تفتح «الخطة الوطنية لحوكمة المخيمات الفلسطينية في لبنان» نقاشاً يتجاوز تنظيم أوضاع المخيمات وإدارتها، إلى طبيعة العلاقة التي تريد الدولة اللبنانية إقامتها مع اللاجئين الفلسطينيين، وموقع حقوقهم المدنية في أي تسوية مقبلة لملف السلاح. فبينما تتحدث الخطة عن سيادة القانون وتحسين الأوضاع الاجتماعية والاقتصادية والخدماتية، تضع الأمن في صلب مقاربتها، من دون أن تبدّد المخاوف من إعادة طرح معادلة المقايضة بين الحقوق وتسليم السلاح، أو من تحويل المخيمات إلى حالة استثنائية دائمة تحت عنوان الحوكمة.
في 30 تشرين الأول الماضي، أطلقت لجنة الحوار اللبناني - الفلسطيني في السراي الحكومي مسار الاستشارات بشأن «الخطة الوطنية لحوكمة المخيمات الفلسطينية في لبنان»، التي أعدّ مُسوّدتها العميد سهيل خورية بالتنسيق مع الباحث الفلسطيني هشام دبسي، ووُزّعت مُسوّدتها على عدد محدود من الباحثين وممثلي الإدارات العامة والأجهزة الأمنية، لوضع ملاحظاتهم، التي قال رئيس اللجنة رامز دمشقية إنها «أُخذت في الاعتبار».
وفي كلمته خلال إطلاق المسار، قال دمشقية إن «الأمن يشكّل ركيزة أساسية في الخطة، إلى جانب سيادة القانون وعمل القضاء وانتظام الإدارة، ومعالجة الأوضاع الاجتماعية والاقتصادية والعمرانية والخدماتية»، مشيراً إلى أنها «تشمل الرعاية الدولية والمشاركة المجتمعية وتنظيم العلاقة مع البلديات، بما يتيح الانتقال من المعالجات المتفرقة عند الأزمات إلى عمل مؤسساتي منتظم، ضمن مرجعية الدولة اللبنانية وبالتنسيق مع الجهات الفلسطينية ووكالة أونروا».
وأشار دمشقية إلى أنّ الخطة تستند إلى مقدّمة الدستور اللبناني، التي تؤكد رفض التوطين والالتزام بمواثيق الأمم المتحدة والإعلان العالمي لحقوق الإنسان، وإلى القرار 194، وإلغاء اتفاق القاهرة عام 1987، واتفاق الطائف «الذي أكّد بسط سلطة الدولة وحلّ الميليشيات»، فضلاً عن القرارين 1559 و1701، و«الرؤية اللبنانية الموحّدة لقضايا اللجوء الفلسطيني في لبنان» لعام 2017، وخطاب القسم والبيان الوزاري، وقمة بيروت بين الرئيسين جوزيف عون ومحمود عباس في أيار 2025، وقرار مجلس الوزراء في آب 2025 تكليف الجيش إعداد خطة لحصر السلاح بيد الدولة.
المُسوّدة الأولى، التي أبقتها اللجنة ضمن نطاق محدود للتشاور قبل أن يسرّبها البعض، بدت متقدّمة نسبياً في ما يتصل بالحقوق المدنية للفلسطينيين. غير أنّ العودة إلى المقاربة الأمنية بوصفها مدخلاً أساسياً لمعالجة ملف المخيمات تضع علامات استفهام حول فرص تنفيذ الخطة، حتى بعد استكمال المشاورات التي أعلن دمشقية أنها ستمتد ستة أشهر، وتشمل «جميع الجهات اللبنانية والفلسطينية المعنية، الرسمية والسياسية والأمنية والحقوقية والمجتمعية».
ويبدو أن السلطة اللبنانية، بالتنسيق مع السلطة الفلسطينية، تتعامل مع ملف السلاح كورقة مقايضة مقابل الحقوق، رغم أن دمشقية شدّد على أنّ «الحقوق ليست ثمناً لتسليم السلاح، كما أن حصرية السلاح ليست موضع مقايضة». فلضمان تنفيذ الحوكمة، لا بد من تنفيذ عنصر رئيسي منها، وهو إنهاء ملف السلاح الفلسطيني في لبنان، ليس بالطريقة الشكلية التي جرت السنة الماضية. غير أنّ السؤال الأساسي يبقى: هل السلاح الفلسطيني في لبنان مسألة لبنانية - فلسطينية فحسب، أم يرتبط بالتوازنات اللبنانية الداخلية وبالصراع الإقليمي الأوسع مع إسرائيل؟ فبعض التنظيمات التي يُحسب سلاحها على الفلسطينيين لمجرّد وجودها في مخيم عين الحلوة، تنفّذ أجندات عربية وأجنبية وتستهدف قوى لبنانية وفلسطينية، كما أظهرت اشتباكات تموز 2023. وبالتالي، لا يمكن فصل ملف السلاح عن القوى والجهات التي تقف خلفه، ولا عن الصراعات التي تتجاوز حدود المخيمات.
