تمر علينا اليوم الذكرى الخامسة لوفاة المشير محمد حسين طنطاوي، الذي قاد مصر في واحدة من أكثر مراحل تاريخها الحديث تعقيدا وحساسية، خلال عامي 2011 و2012، حين كانت الدولة تواجه تحديات غير مسبوقة، وتهديدات طالت أمنها واستقرارها ووحدة نسيجها الوطني.
كان المشير طنطاوي، في تلك المرحلة المفصلية، أشبه بحصن استندت إليه الدولة في مواجهة العواصف، وتحمل مسؤولية تاريخية تفوق قدرة الرجال العاديين، مدركا حجم الأمانة الملقاة على عاتقه، وثقل التحديات التي أحاطت بمصر من كل جانب.
وخلال أحداث 25 يناير 2011 وما تلاها من تطورات، تعامل المشير طنطاوي مع تشابكات المشهد وتعقيداته بحكمة وحنكة، واضعا الحفاظ على الدولة المصرية وصون أمنها واستقرارها في مقدمة أولوياته، في مواجهة واحدة من أخطر المراحل التي مرت بها البلاد.
ولد المشير محمد حسين طنطاوي في 31 أكتوبر عام 1935، وحصل على بكالوريوس العلوم العسكرية من الكلية الحربية عام 1956، كما درس في كلية القيادة والأركان عام 1971، وكلية الحرب العليا عام 1982.
شغل المشير محمد حسين طنطاوي العديد من المناصب القيادية داخل القوات المسلحة، خلال مسيرته العسكرية الحافلة، وشارك في عدد من الحروب والمعارك، من بينها حرب 1956، وحرب 1967، وحرب الاستنزاف، وحرب أكتوبر 1973.
وعقب حرب أكتوبر، حصل على نوط الشجاعة العسكري، ثم تولى مهمة ملحق عسكري لمصر في باكستان، مواصلا مسيرته داخل المؤسسة العسكرية، التي تدرج في صفوفها حتى تولى أرفع المناصب القيادية.
في عام 1987، تولى المشير محمد حسين طنطاوي منصب قائد الجيش الثاني الميداني، ثم تولى قيادة قوات الحرس الجمهوري عام 1988.
وفي عام 1991، أصبح قائدا عاما للقوات المسلحة ووزيرا للدفاع والإنتاج الحربي، برتبة فريق.
وبعد شهر واحد، أصدر الرئيس الأسبق محمد حسني مبارك قرارا بترقيته إلى رتبة فريق أول، ثم صدر قرار جمهوري في نهاية عام 1993 بترقيته إلى رتبة المشير.
في واحدة من أكثر الفترات حساسية في تاريخ مصر الحديث، تولى المشير محمد حسين طنطاوي رئاسة المجلس الأعلى للقوات المسلحة، عقب تنحي الرئيس الأسبق محمد حسني مبارك عن الحكم، في 11 فبراير 2011، بعد الأحداث التي شهدتها البلاد منذ اندلاع احتجاجات 25 يناير.
وكانت مصر آنذاك تواجه حالة من الاضطراب السياسي والأمني، وسط تحديات متشابكة هددت استقرار مؤسسات الدولة وأمن المجتمع.
وفي ظل هذه الظروف، اضطلع المشير طنطاوي بمسؤولية إدارة المرحلة الانتقالية، في وقت كانت فيه الدولة المصرية تواجه اختبارا بالغ الصعوبة، يتطلب الحفاظ على تماسك مؤسساتها، وصون أمن المواطنين، والتعامل مع تداعيات الأحداث المتسارعة.
الأنواط والأوسمة التي حصل عليها المشير طنطاوي
حصل المشير محمد حسين طنطاوي، خلال مسيرته العسكرية، على العديد من الأوسمة والأنواط والميداليات، من بينها:
المشير طنطاوي.. ودور القوات المسلحة في حماية الدولة
لم تكن أحداث 25 يناير 2011 وما تبعها من تطورات فترة عادية بالنسبة إلى مصر وشعبها، فقد شهدت البلاد احتجاجات واسعة، رفعت خلالها مطالب تتعلق بالأوضاع الاقتصادية والسياسية والاجتماعية.
وكان من أبرز المطالب المطروحة آنذاك وضع حد أدنى للأجور يضمن حياة كريمة للمصريين، وإقالة الحكومة، ووقف العمل بقانون الطوارئ.
غير أن المشهد شهد لاحقا تطورات أمنية خطيرة، تضمنت حرق أقسام شرطة واقتحام سجون وتهريب مساجين، إلى جانب انتشار الأسلحة واستغلال حالة الاضطراب الأمني، وهو ما فرض تحديات كبيرة على أجهزة الدولة، ودفع القوات المسلحة إلى الانتشار في الشوارع لحماية المواطنين وتأمين المنشآت الحيوية.
