ورد إلى دار الإفتاء المصرية، سؤال يقول: سائل يقول: عندما أتوضأ بماء الحنفيَّة وأتمضمض أجد له أحيانًا طعمًا غريبًا، كما أجد له لونًا مائلًا إلى البياض، فما حكم الوضوء بهذا الماء شرعًا؟
وأجاب على هذا السؤال، الدكتور نظير عياد، مفتي الجمهورية، وقال إن الوضوء بماءِ الحنفية في الصورة المسؤول عنها جائزٌ شرعًا، ولا يضُرُّ الماءَ ما يَعرِضُ له من تغيُّرٍ يسيرٍ في الطعمِ أو اللونِ بسبب مخالطة شيءٍ طاهرٍ، ما دام هذا التَّغيُّر لا يسلبُ الماءَ اسمَه، ولا رِقَّته، ولا جريانه، ولم تثبت مخالطتهُ لنجاسةٍ تؤثر في أحد أوصافهِ الثلاثة المذكورة.
وأوضح مفتي الجمهورية، أنه من المقرر شرعًا أن الوضوء يكون بالماء المطلق، وهو الماء الباقي على أصل خِلقته، من نحو ماء البحار، والأنهار، والأمطار ونحوها، قال الله تعالى: ﴿وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً طَهُورًا﴾ [الفرقان: 48]، وقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فِي ماء البحر: «هُوَ الطَّهُورُ مَاؤُهُ، الْحِلُّ مَيْتَتُهُ» أخرجه الأئمة: أبو داود، والترمذي، والنسائي، وابن ماجه وأحمد، من حديث سيدنا أبي هريرة رضي الله تعالى عنه.
وذكر المفتي، أن الطهارة نوعان: حقيقية وهي إزالة النجاسات الحقيقية، وحكمية وهي الوضوء والغسل، ويحصل التطهير في كلٍّ منهما بالماء المطلق.
وأضاف أن والأصل بقاء الماء على طهوريته ما دام باقيًا على أصل خلقته، ولم يتغير تغيرًا يخرجه عن مسمى الماء بسبب نجاسة، أو يسلبه وصف الإطلاق؛ لقول النبي صلى الله عليه وآله وسلم: «إِنَّ الْمَاءَ طَاهِرٌ، إِلَّا إِنْ تَغَيَّرَ رِيحُهُ أَوْ طَعْمُهُ أَوْ لَوْنُهُ بِنَجَاسَةٍ تَحْدُثُ فِيهِ» أخرجه الإمام البيهقي في "السنن الكبرى".
وتابع: فإن تغيَّر الماء بنجاسةٍ أثَّرت في أحد أوصافه الثلاثة -اللون، أو الطعم، أو الرائحة- فقد أجمع الفقهاء على أنه لا يصح التطهر به شرعًا.
أمَّا إذا خالطَ الماءَ شيءٌ طاهرٌ، فلا يخلو الحال من إحدى صورتين:
الأولى: ألا تُحدث هذه المخالطة تغيُّرًا في أحد أوصاف الماء الثلاثة، وقد ذهب جمهور الفقهاء إلى صحة التطهر به في هذه الحالة؛ لبقاء الماء على إطلاقه، واستدلوا على ذلك بقول أم هانئ رضي الله عنها أنَّها قالت: «اغْتَسَلَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ وَمَيْمُونَةُ مِنْ إِنَاءٍ وَاحِدٍ، قَصْعَةٍ فِيهَا أَثَرُ الْعَجِينِ» أخرجه الأئمة: النسائي، وابن ماجه، وأحمد.
الثانية: أن تُحدث مخالطة الطاهر تغيرًا في أحد أوصاف الماء، فقد ذهب الحنفية وهو روايةٌ عن الإمام أحمد إلى صحة التطهر به؛ لأن هذا التغير لم يسلب الماء اسمَه، ولا رقته، ولا جريانه، إلا أنَّ الحنفية يشترطون ألا يكون التغيير عن طبخٍ أو عن غلبةِ أجزاءِ المخالِطِ للماء حتى يصير الماء ثخينًا به، واستدلوا على ذلك بقول الله تعالى: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا﴾ [النساء: 43]. وهذا عامٌّ في كل ماء، فيَعُمُّ كلَّ ما يَصدُق عليه اسم الماء، سواء تغير أو لم يتغير.