حل الدولتين.. يرونه بعيداً وتراه المملكة قريباً – أبوبكر  الموسى

لطالما أكدت المملكة العربية السعودية موقفها الثابت والراسخ تجاه القضية الفلسطينية، وضرورة إنهاء سيطرة الاحتلال الإسرائيلي على الأراضي الفلسطينية كافة، ونيل الشعب الفلسطيني حقه بإقامة دولته المستقلة على حدود عام 1967م وعاصمتها القدس الشرقية، وفقاً لمبادرة السلام العربية والقرارات الدولية ذات الصلة.

ينبع من هذا الموقف والمبدأ التاريخي أن قيام الدولة الفلسطينية المستقلة حق أصيل وركيزة أساسية للسلام، وليس نتيجة نهائية تخضع للمساومة والتسويف ضمن عملية سياسية بعيدة المنال، وهذا موقف ثابت للمملكة ليس محل تفاوض أو مزايدات، قادت المملكة من أجله على مدى العامين الماضيين مرحلة جديدة، ومساراً مؤسسياً متصاعداً لجعله واقعاً متحققاً، عبر إنشاء تحالف دولي بمشاركة عشرات الدول، لوضع آليات عملية ومسارات تنفيذية لإنهاء الاحتلال الإسرائيلي على الأراضي الفلسطينية.

باسم الدول العربية والإسلامية والشركاء الأوروبيين أعلن صاحب السمو الأمير فيصل بن فرحان بن عبدالله وزير الخارجية، إطلاق «التحالف الدولي لتنفيذ حل الدولتين»، في سبتمبر 2024م، لتحتضن الرياض بعد شهر واحد من الإعلان اجتماعه التأسيسي الأول، وتضع خمس مجموعات عمل فنية وسياسية دائمة معنية بالأمن الإقليمي وحماية المؤسسات الفلسطينية والشؤون الاقتصادية وترتيبات اليوم التالي.

بعد عام من هذا الإطلاق، ترأست المملكة مع فرنسا المؤتمر الدولي رفيع المستوى للتسوية السلمية للقضية الفلسطينية وتنفيذ حل الدولتين في نيويورك، والذي أفضى إلى اعتماد الجمعية العامة للأمم المتحدة «إعلان نيويورك» بتأييد 142 دولة، نصاً على إنهاء الاحتلال الإسرائيلي وتجسيد الدولة الفلسطينية المستقلة، وقد جاء هذا الحراك الدبلوماسي بثماره على الفور، فأعلنت المملكة المتحدة وكندا وأستراليا والبرتغال اعترافها الرسمي بدولة فلسطين عشية المؤتمر، تلتها فرنسا وبلجيكا وإمارة موناكو وعدد من الدول في اليوم ذاته لانعقاده، حتى بلغ عدد الدول المعترفة بفلسطين 153 دولة. امتداداً لهذه الجهود، ترأس وزير الخارجية بالشراكة مع الاتحاد الأوروبي ومملكة النرويج، الاجتماع الوزاري الأول للتحالف العالمي لتنفيذ حل الدولتين، الذي حمل عنوان «تحويل الالتزامات إلى أفعال لا رجعة فيها»، للتأكيد على أن المرحلة المقبلة تستوجب ترجمة هذا الحراك والتوافق الدولي غير المسبوق إلى التزامات زمنية محددة وآليات متابعة دقيقة، تضمن تحول الإرادة السياسية إلى واقع ملموس، وشهد هذا الاجتماع مشاركة رئيس الوزراء الفلسطيني محمد مصطفى الذي أكد أن حل الدولتين هو السبيل الوحيد لتحقيق الأمن والاستقرار والسلام العادل والشامل في المنطقة.

مع انعقاد الدورة الحادية والثمانين للجمعية العامة للأمم المتحدة، المنعقدة في سبتمبر 2026م بمدينة نيويورك، وفي وقت تزدحم فيه أروقة الأمم بملفات متعددة وساخنة من الحرب الأوكرانية إلى الإيرانية، تصدر هذا الملف أجندة الوفد السعودي، على الرغم مما تحمله المملكة تحديداً في هذه الفترة من ملفات متصلة بدورها المحوري في حماية أمن المنطقة واستقرارها وأمن الطاقة العالمية، فاستضافت المملكة في 22 سبتمبر 2026م، مع فرنسا وبريطانيا وكندا، اجتماع «الطريق إلى الأمام»، بمشاركة قادة الدول الثلاث، لتقييم عام كامل من العمل على إعلان نيويورك، والانتقال من التوافق السياسي إلى إجراءات ملموسة وقابلة للقياس خلال الأشهر الاثني عشر المقبلة، والتأكيد على الرفض القاطع لأي محاولات تهجير قسري أو فصل سياسي وجغرافي بين قطاع غزة والضفة الغربية.