ولفهم تعقيدات هذا الملف، لا بد من العودة إلى عام 1991، حين جرت عملية جمع السلاح الثقيل والمتوسط من المخيمات الفلسطينية. يومها، ترأّس اللجنة الفلسطينية المعنية بالملف القيادي السابق في الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين ومنظمة التحرير صلاح صلاح. وفي مذكّراته («من ضفاف البحيرة إلى رحاب الثورة»، يروي أنّه «اتضح من خلال اللقاء مع (نائب الرئيس السوري عبد الحليم) خدام أن السوريين ليسوا مع التسرع بسحب السلاح، ولا يؤيدون فكرة الفصل بين الوجود العسكري الفلسطيني وسلاحه (...) وسرّب السوريون لوماً للفلسطينيين على سرعة استجابتهم لتسليم السلاح الثقيل والمتوسط».تكشف هذه الشهادة أنّ النظام السوري كان يعارض آنذاك التسرّع في سحب السلاح الفلسطيني، فيما يندفع اليوم لبنانيون وفلسطينيون نحو تسليمه، استناداً إلى رهانات على تبدّل موازين القوى الإقليمية، ومنها افتراض هزيمة إيران في الحرب، وما قد يترتب عليها من انحسار نفوذ حزب الله وحلفائه في لبنان، ومن بينهم فصائل المقاومة الفلسطينية.
أمّا سياسياً، فليس المشهد اليوم أفضل مما كان عليه قبل عقود. فعندما تشكّلت لجنة عام 1991 لمناقشة الحقوق المدنية للفلسطينيين، كان كثير مما يُطرح اليوم قد نوقش آنذاك، بل جرى التوافق عليه. والأمر نفسه ينطبق على «الرؤية اللبنانية الموحّدة لقضايا اللجوء الفلسطيني في لبنان»، التي أُطلقت عام 2017 بتوافق الأحزاب اللبنانية، من دون أن تجد طريقها إلى التنفيذ. وربما كان الأجدى، بدلاً من إهدار مزيد من الوقت في إعداد خطة جديدة، وضع خطة تنفيذية للرؤية السابقة.
وعلى أي حال، ستمضي الأشهر الستة المخصّصة للاستشارات، وربما لا تكون الحرب قد انتهت خلالها، فيما لا يبدو أنّ اللبنانيين اقتربوا من التوافق على تعريف الفلسطيني في لبنان: أهو لاجئ أم أجنبي أم فئة قانونية أخرى؟ فالفلسطيني لا يزال، في الواقع، كائناً قانونياً غير منظور في التشريعات اللبنانية.وثمة سؤال آخر لا يقلّ أهمية: لماذا تريد الدولة اللبنانية حوكمة المخيمات أصلاً، بدلاً من فرض سيادتها الكاملة عليها، باعتبارها أراضيَ لبنانية، بعد معالجة ملف السلاح؟ ولماذا الإصرار على إبقاء المخيمات في وضع خاص، إذا كان الهدف هو بسط سلطة الدولة؟ هل لأنّ هذا الوضع يتيح الاحتفاظ بورقة تفاوض مع المجتمع الدولي بشأن قضية اللجوء الفلسطيني في لبنان؟ وهو احتمال تفرضه طبيعة المقاربة المطروحة. كذلك، لا يبدو واضحاً مدى جدّية الأحزاب اللبنانية التي تطالب بسحب السلاح وفرض السيادة الأمنية على المخيمات في معالجة قضية اللجوء وحقوق الفلسطينيين، ولا سيما أنّ هذا الملف ظلّ يُستخدم أيضاً ورقة ضغط في التجاذبات بين المُكوِّنات اللبنانية، وفي العلاقة مع الفلسطينيين.
أمّا فلسطينياً، فيكفي التوقف عند الصور الرسمية لإطلاق «الخطة» في السراي الحكومي، حيث غاب ممثلو الفصائل الفلسطينية، بما فيها حركة «فتح»، فيما حضر ياسر عباس، ممثل الرئيس الفلسطيني محمود عباس، وألقى كلمة، كما حضر سفير دولة فلسطين، الذي جلس على مسافة من ممثل الرئيس. ويعكس هذا المشهد، على ما يبدو، استبعاد القوى التي تمثّل الحضور الفعلي في المخيمات، أو ما يمكن وصفهم بأصحاب القضية المباشرين. وإذا لم تعلن هذه القوى اعتراضاً صريحاً حتى الآن، فقد عبّرت عن «استياء عام» من محاولة «ابن الرئيس» استبعادها، واستبعاد تاريخها أيضاً.