للطين ذاكرة أطول من ذاكرة البشر، تدرك هذه الحقيقة حين تضع يدك على جدار في حي سمحان بالدرعية، فتشعر أن المكان يعرف عن نفسه أكثر مما نعرفه نحن؛ يعرف الأقدام التي مرّت أمامه قبل قرنين، والأبواب التي كانت جزءًا من حصانة المدينة، وتلك التي تُفتح اليوم لعائلة جاءت تبحث عن مقهى هادئ ومساء جميل بين تفاصيل نجد القديمة. سمحان ليس حيًا عابرًا في خريطة الدرعية، بل أحد أحيائها التاريخية القديمة، يقوم على مساحة مثلثة مطلة على وادي حنيفة، ويحتفظ بملامح عمرانية ارتبطت بتاريخ العاصمة السعودية الأولى. وكان «باب سمحان» المدخل الرئيسي للدرعية من جهتها الشرقية، فيما شكّل الحي بما يضمه من سور وبرج ومبانٍ طينية جزءًا مهمًا من منظومة الدفاع عن المدينة. وخلال حصار الدرعية عام 1818 كان سمحان أحد مواقعها الدفاعية المهمة، واتخذه الإمام عبد الله بن سعود موقعًا للمقاومة في الأيام الأخيرة من الحصار. لم تنتهِ حكاية الحي بانتهاء تلك المرحلة. بقي مسجد سمحان، وبقيت البيوت الطينية والجدران السميكة والشواهد المعمارية تحمل أثر الزمن، ومع مرور السنين، لم يعد السؤال كيف نحفظ هذه المباني فقط، بل كيف يمكن أن تعود إليها الحياة من دون أن تفقد روحها؟ من هنا بدأت حكاية مختلفة في عام 2021 كان الشاب منصور الصعنوني يستمع إلى لقاء للأمير الدكتور فيصل بن عبد العزيز بن عياف، أمين منطقة الرياض، يتناول فيه تحسين المشهد الحضري وإحياء المواقع ذات القيمة التراثية. خرج الصعنوني من اللقاء بفكرة بدت في بدايتها بسيطة ومجازفة في الوقت نفسه: استئجار عدد من البيوت والمباني القديمة في سمحان، التي يمتد عمر بعضها لعقود طويلة، وترميمها وتحويلها إلى مشاريع تستقبل الناس من جديد. لم تكن الفكرة أن يُبنى شيء يشبه الماضي، بل أن يُستخدم الماضي نفسه. بقيت الجدران الطينية السميكة، والفناءات الداخلية، والأبواب الخشبية بزخارفها الهندسية، وأسقف النخل، بينما دخلت الكهرباء والإنارة والتكييف والمرافق الحديثة بهدوء، بحيث تخدم المبنى ولا تمحو شخصيته. ومع دعم الجهات المعنية في الدرعية والمدينة، بدأت الأزقة تستعيد حركتها ، وبحلول فبراير 2024 كان مشروع «السمحانية»، وفق ما ذكره الصعنوني، قد احتضن 18 مشروعًا بين مطاعم ومقاهٍ ومرافق للضيافة والسكن، واستقبل أكثر من مليوني زائر منذ انطلاقه؛ رقم يكشف أن الناس لم يأتوا إلى سمحان بحثًا عن القهوة وحدها، بل عن تجربة لا يستطيع مركز تجاري حديث أن يمنحهم إياها. من يمشي في المكان اليوم يقرأ فصلًا من العمارة النجدية، لكنه فصل مكتوب بلغة الحاضر، خلف باب خشبي قديم قد يجد الزائر مقهى، وفي فناء طيني مطعمًا حديثًا، وعلى الطاولات تجتمع القهوة السعودية والكليجا مع أطباق جاءت من مطابخ بعيدة. المفارقة لا تبدو نشازًا؛ فالمكان لا يتنكر لماضيه، وفي الوقت نفسه لا يطلب من الزائر أن يعيش داخله كما كان الناس يعيشون قبل مئتي عام. وعلى بعض جدرانه تحضر صور ورموز تستدعي الذاكرة الوطنية، فتبدو الرحلة بين الأزقة أقرب إلى حوار هادئ بين زمنين: زمن صنعت فيه الدرعية بدايات الدولة السعودية، وزمن تعيد فيه المدينة اليوم تقديم تاريخها بوصفه جزءًا من الحياة لا مجرد مشهد محفوظ خلف الحواجز. الطين يروي الحكاية وفي نوفمبر 2025 اتسعت التجربة مع انطلاق «برنامج حي سمحان التاريخي» ضمن موسم الدرعية. لم يعد الزائر يكتفي بمشاهدة المباني؛ ظهر «أهل الحي» بأزيائهم النجدية التقليدية يستقبلون الضيوف ويتفاعلون معهم، وانتقلت العروض إلى الشارع، إلى جانب الورش والفعاليات والأسواق والحرف والعروض الشعبية التي أعادت إلى الأزقة شيئًا من إيقاع الحياة القديمة. هنا تحديدًا تبدو قيمة التجربة. فالتراث حين يُعزل عن الناس يتحول تدريجيًا إلى صورة، أما حين يعود الناس إلى داخله فإنه يستعيد وظيفته. لم يعد سمحان مباني طينية يقف الزائر أمامها لالتقاط صورة، بل مكانًا يمكن أن يجلس فيه، ويأكل، ويتحدث، ويسمع قصة، ويعود إليه مرة أخرى. ومع الغروب تتبدل ملامح الشارع. تضاء الفوانيس، وتنعكس الإضاءة على لون الطين، وتمتلئ الممرات بالعائلات والزوار. يجلس كبير في السن على دكّة قريبة من حفيده، وقد يشرح له كيف كانت هذه الأبواب جزءًا من مدينة محصنة، بينما يحمل الصغير كوبًا باردًا ويلتقط هاتفه صورة للمشهد. في هذه اللحظة تختصر السمحانية المسافة بين جيلين لا بين زمنين فقط. وهذا ربما ما نجحت فيه التجربة أكثر من أي شيء آخر: لم تحوّل الحي إلى متحف صامت، ولم تجعل التراث ديكورًا تجاريًا منفصلًا عن قصته، بل أعادت الناس إلى المكان، وأعادت المكان إليهم. باب سمحان الذي كان يومًا جزءًا من تحصينات المدينة، صار اليوم طريقًا يعبر منه الزوار إلى ذاكرتها. وبين الباب الذي كان يحمي الدرعية، والباب الذي يُفتح الآن كل مساء، أكثر من قرنين من التاريخ، لكن الطين ما زال في مكانه.. يروي الحكاية.