حقيقة الصراع بين إيران وإسرائيل وأمريكا: العرب في قلب المواجهة ومَن يدفع الثمن؟ – د.عبدالرحيم محمود جاموس

لم يعد ممكناً فهم المواجهة بين إيران والولايات المتحدة وإسرائيل من خلال التصريحات المتبادلة وحدها، أو الاكتفاء بتصنيفها حرباً وجودية يسعى كل طرف فيها إلى إزالة الطرف الآخر. فالحرب حقيقية، والضربات العسكرية والصاروخية أوقعت خسائر بشرية ومادية، وهددت أمن المنطقة ومصالحها الاقتصادية، لكن حقيقة الحرب لا تعني بالضرورة أن أهدافها المعلنة تستنفد أهدافها الاستراتيجية، أو أن نتائجها ستتطابق مع الشعارات التي تُرفع لتبريرها.

إن السؤال الأكثر أهمية هو: هل تستهدف هذه المواجهة إنهاء مصادر التهديد بصورة نهائية، أم إعادة ضبط موازين القوى، وتقييد قدرات الخصوم، وإعادة توزيع النفوذ، وفرض شروط سياسية وأمنية جديدة على المنطقة؟ ومن المستفيد إذا توقفت الحرب من دون معالجة أسبابها العميقة، ومن الذي سيدفع ثمنها إذا انتهت بتفاهمات بين القوى المتحاربة بينما بقيت القضايا العربية الأساسية معلّقة؟

هذه الأسئلة تكتسب أهمية مضاعفة في ظل انتقال المواجهة إلى محيط الخليج العربي، وتهديد الملاحة وإمدادات الطاقة، وامتداد آثارها إلى أمن المملكة العربية السعودية وسائر الدول العربية. كما تكتسب أهمية خاصة بالنسبة إلى القضية الفلسطينية، التي تخشى أن تتحول مجدداً إلى ورقة في مساومات إقليمية، أو أن تتراجع إلى مرتبة ثانوية في ترتيبات أمنية تُصاغ بعيداً عن أصحاب الحق الأصليين.

أولاً: من الثورة الإيرانية إلى توظيف القضية الفلسطيية

منذ قيام الجمهورية الإسلامية الإيرانية عام 1979، احتلت فلسطين موقعاً مركزياً في الخطاب السياسي الإيراني. ورفعت طهران شعارات مواجهة الولايات المتحدة و»إسرائيل»، وقدمت نفسها باعتبارها قوة إقليمية مناهضة للهيمنة الغربية والمشروع الصهيوني. غير أن تقييم هذا الخطاب لا يجوز أن يقوم على الشعارات وحدها، بل ينبغي أن يستند إلى سجل السياسات الإيرانية ونتائجها على الأرض.

فقد عملت إيران، على مدى عقود، على بناء شبكة من الحلفاء والتنظيمات المسلحة في عدد من الدول العربية، مستفيدة من الفراغات السياسية والأمنية، ومن الصراعات الداخلية وضعف مؤسسات الدولة. وأصبح نفوذها ممتداً، بدرجات متفاوتة، إلى العراق وسوريا ولبنان واليمن، فضلاً عن علاقاتها بقوى فلسطينية مسلحة.

ولا يمكن إنكار أن إيران قدمت دعماً عسكرياً ومالياً لبعض القوى التي واجهت الاحتلال الإسرائيلي، وأن هذا الدعم أسهم في بناء قدرات قتالية لدى تلك القوى. لكن ذلك لا يحسم السؤال السياسي الأهم: هل أدى هذا المسار إلى تمكين الشعب الفلسطيني من تحقيق حريته واستقلاله، أم ساهم، في الوقت نفسه، في تحويل القضية الفلسطينية إلى أحد مكونات استراتيجية النفوذ الإقليمي الإيراني؟

إن حصيلة العقود الماضية تفرض مساءلة واضحة. فالدعم العسكري لا يساوي تلقائياً مشروعاً وطنياً للتحرير، ورفع شعار فلسطين لا يمنح أي دولة حق التدخل في شؤون الدول العربية أو إنشاء قوى مسلحة موازية لمؤسساتها الشرعية. كما أن استخدام القضية الفلسطينية لتبرير سياسات توسعية لا يخدم بالضرورة مصالح الشعب الفلسطيني، بل قد يضعه في قلب صراعات تتجاوز إرادته وأهدافه الوطنية.

لقد تضررت دول عربية من تدخلات إيران وحلفائها، وتعرضت مجتمعاتها لاستقطابات سياسية وطائفية حادة، وأُضعفت مؤسسات الدولة في أكثر من ساحة. وفي هذه التجربة، لم يكن الأمن العربي هو المستفيد من تمدد النفوذ الإيراني، كما لم يكن تحرير فلسطين هو النتيجة الاستراتيجية التي تبرر حجم التدخلات وكلفتها.

