أجابت دار الإفتاء المصرية، عن سؤال ورد اليها عبر موقعها الرسمي مضمونة:"ما حكم مخالفة شرط الموصي عند عدم القدرة على الوفاء بالشرط؟ فقد تركت أخت متوفاة أموالًا لأخيها، وطلبت منه التبرع بها بعد وفاتها، ووضع هذه الأموال لعروس يتيمة يتم تجهيزها، ولا نعرف إلا عرائس فقيرات، هن وأهلهن. فما حكم تجهيز عروسة فقيرة عوضًا عن عروس يتيمة ومخالفة قول المتوفاة؟".
لترد دار الإفتاء موضحة: "أنه يجب على الوَصي العمل بما شرط الموصِي، ما دام مشروعًا وممكنَ التنفيذ، ويحرم عليه تغيير شيء مما أمره به وعهد إليه، فيجب عليه البحث عن عروس يتيمة لصرف الأموال التي لديه في تجهيز عروس يتيمة، عن طريق الجهات والمؤسسات الرسمية، والجمعيات الأهلية المشهرة، ودور رعاية الأيتام، ومكاتب الشؤون الاجتماعية التي تُعنى بتجهيز الفتيات اليتيمات وتملك قوائم بياناتهن وتفاصيل حاجاتهن، فإذا بذل جهده في تحصيل ذلك لكنه لم يجد إلا عروسًا فقيرة، فيجوز له استثناءً دفع المال إليها بغرض إعانتها على الزواج، ولا حرج فيه ولا إثم.
شَرَع الإسلام صورًا متعددة وأسبابًا مختلفة لنقل الأموال وتصرفات الإنسان فيها بحسب الأغراض والمقاصد؛ فمنها ما يتم حال الحياة كالبيع والهبة، ومنها ما يضاف إلى ما بعد الموت كالوصية، وهي باب واسع من أبواب البر يستدرك به العبد ما فاته من القربات في حياته لتقوية الزاد إلى المعاد.
روى الإمام ابن ماجه عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: «إِنَّ مِمَّا يَلْحَقُ الْمُؤْمِنَ مِنْ عَمَلِهِ وَحَسَنَاتِهِ بَعْدَ مَوْتِهِ عِلْمًا عَلَّمَهُ وَنَشَرَهُ، وَوَلَدًا صَالِحًا تَرَكَهُ، وَمُصْحَفًا وَرَّثَهُ، أَوْ مَسْجِدًا بَنَاهُ، أَوْ بَيْتًا لِابْنِ السَّبِيلِ بَنَاهُ، أَوْ نَهْرًا أَجْرَاهُ، أَوْ صَدَقَةً أَخْرَجَهَا مِنْ مَالِهِ فِي صِحَّتِهِ وَحَيَاتِهِ، يَلْحَقُهُ مِنْ بَعْدِ مَوْتِهِ».
والوصية هي: تمليك الأموال والمنافع بعد الموت بطريق التبرع.
قال الإمام الحطاب في "مواهب الجليل" (6/ 364، ط. دار الفكر): [الوصية: تمليك مضاف لما بعد الموت بطريق التبرع] اهـ.
والأصل في الوصية أنها من التصرفات المندوب إليها الجائزة شرعًا، أما الوصية بما على المكلف من فرائض أو واجبات مما فاته فواجبة؛ فعن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال: «مَا حَقُّ امْرِئٍ مُسْلِمٍ لَهُ شَيْءٌ يُوصِي فِيهِ، يَبِيتُ لَيْلَتَيْنِ إِلَّا وَوَصِيَّتُهُ مَكْتُوبَةٌ عِنْدَهُ» متفق عليه.
قال الإمام السرخسي في "المبسوط" (27/ 142، ط. دار المعرفة): [الوصية عقد مندوب إليه مرغوب ليس بفرض ولا واجب عند جمهور العلماء] اهـ.
وقال الإمام الكاساني الحنفي في "بدائع الصنائع" (7/ 330، ط. دار الكتب العلمية) في تأويل الحديث السابق: [يحمل الحديث بما عليه من الفرائض، والواجبات كالحج والزكاة، والكفارات، والوصية بها واجبة عندنا] اهـ.
وقال الإمام ابن رشد الجد المالكي في "المقدمات الممهدات" (3/ 113، ط. دار الغرب الإسلامي) بعد ذكر الحديث السابق: [ولو حمل الحديث على الوجوب لكان معناه في الأمور الواجبة عليه من قضاء الدين ورد الأمانات وأداء ما فرط فيه من الزكوات وما أشبه ذلك من الأمور المعينات، فإن ما يلزم الرجل في حياته يجب عليه أن يوصي به عند وفاته، بخلاف الوصية بشيء من ماله في وجه من وجوه البر] اهـ.