انتشار القوات المسلحة لتأمين الجبهة الداخلية
في أعقاب اقتحام أقسام الشرطة والسجون، صدرت الأوامر إلى وحدات القوات المسلحة بالانتشار في الأماكن المحددة لها، بهدف تأمين المنشآت والأهداف الحيوية والاستراتيجية.
كما انتشرت القوات الخاصة يوم 29 يناير، وسط توجيهات واضحة بعدم إطلاق النار على أي متظاهر سلمي، في إطار التعامل مع الأحداث والحفاظ على أرواح المواطنين.
وتحملت القوات المسلحة، بقيادة المشير محمد حسين طنطاوي، مسؤولية تأمين الجبهة الداخلية، والعمل على استعادة الاستقرار في ظل حالة الانفلات الأمني التي أعقبت الهجمات على المقار والارتكازات الشرطية.
وقد ألقت تلك التطورات بظلالها على الحياة اليومية للمصريين، وأثرت في حركة الدولة ومؤسساتها، وسط حالة واسعة من القلق والخوف من المجهول.
الجيش المصري.. صمام أمان الدولة في المرحلة الانتقالية
في أعقاب أحداث عام 2011، وما شهدته المنطقة من اضطرابات سياسية وأمنية، وتصاعد ظاهرة الإرهاب وانتشار التنظيمات المسلحة، برزت أهمية تماسك مؤسسات الدولة وقدرتها على مواجهة التحديات المتلاحقة.
وفي تلك المرحلة، اضطلعت القوات المسلحة المصرية بدور محوري في حماية مؤسسات الدولة وتأمين الجبهة الداخلية، مستندة إلى تماسكها وتلاحمها مع أبناء الشعب المصري.
وقد مثلت المرحلة الانتقالية اختبارا صعبا للمؤسسات الوطنية، في ظل أحداث متسارعة وتحديات أمنية وسياسية متشابكة، تعاملت معها القوات المسلحة من خلال الانتشار الميداني وإدارة المسؤوليات المنوطة بها.
كما أسهمت القوات المسلحة في تأمين المنشآت الحيوية، والحفاظ على وحدة الدولة، والتعامل مع تداعيات الأحداث التي أعقبت 25 يناير 2011، وصولا إلى إدارة المرحلة الانتقالية التي تلتها.
قبل أحداث 25 يناير 2011 بفترة قصيرة، وجه المشير محمد حسين طنطاوي كلمة إلى المصريين، شدد خلالها على أهمية الحفاظ على الدولة المصرية، مؤكدا أن مصر تمثل محور الاستقرار والأمن في المنطقة.
وقال المشير طنطاوي خلال كلمته: "خدوا بالكم على مصر، فمصر هي القلب، والمراد هي مصر، ومصر إن شاء الله حتستمر، فهي شعلة الوطنية والقومية والأمن والأمان في المنطقة كلها، ولو مصر حصلها حاجة، فالمنطقة كلها انتهت".
في 21 سبتمبر عام 2021، توفي المشير محمد حسين طنطاوي، القائد العام للقوات المسلحة ووزير الدفاع والإنتاج الحربي الأسبق، عن عمر ناهز 85 عام، وأقيمت له جنازة عسكرية حضرها الرئيس عبد الفتاح السيسي، وعدد من قادة القوات المسلحة وكبار رجال الدولة، تكريما لمسيرته العسكرية ودوره في خدمة الوطن.
نعى الرئيس عبد الفتاح السيسي المشير محمد حسين طنطاوي، وزير الدفاع الأسبق، في منشور عبر صفحته الرسمية على موقع التواصل الاجتماعي فيسبوك، وقال الرئيس السيسي: "فقدت اليوم أبا ومعلما وإنسانا غيورا على وطنه، كثيرا ما تعلمت منه القدوة والتفاني في خدمة الوطن، إنه المشير محمد حسين طنطاوي، الذي تصدى لأخطر ما واجهته مصر من صعاب في تاريخها المعاصر".
وأضاف: "عرفت المشير طنطاوي محبا ومخلصا لمصر وشعبها، وإذ أتقدم لشعب مصر العظيم بخالص العزاء، فإنني أدعو الله أن يلهم أسرة المشير طنطاوي الصبر والسلوان".
واختتم الرئيس السيسي نعيه بتلاوة قول الله تعالى: "مِّنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ، فَمِنْهُم مَّن قَضَىٰ نَحْبَهُ وَمِنْهُم مَّن يَنتَظِرُ، وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا".