لم يكن عبد الله حمدوك غريباً عن السودان بالمعنى الجغرافي، فقد ولد في إحدى قراه، وعرف شيئاً من دروب تعليمه الأولى، ثم مضى في مسار مهني طويل خارج البلاد، بين المؤسسات الاقتصادية والمنظمات الدولية. غير أن عودته إلى الخرطوم رئيساً للوزراء عام 2019 كشفت عن فجوة بين المعرفة الإدارية التي حملها من الخارج، والإحاطة السياسية والاجتماعية التي يحتاج إليها رجل يتولى قيادة بلد تتنازعه أزمات التاريخ والهوية والسلطة. وبعد خروجه من الحكم، اتسعت هذه الفجوة في خطابه السياسي، وصار الرجل يتحدث عن السودان من موقع بعيد، مستنداً إلى تصورات عن الدولة والانتقال والديمقراطية تبدو أقرب إلى أدبيات المؤسسات الدولية منها إلى تعقيدات المجتمع السوداني. وفي حرب أبريل 2023 وجد حمدوك فرصة جديدة للعودة إلى المشهد، غير أن عودته جاءت عبر خطاب يضع الجيش والمليشيا في مساحة سياسية واحدة، ويمنح التسوية الدولية موقعاً متقدماً في تحديد مستقبل البلاد.
دخل حمدوك رئاسة الوزراء محاطاً بتوقعات كبيرة، فقد قدمته قوى الثورة باعتباره اقتصادياً ذا خبرة دولية، قادراً على فتح أبواب الدعم الخارجي وإعادة بناء علاقات السودان مع المؤسسات المالية والدول الكبرى. وكانت البلاد في حاجة إلى إدارة تخرج بها من أزمات اقتصادية متراكمة، وتعيد الاعتبار لمؤسسات الدولة، وتؤسس لانتقال سياسي يحظى بقبول السودانيين. غير أن التجربة سرعان ما اصطدمت بتعقيدات الشراكة بين المكونين المدني والعسكري، وضعف التوافق داخل القوى السياسية، وتراجع الأوضاع الاقتصادية، وتضارب المصالح بين مراكز النفوذ. ولم تستطع الحكومة خلال فترة رئاسته تقديم نموذج مستقر لإدارة المرحلة الانتقالية، ثم انتهت التجربة باستقالته في يناير 2022، بعد أشهر من عودته إلى منصبه عقب إجراءات الخامس والعشرين من أكتوبر 2021. وكانت تلك محطة تستوجب مراجعة عميقة لأداء الرجل وحكومته، غير أن خطابه اللاحق اتجه إلى استعادة صورة الانتقال المدني، مع إلقاء جانب كبير من مسؤولية تعثره على المؤسسة العسكرية، من دون مراجعة مماثلة لما أصاب التجربة المدنية من إخفاقات وانقسامات.
يستند خطاب حمدوك إلى مفردات تبدو مألوفة في أدبيات التحول السياسي؛ الديمقراطية، والحكم المدني، والانتقال، والإصلاح المؤسسي، والعدالة الانتقالية. غير أن هذه المفردات، على وجاهة كثير من معانيها، تظل ناقصة ما لم ترتبط بقراءة دقيقة لطبيعة الدولة السودانية ومشكلاتها. فالسودان ليس مجتمعاً يمكن إعادة تنظيمه بقرار سياسي، ولا دولة مستقرة تعطلت فيها الانتخابات بسبب خلاف عابر بين النخب. إنه بلد يحمل إرثاً طويلاً من النزاعات المسلحة، واختلال التنمية بين المركز والأقاليم، وتعدد البنى الأهلية والاجتماعية، وتداخل السياسة مع الاقتصاد والسلاح. وهذه الحقائق تفرض على أي مشروع وطني أن يبدأ من فهمها، لا من إسقاط وصفات انتقالية جاهزة عليها. وقد بدا حمدوك في أكثر من مناسبة شديد التمسك بالإطار النظري الذي حكم خطابه منذ دخوله السلطة، حتى صارت عباراته السياسية تسبق الوقائع التي يفترض أن تفسرها، ويغدو الحديث عن استعادة المسار المدني أقرب إلى استعادة تجربة سابقة لم تستطع حماية نفسها أو بناء مؤسسات قادرة على الصمود.
من أبرز ملامح خطاب حمدوك خلال الحرب إصراره على أن لا حل عسكرياً للنزاع، ودعوته المتكررة إلى وقف إطلاق النار والعودة إلى التفاوض. وقد ذهب في يونيو 2025 إلى اعتبار الانتصارات العسكرية التي حققها الجيش في الخرطوم غير كافية لإنهاء الحرب، ورفض الاعتراف بأي حسم عسكري للصراع، مجدداً القول إن أياً من الطرفين لن يحقق انتصاراً نهائياً. ثم دعا في نوفمبر من العام نفسه القوات المسلحة إلى الترحيب بمبادرات السلام ووقف إطلاق النار غير المشروط، على غرار موقف الدعم السريع المعلن. وفي هذا الخطاب تتجلى مشكلة سياسية تتجاوز الدعوة إلى السلام؛ فالمساواة بين طرفي القتال في واجب وقف الحرب لا تعني تطابق موقعهما من الدولة، ولا تقتضي تجاهل الفارق بين مؤسسة عسكرية نظامية وقوة مسلحة موازية تمردت عليها. كما أن الدعوة إلى وقف إطلاق النار تحتاج إلى إجابات واضحة عن مصير السلاح، وقيادة القوات المتمردة، ومواردها، وشروط دمجها، وضمانات عدم استخدامها الهدنة لإعادة تنظيم صفوفها. فالدولة التي تقبل بتعدد الجيوش تضع سيادتها في عهدة البنادق، وتترك مستقبلها رهناً بموازين القوة.
قدمت الفاشر امتحاناً بالغ القسوة للخطاب السياسي السوداني؛ فقد عاشت المدينة حصاراً طويلاً، وتعرض سكانها للجوع والقصف والتهجير، ثم أعقبت سيطرة الدعم السريع عليها موجة من الانتهاكات والقتل والاعتداءات التي هزت الضمير السوداني. وفي مثل هذه الوقائع تتراجع قيمة العبارات العامة، ويصبح وضوح الموقف ضرورة سياسية وأخلاقية. وقد أدان حمدوك الانتهاكات التي ارتكبها طرفا الحرب، وتناول ما تعرض له المدنيون في الفاشر، واستخدام الغذاء سلاحاً، واستهداف المنشآت المدنية. غير أن خطابه ظل محكوماً بإطار الإدانة العامة، مع تركيز واضح على وقف القتال وإعادة الأطراف إلى طاولة التفاوض. والمشكلة في هذا المسلك أن التسوية السياسية قد تتحول إلى مخرج للقوة المسلحة من تبعات ما ارتكبته، إذا لم تسبقها مساءلة جادة وتحديد للمسؤوليات. فالمدينة التي فقدت أبناءها لا تحتاج إلى صياغة متوازنة في بيان سياسي، بقدر حاجتها إلى عدالة لا تساوم على دماء أهلها، وإلى ضمانات تمنع عودة الجناة إلى ممارسة السلطة تحت لافتة جديدة.
يحمل المسار المهني لحمدوك أثراً واضحاً في طبيعة رؤيته السياسية؛ فقد تشكل جانب كبير من خبرته داخل المؤسسات الدولية، حيث تدار الأزمات عبر البرامج والتفاهمات والاتفاقات، وتُقرأ الدول من خلال مؤشرات الاقتصاد والاستقرار والحكم الرشيد. وهذه الخبرة تمنح صاحبها أدوات مهمة، لكنها لا تكفي وحدها لفهم مجتمع شديد التعقيد مثل السودان. ويبدو أن حمدوك ظل أسير تصور سياسي تشكل في تلك البيئة، يقوم على إعادة بناء السلطة عبر انتقال مدني ترعاه التفاهمات الدولية، مع تقليص الدور السياسي للمؤسسة العسكرية. وتثير هذه المقاربة تساؤلات عن استقلال المشروع الذي يطرحه، ومدى تعبيره عن أولويات السودانيين، خصوصاً أن المبادرات التي يتبناها تستند كثيراً إلى دور الرباعية الدولية والقوى الإقليمية والدولية في رسم مسار التسوية. ولا يحتاج السودان إلى سياسي يردد ما تراه العواصم مناسباً له، وإنما إلى قيادة تملك تصوراً مستقلاً لمصالحه، وتعرف أن قبول الخارج بأي صيغة سياسية لا يمنحها بالضرورة شرعية الداخل. فالخرائط التي ترسمها مراكز النفوذ قد تنجح في ترتيب المصالح، لكنها لا تستطيع وحدها بناء دولة أو ترميم ثقة مجتمع مزقته الحرب.