وقال الإمام الرافعي الشافعي في "العزيز شرح الوجيز" (7/ 5، ط. دار الكتب العلمية): [نعم، من عنده وديعة، أو في ذمته حق لله تعالى من زكاة، أو حج، أو دين لآدمي، يجب عليه أن يوصي فيه إذا لم يعلم به غيره] اهـ.
وقال الإمام ابن قدامة الحنبلي في "المغني" (6/ 137، ط. مكتبة القاهرة): [ولا تجب الوصية إلا على من عليه دين، أو عنده وديعة، أو عليه واجب يوصي بالخروج منه، فإن الله تعالى فرض أداء الأمانات، وطريقه في هذا الباب الوصية، فتكون مفروضة عليه، فأما الوصية بجزء من ماله فليست بواجبة على أحد في قول الجمهور] اهـ.
وقد قُيدت الوصية في التبرع بالأموال بحدود ثلث تركة المتوفى، بحيث لو زادت عن الثلث احتاجت إجازة الورثة، فإن أجازوها نفذت، وإن أجازها البعض دون البعض الآخر نفذت في حق من أجازها فقط، وإن لم يجيزوها فلا تنفذ في هذا القدر الزائد عن الثلث؛ فعن سعد ابن أبي وقاص رضي الله عنه قال: مرضت، فعادني النبي صلى الله عليه وسلم، فقلت: يا رسول الله، ادع الله أن لا يردني على عقبي، «لَعَلَّ اللَّهَ يَرْفَعُكَ وَيَنْفَعُ بِكَ نَاسًا»، قلت: أريد أن أوصي، وإنما لي ابنة، قلت: أوصي بالنصف؟ قال: «النِّصْفُ كَثِيرٌ»، قلت: فالثلث؟ قال: «الثُّلُثُ، وَالثُّلُثُ كَثِيرٌ أَوْ كَبِيرٌ»، قال: فأوصى الناس بالثلث، وجاز ذلك لهم. متفق عليه.
قال الإمام ابن بطال في "شرحه على صحيح البخاري" (8/ 147، ط. مكتبة الرشد): [أجمع العلماء على أن الوصية بالثلث جائزة] اهـ.
وعلى ذلك نصَّت المادة 37 من قانون الوصية رقم 71 لسنة 1946م بقولها: [تصحُّ الوصية بالثلث للوارث وغيره وتنفذ من غير إجازة الورثة، وتصح بما زاد على الثلث ولا تنفذ في الزيادة إلا إذا أجازها الورثة بعد وفاة الموصي وكانوا من أهل التبرع عالمين بما يجيزونه] اهـ.
حكم مخالفة شرط الموصي عند عدم القدرة على الوفاء بالشرطالصورة المسؤول عنها من قبيل الوصية؛ حيث إن المتوفاة قد تبرعت بمال تبرعًا مضافًا إلى ما بعد الموت، تاركة الأموال مع أخيها ليضعها في تجهيز يتيمة، وهذا ما يتوافق مع طبيعة الوصية.
ولا خلاف بين الفقهاء في أن شروط الموصي معتبرة في تنفيذ الوصية، ويجب على الوصي التزامها والعمل بها ما دامت مشروعة وممكنة التنفيذ، ويحرم عليه تغيير الوصية؛ لقوله تعالى: ﴿فَمَنْ بَدَّلَهُ بَعْدَ مَا سَمِعَهُ فَإِنَّمَا إِثْمُهُ عَلَى الَّذِينَ يُبَدِّلُونَهُ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ [البقرة: 181].
قال الإمام ابن كثير في "تفسيره" (1/ 363، ط. دار الكتب العلمية): [يقول تعالى: فمن بدل الوصية وحرفها، فغير حكمها وزاد فيها أو نقص، ويدخل في ذلك الكتمان لها بطريق الأولى ﴿فَإِنَّمَا إِثْمُهُ عَلَى الَّذِينَ يُبَدِّلُونَهُ﴾ قال ابن عباس وغير واحد: وقد وقع أجر الميت على الله، وتعلق الإثم بالذين بدلوا ذلك ﴿إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ أي: قد اطلع على ما أوصى به الميت، وهو عليم بذلك وبما بدله الموصى إليهم] اهـ.
وقال الإمام السرخسي في "المبسوط" (27/ 146): [تنفيذ الوصية تجب على ما أوجبه الموصي بحسب الإمكان، والتحرز عن التبديل واجب بالنص؛ قال تعالى: ﴿فَمَنْ بَدَّلَهُ بَعْدَ مَا سَمِعَهُۥ﴾ (البقرة: 181) الآية] اهـ.
وقال الإمام ابن رشد الجد في "البيان والتحصيل" (2/ 238، ط. دار الغرب الإسلامي): [من أوصى بما فيه قربة، فواجب أن تنفذ وصيته، قال عز وجل: ﴿فَمَنْ بَدَّلَهُ بَعْدَ مَا سَمِعَهُ فَإِنَّمَا إِثْمُهُ عَلَى الَّذِينَ يُبَدِّلُونَهُ﴾ [البقرة: 181]] اهـ.