في منتصف الثلاثينيات من القرن الماضي، بدأ الجيوفيزيائي ديك كير، الذي كان يعمل في أرامكو السعودية آنذاك، دراسةَ المناطق المغمورة الواقعة في المنطقة الشرقية للمملكة قبالة الجزء الشمالي من ساحل الخليج العربي، إذ حدد استنادًا إلى الخبرات المستمدة من أعمال المسح الجوي والزلزالي، تكوينًا جيولوجيًا بحريًا اعتقد أنه يتطلب مزيدًا من الدراسة. وفي عام 1939، حدد كير موقع حقل السفانية عندما رسم، على إحدى الخرائط، سهمًا باللون الأحمر وكتب بجواره الملاحظة التالية: "منطقة بحرية ذات احتمالات مرتفعة". وهي الملاحظة التي قادت إلى ما يُعد أكبر حقل بحري للنفط في العالم.السفانية الواعدة
وبحلول عام 1950، تزايدت الأدلة الجيولوجية التي تشير إلى أن منطقة السفانية موقع واعد لأعمال الحفر الاستكشافي البحرية، مما دفع أرامكو السعودية في ذلك العام إلى إقامة أول منصة حفر بحرية عائدة لها على بعد نحو 3 كيلومترات من الشاطئ ونحو 225 كيلومترًا شمال الظهران. وبلغ متوسط عمق المياه في تلك المنطقة نحو 22 مترًا، مما جعل أعمال الحفر البحرية ممكنة.
ومع أن المياه الضحلة أسهمت في الحد من بعض التحديات التقنية، فإن العمل في المناطق البحرية فرض تحديات جديدة؛ إذ كان لا بد من نقل المعدات بحرًا، وتركيب المنصات في المواقع البحرية، كما تعيَّن على طواقم العمل التكيّف مع مواقع العمل البحرية محدودة المساحة بحركتها التي لا تنقطع بدلًا من البيئات الصحراوية الثابتة. أضف إلى ذلك ضرورة التنسيق والتعاون الفعّال بين فرق الحفر وفرق المساندة البحرية.بئر السفانية رقم 1
بعد أكثر من 200 يوم من الحفر، أُنجزت بئر استكشافية بحرية هي بئر السفانية رقم 1 في 15 أغسطس 1951، ليتدفق النفط الخام وصولًا إلى الصندل الرأسي على بُعد بضع مئات الأمتار من المنصة، حيث لم تكن البنية التحتية لخطوط الأنابيب البحرية قد أُقيمت بعد.
وأكدت هذه البئر الاستكشافية وجود المواد الهيدروكربونية تحت مياه الخليج، مبرهنةً على إمكانية إدارة أعمال الحفر البحرية بأمان وفاعلية، لتُعمّق هذه النتيجة فهم الشركة للأعمال البحرية في تلك المرحلة المبكرة.تدفق الإنتاج
بالرغم من تحسّن الفهم الجيولوجي لهذه المنطقة وحفر العديد من الآبار، خلال أوائل الخمسينيات من القرن الماضي، فإن الإنتاج لم يبدأ بعد ذلك فورًا، وإنما أُعطيت الأولوية لأعمال الآبار التقييمية.
وتضمنت مرحلة التقييم حفر آبار إضافية بعد اكتشاف المواد الهيدروكربونية لتحديد حجم المكمن وجودته وجدواه الاقتصادية، وهي أعمال تسد الفجوة بين الاستكشاف (العثور على النفط) والتطوير (إنتاج النفط)، وتهدف إلى معرفة حدود الحقل المُكتشف وحجمه وخصائص التدفق فيه من أجل تقليل مخاطر الاستثمار. وقد حُفِر خلال الفترة بين عامي 1951-1954 ما مجموعه 17 بئرًا تقييمية كجزء من مرحلة التقييم.
ووُضعت في عام 1954 اللمسات الأخيرة على خطط إنشاء المرافق لبدء الإنتاج من حقل السفانية، وحُدِّد عام 1957 تاريخًا مستهدفًا للبدء والتشغيل. وبالفعل، تدفق الإنتاج من حقل السفانية في منتصف أبريل 1957، وهو ما اتفق مع الجدول الزمني المقرّر، بإنتاج أولي بلغ نحو 50,000 برميل في اليوم الواحد، وذلك عبر 18 بئرًا.فصل النفط عن الغاز
في أوائل الستينيات، وعلى الرغم من تراجع وتيرة التطوير في حقل السفانية مقارنة بالسنوات السابقة، فقد شهدت تلك الفترة اكتشافات بحرية مهمة في مياه الخليج العربي. ففي عام 1963، اكتشفت الشركة حقل أبو سعفة البحري، وفي العام التالي، أكدت أعمال التنقيب وجود حقل البري، الذي يمتد جزء منه تحت مياه الخليج، وتبع ذلك اكتشافات أخرى في مناطق بحرية، بما في ذلك حقل الظلوف في عام 1965 وحقلا المرجان وكران في عام 1967.
ومع زيادة الإنتاج من المناطق البحرية خلال فترة الستينيات، تطورت أنظمة الدعم جنبًا إلى جنب مع مرافق الحفر، وأصبحت هناك حاجة لإدارة كميات أكبر من النفط والغاز المصاحب، وتطلب ذلك فصل النفط عن الغاز المصاحب في منطقة أقرب إلى الحقل، أي ما يُعرف بفرز الغاز من الزيت، وهي عملية رئيسة في مجال التنقيب والإنتاج يتم من خلالها فرز المزيج الخام المستخرج من البئر إلى ثلاثة مكونات رئيسة، هي: الغاز الطبيعي والنفط الخام والماء. وأدت هذه الحاجة في نهاية المطاف إلى إقامة أول معمل بحري لفرز الغاز من الزيت في عام 1969.
وأتاح هذا المعمل الجديد، الذي بُنِيَ على ثلاث منصات، الاستمرار في الإنتاج عن طريق فصل النفط عن الغاز في منطقة قريبة من الآبار.
ثم جرى بعد ذلك تحديث هذا المعمل وتزويده بالكهرباء عن طريق كابل بحري بطول 42 كيلومترًا وجهد 34.5 كيلوفولت.أعلى إنتاج لحقل مفرد
بحلول منتصف الستينيات، بلغ حقل السفانية مرحلة النضج كأصل من أصول المناطق البحرية، حيث زادت طاقته الإنتاجية في عام 1965 وحده بمقدار 150 ألف برميل في اليوم، لتصل إلى أكثر من 600 ألف برميل في اليوم، مما أسهم في تسجيل أعلى إنتاج لحقل مفرد آنذاك.
وخلال العقود التالية، استمرت أعمال التطوير في حقل السفانية من خلال تركيب معملين بحريين إضافيين لفرز الغاز من الزيت، وإدخال توسعات في المرافق المرتبطة بذلك الحقل على اليابسة، وتحديث الأنظمة باستخدام تقنيات جديدة لتعزيز الكفاءة التشغيلية للحقل.
والآن، بعد سبعين عامًا، يضم حقل السفانية أربعة معامل بحرية لفرز الغاز من الزيت، ومرفق معالجة مركزي رئيس على اليابسة، وتدعم ذلك كله شبكة معقدة من خطوط الأنابيب الممتدة تحت سطح البحر تزيد أطوالها عن 750 كيلومترًا، وتربط مجموعة من منصات الإنتاج التي تشكل العمود الفقري للحقل.