى تحقيق مكاسب سياسية وإعلامية الحسابات الرقمية في حملات تضليل منظمة لكن تحديد الجهة التي تقف وراء حساب بعينه يحتاج إلى أدلة وتحقيقات مختصة لا إلى الظنون والانطباعات، فالمطلوب أن نواجه الخطر بوعي راسخ لا باتهامات غير موثقة وأن نحمي مجتمعنا من التضليل من دون أن نقع نحن في فخ التعميم والتسرع
إن أخطر ما تحققه هذه الحسابات ليس مجرد نشر تغريدة مسيئة أو صورة مستفزة بل نجاحها في تحويل المستخدم العادي إلى أداة لنشر رسالتها حين يعيد التغريد أو يقتبس المحتوى غاضبا أو يدخل في سجال طويل مع صاحب الحساب وهو يظن أنه يدافع عن وطنه أو كرامته بينما قد يكون من حيث لا يشعر يضاعف انتشار الرسالة التي أراد صاحبها أن يثير بها الفتنة.
وهنا تكمن مسؤولية الوعي فليس كل ما يثير الغضب يستحق الرد وليس كل حساب يرفع علما أو يتحدث باسم شعب يمثل ذلك الشعب وليس كل من يتظاهر بالدفاع عن دولة صديقا لها فقد تكون الإساءة المتعمدة إلى دولة أو رمز أو شخصية معروفة وسيلة لاستدراج الآخرين إلى ردود أشد استفزازا ثم استخدام تلك الردود لإشعال خلاف أوسع وتقديم صورة مشوهة عن الشعوب والعلاقات بينها.
إن الأوطان لا تُخدم بالاندفاع خلف حساب مجهول ولا تُصان مكانتها بالانجرار إلى القذف والشتائم ولا يُثبت الولاء لها بتكرار كل ما ينشره الآخرون فالوطنية الحقيقية وعي ومسؤولية وانضباط وقدرة على التمييز بين النقد المشروع الذي يستند إلى الحقائق وبين التحريض الذي يتغذى على الأكاذيب ويقتات على الكراهية.
وفي ظل ما تمر به منطقتنا من ظروف بالغة الحساسية فإن المسؤولية تتضاعف لأن اللحظات الصعبة بيئة خصبة لانتشار الشائعات واستغلال المخاوف وتضخيم الخلافات وقد يجد بعض المتربصين في انفعال المستخدمين فرصة لتحقيق ما عجزوا عن تحقيقه بوسائل أخرى فيراهنون على كلمة غاضبة ومعلومة غير صحيحة وصورة مجتزأة وردة فعل غير محسوبة لتوسيع مساحات الشقاق بين أبناء المجتمع الواحد وبين الشعوب التي تجمعها روابط الدين والجوار والمصالح والتاريخ.
ولذلك فإن واجب المرحلة لا يقتصر على التحذير بل يتطلب سلوكا عمليا يبدأ بالتثبت من الأخبار قبل نشرها وعدم إعادة تداول المحتوى الذي يتضمن تحريضا أو قذفا أو معلومات غير موثوقة ثم الإبلاغ عن الحسابات والمنشورات المخالفة عبر أدوات المنصة والجهات المختصة متى استدعى الأمر ذلك مع الاحتفاظ بالأدلة المتاحة وعدم الدخول في مواجهات تمنح الحسابات المشبوهة مزيدا من الانتشار.
كما أن من المهم ألا يتحول الاختلاف في الرأي إلى خصومة بين الشعوب وألا تصبح أعلام الدول ورموزها وقودا لمعارك يصنعها مجهولون خلف الشاشات فالعلاقات بين الدول والشعوب أكبر من أن تختزلها تغريدة مسيئة وأعمق من أن تهزها حسابات عابرة وأغلى من أن نسمح لمن يبحث عن الفتنة بأن يحدد لنا من نحب ومن نكره ومن نعادي.
إن المعركة الحقيقية في هذا الفضاء ليست معركة أصوات مرتفعة ولا أعداد إعجابات وإعادات نشر بل معركة وعي بين من يتحقق قبل أن يصدق ومن يتثبت قبل أن ينشر وبين من يحمي مجتمعه من التضليل ومن يمنح المضللين منصته وصوته من دون أن يدرك العواقب.
ولعل الرسالة الأهم أن الحساب المجهول لا يستحق أن يقود مشاعرنا وأن التغريدة المستفزة لا تستحق أن تمزق علاقاتنا وأن من يراهن على انفعالنا لا ينبغي أن يجد فينا الوقود الذي يبحث عنه فكل إعادة نشر غير مسؤولة قد تمنح الفتنة حياة جديدة وكل معلومة غير متحققة قد تفتح بابا للضرر وكل إساءة نرد عليها بإساءة مماثلة قد تنقلنا من موقع الوعي إلى دائرة الاستدراج.
فلنكن أكثر يقظة وأشد تمسكا بالحقيقة وأحرص على أمن أوطاننا واستقرار مجتمعاتنا ولنجعل الإبلاغ عن المحتوى المخالف بديلا عن تضخيمه والتحقق بديلا عن التسرع والحكمة بديلا عن الانفعال.
فالأوطان التي تعرف قيمة أمنها لا تسمح لحساب مجهول أن يعبث بوعي أبنائها والشعوب الواعية لا تمنح أعداء التفاهم فرصة لزرع العداوة بينها وأصحاب العقول الناضجة يدركون أن بعض المعارك الرقمية لا يراد لنا أن ننتصر فيها بل يراد لنا أن ننجر إليها.
وحين نرفض أن نكون أدوات في أيدي المحرضين فإننا لا نحمي حساباتنا فحسب بل نحمي مجتمعنا من الفتنة ونصون علاقاتنا من العبث ونثبت أن الوعي الوطني أقوى من كل محاولة للتضليل وأن الكلمة المسؤولة قادرة على إطفاء نار قد تشعلها آلاف الحسابات
فلا تمنحوا أهل الفتنة أصواتكم ولا تجعلوا من غضبكم جسرا يعبرون عليه إلى عقول الآخرين فرب تغريدة لم تتحققوا منها كانت وقودا لمعركة أرادها غيركم ورب صمت واع وإبلاغ مسؤول كانا أبلغ في حماية الوطن من ألف رد غاضب.