ثانياً: كيف تطورت المواجهة المباشرة، وماذا تكشف مراحلها؟

لا يمكن فهم الحرب الراهنة من دون العودة إلى التحول الذي طرأ على المواجهة الإيرانية الإسرائيلية في عام 2025. فقد شهد يونيو من ذلك العام انتقال الصراع إلى ضربات مباشرة واسعة؛ إذ بدأت إسرائيل هجوماً على إيران في 13 يونيو، مستهدفة مواقع وشخصيات مرتبطة بالقدرات العسكرية والبرنامج النووي وبرنامج الصواريخ الباليستية. وردت إيران بإطلاق صواريخ باليستية وطائرات مسيّرة على أهداف إسرائيلية، في مواجهة أظهرت أن الصراع لم يعد محصوراً في العمليات غير المباشرة أو في ساحات الدول الأخرى.

وفي 21 يونيو 2025، نفذت الولايات المتحدة ضربات على منشآت نووية إيرانية في نطنز وفوردو وأصفهان. ووفق تقرير خدمة أبحاث الكونغرس الأمريكي الصادر في 23 يونيو، أعلنت الإدارة الأمريكية أن العملية استهدفت تدمير البرنامج النووي الإيراني أو إضعافه بشدة، بينما أوضح التقرير أن المسؤولين الأمريكيين نفوا أن يكون تغيير النظام هو الهدف المحدد للعملية. وفي 23 يونيو، أطلقت إيران صواريخ على قاعدة العديد الأمريكية في قطر، ووصفت ذلك بأنه رد على الضربات الأمريكية.

تكشف هذه الوقائع عن أمرين متلازمين. أولهما أن المواجهة ليست مسرحية أو عداءً لفظياً؛ فالضربات والخسائر والمخاطر حقيقية. وثانيهما أن استخدام القوة لا يعني بالضرورة أن هدفها النهائي إسقاط النظام الإيراني. فقد استهدفت واشنطن منشآت نووية محددة، وربطت العملية بإجبار طهران على التوصل إلى تسوية تفاوضية، مع إبقاء باب التفاوض مطروحاً في سياق الحرب نفسها.

وهنا ينبغي الانتباه إلى الفرق بين إسقاط النظام وتقييد قدراته. قد تسعى دولة إلى تدمير منشآت أو تعطيل برنامج تسلح أو إضعاف قدرة خصمها على الرد، ثم تتجه إلى التفاوض عندما ترى أن أهدافها العسكرية تحققت بالقدر الذي تريده، أو عندما ترتفع كلفة استمرار الحرب. وفي المقابل، قد يستخدم الطرف المستهدف ما تبقى لديه من قدرات لإظهار أنه لم يُهزم، وتعزيز موقعه التفاوضي، وتجنب تقديم تنازلات يراها تهدد بقاءه.

هذا لا يثبت وجود تفاهم مسبق بين الطرفين، لكنه يبين أن الحرب يمكن أن تكون أداة ضغط تفاوضي، لا مساراً مفتوحاً بالضرورة حتى القضاء الكامل على الخصم.

ومع اتساع الحرب خلال عام 2026، لم تعد آثارها محصورة في الأراضي الإيرانية و»الإسرائيلية» أو في القواعد الأمريكية. فقد تصاعدت المخاطر على الملاحة في مضيق هرمز وباب المندب، واتسعت المواجهة المرتبطة بالسفن والطاقة، وأصبحت سلامة الممرات البحرية وأسعار النفط جزءاً من معادلة الضغط المتبادل. وفي أغسطس 2026، تحدثت تقارير عن تعثر مساعي الوصول إلى نهاية دائمة للحرب، وعن تهديدات إيرانية بتغيير وضعها العسكري في حال فشل المسار الدبلوماسي. وفي أكتوبر، أفادت رويترز بأن طهران طرحت إعادة فتح مضيق هرمز خلال فترة قصيرة مقابل شروط تتعلق بوقف الأعمال العدائية والحصار والعقوبات، بينما استمرت الخلافات بشأن البرنامج النووي.

إن الانتقال من ضرب المنشآت إلى الضغط على الملاحة والطاقة يوضح اتساع نطاق المواجهة. لكنه يكشف، في الوقت نفسه، أن الأطراف تستخدم أوراقاً عسكرية واقتصادية وسياسية متعددة، وأن مسار الحرب يظل قابلاً للانتقال من التصعيد إلى التفاوض، ومن التفاوض إلى التصعيد مجدداً.

ثالثاً: هل تريد الولايات المتحدة إسقاط النظام الإيراني أم إخضاعه لشروطها؟