حين تتآزر كلمة العلماء ويستنطق العدوان ضمير الأمة – فائز بن سلمان  الحمدي

ليست المملكة العربية السعودية أرضًا تنتهي حيث تنتهي تخومها، ولا وطنًا تُختزل منزلته في خطوط الخرائط، ولا دولةً تستوعب الجغرافيا جلال مكانتها؛ فإن للأرض أقدارًا ليست من ترابها، وللأوطان منازلَ لا تُدرك بمساحاتها، وللديار في ضمائر الأمم سلطانًا لا تستمده من حدودها، وإنما من المعاني العظيمة التي أودعها الله فيها، والرسالات الجليلة التي شرَّفها بحملها، والمقدسات التي جعلها مثابةً للناس وأمنًا. والمملكة العربية السعودية من تلك الديار التي تجاوز شرفها حدود المكان إلى رحابة الوجدان، وارتقت منزلتها من جغرافية الوطن إلى قداسة الرسالة؛ فهي مهبط الوحي، ومشرق النبوة، ومهد الرسالة الخاتمة، وموطن الحرمين الشريفين، اللذين تتجه إليهما وجوه المؤمنين، وتنعقد عليهما محبة المسلمين، وتستقر لهما في سويداء القلوب مهابةٌ لا تبليها الأيام، ولا تنال منها عوادي الزمان.

فهنا مكة، التي لم تكن في تاريخ الإيمان مدينةً كسائر المدن، بل كانت مطلع النور حين أطبقت على الإنسانية دياجير الجاهلية، ومهوى الأفئدة حين تفرقت بالناس المذاهب والسبل؛ وهنا البيت العتيق الذي تتوحد عنده الوجوه وإن تباعدت الأقطار، وتلتقي عنده الأرواح وإن اختلفت الألسنة، وتخفق بذكره القلوب وإن حالت بينها وبينه البحار والقفار.

وهنا المدينة المنورة، طيبة الطيبة، ومأرز الإيمان، ومثوى سيد الأنام صلى الله عليه وسلم؛ المدينة التي إذا مرَّ اسمها بالخاطر رقَّ له الفؤاد، وإذا استُحضرت منزلتها خفقت في أعماق النفس أشواقٌ لا تستنفدها العبارة، ولا تستقصيها البلاغة. ومن ثمَّ، فإن أمن هذه البلاد ليس أمنًا محليًّا مجردًا من معناه الإسلامي، ولا شأنًا سياسيًّا منفصلًا عن وجدان الأمة؛ بل هو أمن وطنٍ شرَّفه الله باحتضان مقدسات المسلمين، وأمانةٌ عظيمةٌ يتصل بها حق الإنسان في الطمأنينة، وحق المؤمن في أداء عبادته، وحق الحاج والمعتمر في أن يقصد بيت ربه آمنًا مطمئنًّا. ومن هذه الحقيقة الجليلة تُفهم عظمة المواقف الإسلامية التي توالت في إدانة الاعتداءات الحوثية على المملكة العربية السعودية، واستهداف منشآتها المدنية، وتعريض أمن الآمنين للخطر؛ إذ لم تكن تلك المواقف مجرد استنكارٍ لحادثةٍ عارضة، وإنما كانت إفصاحًا عن معنىً مستقرٍّ في ضمير الأمة، وشهادةً على أن حرمة الدماء لا تسقط باختلاف الخصومات، وأن أمن المقدسات أجلُّ من أن يُترك نهبًا للأهواء والمغامرات.

ولقد تجلَّى هذا المعنى في المواقف المنسوبة إلى مئةٍ وستةٍ وسبعين من العلماء والمفتين والوزراء والقيادات الإسلامية من أكثر من سبعين دولة؛ حيث التقت الكلمات على اختلاف منابتها، وائتلفت الضمائر على تباعد أوطانها، فكأنما نطقت الأمة بلسانٍ واحد، لا يجمعه نسب الأرض، بل تجمعه حرمة العقيدة، ولا تؤلفه مصلحةٌ عابرة، بل يؤلفه واجب النصرة للحق، وصيانة المقدسات، والذبُّ عن الآمنين.

وفي هذا المشهد الإسلامي الواسع تبرز مكانة معالي وزير الشؤون الإسلامية والدعوة والإرشاد، الشيخ الدكتور عبداللطيف بن عبدالعزيز آل الشيخ، بما يضطلع به من مسؤوليةٍ جليلةٍ في خدمة الرسالة الإسلامية، وتوثيق الصلات بعلماء الأمة ومؤسساتها، وتعزيز حضور المنهج الوسطي المعتدل في الخطاب الديني. وليس يسيرًا أن تكون الكلمة الدينية على قدر ما تحمله من أمانة، ولا أن يُصان الخطاب الإسلامي من غوائل الغلو ومزالق التوظيف، ولا أن تُستنهض مسؤولية العلماء في عالمٍ تتنازع فيه المصالح، وتضطرب فيه الموازين، وتُستعار فيه الشعارات الدينية لتسويغ ما يناقض مقاصد الدين وأحكامه.

وهنا تتبدى أهمية المسؤولية التي يحملها معالي الوزير؛ فإن صيانة الوعي لا تقل شأنًا عن صيانة الحدود، وإن حراسة المفاهيم من التحريف لونٌ من ألوان حراسة المجتمعات من الفتن، وإن الكلمة إذا صدرت عن علمٍ وبصيرةٍ واستقامةٍ في المبدأ، كان لها من سلطان الحجة ما لا تبلغه صولة السلاح. وإن من دلائل حسن السياسة الشرعية أن تُحفظ للدين هيبته، وللعلماء مكانتهم، وللكلمة صدقيتها؛ فلا يُترك المنبر لمن يزين العدوان، ولا يُفسح في الوعي لمن يستبيح الحرمات، ولا يُمكَّن الغلو من أن ينتحل لنفسه لسان الشريعة وهو أبعد ما يكون عن هديها ومقاصدها. ومن هذا الباب تكتسب جهود وزارة الشؤون الإسلامية والدعوة والإرشاد، بقيادة معالي الشيخ الدكتور عبداللطيف آل الشيخ، أهميتها في مد جسور التواصل العلمي والدعوي مع المؤسسات الإسلامية في أنحاء العالم، وتعميق معاني الوسطية، وإيضاح الفارق بين شجاعة الحق وتهور الباطل، وبين الجهاد المشروع والعدوان المحرم، وبين نصرة الدين والمتاجرة باسمه.