خلال هذا الاجتماع، دافع الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون عن حل الدولتين، معتبراً أن ما يجري في غزة والضفة الغربية المحتلة مشهد لا يمكن الوقوف أمامه مكتوفي الأيدي، قائلاً: إن من يعتقد أن أمن إسرائيل يتحقق عبر انتهاك سيادة جميع الدول المجاورة يرتكب خطأً جسيماً.

وأدان رئيس وزراء المملكة المتحدة مشروع الاستيطان المعروف بالرمز إي واحد قائلاً: «لا يمكن السماح بحدوث ذلك»، مضيفاً أن التهديدات التي تواجه إسرائيل لا تبرر أفعالها في غزة والضفة، وأعلنت بلاده عقوبات وحظراً تجارياً على سلع المستوطنات.

على المسار ذاته في 24 سبتمبر 2026م، ترأس وزير الخارجية، بالشراكة الثلاثية ذاتها مع الاتحاد الأوروبي والنرويج، الاجتماع الوزاري الثاني للتحالف العالمي، مشيراً إلى أن هذه اللحظة تمثل انتقالاً من التوافق الدولي الواسع إلى خطوات عملية، ومكرراً رؤية المملكة الثابتة.

وفي كلمته خلال هذا الاجتماع، لم يكتفِ وزير الخارجية بالتأكيد على المواقف الرسمية فقط، بل تساءل أيضاً عن ثمن التأخير في تحويل المسار السياسي إلى واقع، وكم من الأرواح ستزهق؟ وكم من المعاناة ستستمر قبل أن تتحقق العدالة المنشودة؟ مشيراً إلى أن التوسع الاستيطاني والضم والتهجير والعنف تُقوّض مقومات هذا الحل وتغير الواقع على الأرض، فيما تتعرض المؤسسات الفلسطينية للإضعاف، وأن غزة لا يجوز أن تخرج من هذه المأساة منفصلة سياسياً أو جغرافياً عن الضفة الغربية بما فيها القدس الشرقية، ورسم صورة لمستقبل يرى فيه أطفال المنطقة يكبرون دون أن يرثوا مخاوف آبائهم وصدماتهم.

تُوّج هذا الاجتماع ببيان ختامي للتحالف العالمي، بمشاركة نحو 100 دولة ومنظمة، دعا إلى الإفراج عن أموال المقاصة المحتجزة والحفاظ على الاستدامة المالية للسلطة الفلسطينية، وشدد على أهمية توحيد الإدارة الفلسطينية بين غزة والضفة الغربية تحت سلطة شرعية واحدة. وترجم هذا الالتزام السياسي إلى دعم مالي ملموس، إذ تعهد الاتحاد الأوروبي بتقديم 1.9 مليار دولار على مدى السنوات الثلاث المقبلة، وأعلنت النرويج، التي تترأس مجموعة المانحين الدوليين للفلسطينيين، تقديم مساعدات إضافية، ووجّه البيان رسالتين واضحتين: للفلسطينيين بأن الالتزام بقيام دولتهم راسخ ولن تُفصل غزة عن الضفة، وللإسرائيليين بأن وضع العراقيل أمام هذا المسار لن يحقق أمناً دائماً.

يتقاطع هذا الحراك الدبلوماسي الدولي الذي تقوده المملكة مع حالة العزلة السياسية التي بدأت إسرائيل تعيشها بالفعل بسبب الإبادة الجماعية التي قامت بها في غزة، وتصدعاً في العلاقات مع حلفائها الغربيين التقليديين، إضافة إلى انهيار الصورة الذهنية الشعبية حتى لدى اليهود أنفسهم الرافضين لأعمالها الإجرامية واللاإنسانية، في وقت شهدت فيه إسرائيل تحولاً قانونياً وعدلياً دولياً غير مسبوق بصدور الرأي الاستشاري لمحكمة العدل الدولية في يوليو 2024م، الذي جزم بعدم شرعية الاحتلال الإسرائيلي وضرورة إنهائه فوراً، وإصدار المحكمة الجنائية الدولية في نوفمبر من العام ذاته مذكرات اعتقال نزعت الحصانة عن قيادات سلطة الاحتلال. وقد تجلت هذه العزلة بوضوح متزايد حين غادرت القاعة وفود 77 دولة من بين 193 دولة عضواً في الأمم المتحدة عند بدء رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو إلقاء كلمته.