بين المجالس والأجهزة الذكية فراق وارتباط عجيب جداً، فالبعض منَّا يعزف لحن الغياب برغم الحضور التقني الدائم حتى لا تكاد تفارق أيدينا أجهزتنا الذكية، ولأكن منصفة في طرحي وأعزو ذلك إلى الارتباط المتشعب بمتابعة الأعمال والأخبار وما يجري، هنا وهناك والتواصل السريع هاتفياً او كتابياً او مرئياً، وكأننا أختزلنا جُل تلك الصور القديمة التي كُنَّا نعيشها بأجسادنا وحواسنا ونبذل بها المجهود لنشعر بنشوة البهجة إلى «لمسة شاشة» لتختصر الوقت والجهد إلاَّ أن وجد السرور غائباً عن المشهد، ولإيماننا باستراتيجية التغيير الاجتماعي وأثره على جودة الحياة ومواكبة التقدم سارعنا إلى التقبل بحبور والتكيف السريع، ولانستطيع نكران دور التقنية في تسهيل حياتنا وأعمالنا والمحقق في سرعة الإنجاز. لكن تبدأ فوهة البركان بالغليان حين تسرق مِنَّا التكنولوجيا أجمل أوقاتنا أعني بذلك الحضور الحي بين الأسر ومصافحة الأيدي ولقاء الأبصار وتعالي الضحكات ومشاركة أهنىء اللحظات، ولعل التمدد الأسري وتعدد الأبناء والأحفاد والانشغال بالوظائف والأعمال واختلاف جداولها ساهم في تراجع اللقاءات العائلية المستمرة، لكي لا أُحَمًّل التقنية دوراً غير مسؤول في التباعد الواقعي بل لعلها يسرت الطريق عبر البرامج المرئية لنجتمع تحت «سماء إلكترونية واحدة»، هنا تكمن المفارقة في نجاح التقنية من تقريب المسافات ولكنها لم تمنحنا دفء اللقاء المرجو، ولم تكتفي أذرع الأخطبوط الإلكتروني بتيسير حياتنا بل امتدت إلى تفاصيلها وتفننت في سرقة أجمل اللحظات من جيوب الجالسين فما إن يبدأ احدنا «بفتح» شاشة الهاتف حتى تتسلل إليه إشعارات التطبيقات وتقتات من حلو وقته وتخطفه من وهج اللحظة الحاضرة إلى «غيابة جب اجتماعية» حاضرٌ بالجسد وغائبٌ بالذهن ،ومن هذا التواجد الإلكتروني المستدام يضع الإنسان نفسه فوق هضبة الإتاحة الدائمة التي يتوقعها البعض منه والاعتياد في سرعة الإجابة، ما جعل البعض يتهمه بالتقصير في عدم الرد علماً أن الفرد رهين وقته وظرفه آنذاك فهنا إشعار فوري يستحق الرد وآخر لا ضير إن تأخر قليلاً الرد وكأن الشاشات الذكية أصبحت الواجهة الأثيرية في هذا العالم الواقعي وبين هذه وتلك ما زالت التقنية فقيرة في صنع الأنس الذي تزهر به اللحظات الاجتماعية الدافئة فهذا شعور وتلك طريقة للوصول. مع الوعي الحضاري والرشد الإنساني والبصيرة التي نمتلكها في عالم التحول الرقمي نحن بحاجة إلى إعادة النظر في معنى الوجود الفعلي، فليس كل تواصل يثري عن لقاء أو صورة تغني عن تلاقي ،ولعل التحدي اليوم ليس في مواكبة التقنية فقد أبحرنا في هذا المحيط ولكن التحدي الحقيقي معرفة أهمية الحضور الواقعي وقسوة قيمة الغياب الفعلي فالأوقات الثمينة مع الأسرة او الأصدقاء لن تعود أمام لحظة تهدر في دقائق إلكترونية كفيلة أن تعزل الفرد عن محيطه وهي من غنائم العمر وربيعه الذي ينبغي أن نعايشه. لكن يظل السؤال «الحائر»: هل بإمكاننا السيطرة على زمام التقنية وكبح جماحها تحت إرادتنا أم سنظل أسرى لقيودها؟