حضارة تُقرأ رقماً – د. إبراهيم بن جلال فضلون

«دائمًا ما تبدأ قصص النجاح برؤية، وأنجح الرؤى هي تلك التي تُبنى على مكامن القوة»، جملتان ترجمتا قانونًا في علم الإدارة، لأبو الإدارة الحديثة «بيتر دراكر»، والتي صارت قانوناً: «ما لا يمكن قياسه، لا يمكن إدارته»، وكأن صاحب السمو الملكي الأمير محمد بن سلمان بن عبد العزيز، ولي العهد رئيس مجلس الوزراء، بإدارته رؤية المملكة 2030، اختصر الفارق الجوهري بين أمة تتحدث عن نهضتها، وأخرى تُثبتها في جدول، بما يجعل المملكة العربية السعودية لا تطلب من العالم أن يصدّق روايتها، بل تدعوه إلى قراءة مؤشراتها، فالحضارة التي لا تُترجم إلى مؤشر قابل للمراجعة تبقى حنيناً جميلاً، أما التي تتحول إلى ناتج محلي وفرص عمل واستثمار أجنبي، فتصبح قوة فاعلة في معادلة الأمم.

قبل الدخول في لغة الأرقام، لا بد من وقفة عند الجذر. فابن خلدون، حين كتب مقدمته، أرسى قاعدة لم تشخ بمرور القرون، حين ربط قيام العمران ببسط الدولة للأمن وتوطيد العصبية الجامعة. وهذا بالضبط ما فعله لقاء الدرعية عام 1157هـ بين الإمام محمد بن سعود والشيخ محمد بن عبدالوهاب، حين تحوّلت أرض مشتتة إلى كيان واحد له مرجعية ومشروع.

ثم جاء الإمام تركي بن عبدالله ليعيد البناء بعد السقوط، ثم جاءت اللحظة الفاصلة عام 1351هـ الموافق 1932م، حين صدر الأمر الملكي بتوحيد البلاد تحت اسم «المملكة العربية السعودية» على يد الملك عبدالعزيز وتوحيد الأرض، فكان بناء الدولة مشروعًا ممتدًا عبر أجيال. ثم جاء النفط ليمنح هذا البناء قدرة مالية واسعة، فتوسعت المدن، وبُنيت المؤسسات، وتطورت البنية التحتية، واستثمرت الدولة في الإنسان، ليأتي بعد ذلك انطلاق رؤية السعودية ويرى العالم جوهر التحول. وهنا تحديدًا تكمن الفكرة، الحضارة لا تُختزل في رقم، لكن الرقم يكشف أحيانًا حركة الحضارة.

من يبتغ استيعاب طبيعة التحول السعودي بعيداً عن السرد الإنشائي التقليدي يجد أن البيانات الموثوقة تشكل القاطرة الحقيقية لهذا التحول، بحلول عام 2025 وما تلاه، تمكنت المنظومة الحكومية من إنجاز أو الاقتراب الحثيث من 93 % من إجمالي المستهدفات العامة للبرامج والإستراتيجيات الوطنية، في حين تسير 90 % من المبادرات التفصيلية وفق جداولها الزمنية المقررة دقيقة التخطيط، وهذه نسبة تنفيذ نادرة عالمياً في خطط التحول الوطني، إذ تكشف الدراسات المقارنة أن غالبية برامج التحول الكبرى في العالم تتعثر في منتصف الطريق لأسباب تتعلق بضعف المتابعة أو تغيّر الإرادة السياسية.

على صعيد التنوع المالي، سجل صندوق الاستثمارات العامة قفزة تاريخية بتضاعف حجم أصوله أكثر من ثلاث مرات مقارنة بمستويات ما قبل إطلاق الرؤية، ليصل إلى نحو 3.53 تريليون ريال، وارتفعت مساهمة القطاع الخاص في الناتج المحلي إلى 47 %، وهو مؤشر حاسم على تفكيك الاعتماد التاريخي الكامل على الإنفاق الحكومي المباشر، وتأسيس بيئة استثمارية تولد فرصها ذاتياً، فيما قفزت تدفقات الاستثمار الأجنبي المباشر من نحو 28 مليار ريال عام 2017 إلى 133 مليار ريال عام 2025، وتجاوز عدد الشركات العالمية التي اتخذت من المملكة مقراً إقليمياً لها 700 شركة، متخطية مستهدف 2030 قبل موعده.

إن التنمية الاستراتيجية الحقيقية لا تتوقف عند تجميع الأصول أو تنويع مصادر الدخل، بل تتصل بمفصل أعمق: إعادة هيكلة رأس المال البشري وتفعيل الطاقة المعطلة داخل المجتمع. تبرز في هذا السياق القفزة الاستثنائية لمشاركة المرأة السعودية في سوق العمل من 22.8 % إلى 36.6 %، متجاوزة المستهدف الأساسي البالغ 30 % بمسافة عريضة، مع تولي الكفاءات النسائية نحو 43.9 % من المناصب الإدارية المتوسطة والعليا، وهذه التحولات البنيوية لم تكن مجرد استجابة لمتطلبات التحديث الإداري، بل كانت استثماراً مباشراً في الإنتاجية الوطنية؛ حيث أدى هذا الدمج الهيكلي إلى رفع كفاءة التشغيل في قطاعات التقنية، والمال، والخدمات اللوجستية، والإنتاج الإبداعي، مما أعاد رسم القوة العاملة الوطنية وفق معايير التنافسية العالمية.

التراث السعودي أيضًا لم يعد مجرد مادة محفوظة خلف جدران المتاحف، فعندما تتحول الدرعية إلى وجهة، والعلا إلى تجربة عالمية، وجدة التاريخية إلى فضاء حي، والحرف إلى منتج، والموروث إلى مهرجان، فإن التراث يدخل في دورة المحرك الاقتصادي من دون أن يفقد قيمته الرمزية، وهُنا تظهر فكرة مهمة: (الحضارة الحية ليست التي تحفظ الماضي فقط، بل التي تستطيع أن تجعل الماضي منتجًا في الحاضر). ولذلك فإن الرقم الخاص بأكثر من 50 ألف موقع تراث مبني ونحو 11.5 ألف موقع أثري ليس مجرد جرد للمواقع، بل يشير إلى حجم أصل ثقافي يمكن أن يرتبط بالسياحة والتعليم والفنون والإنتاج الإعلامي والبحث العلمي والصناعات الإبداعية.

«اللي ما يعرف الصقر يشويه»، مثل سعودي يذكّرنا أن الفهم الصحيح يحمي من الأحكام الخاطئة؛ وهنا تحديداً تكمن القصة الأقل رواجاً والأعمق أثراً. إذ تتكامل القوة الاقتصادية الصلبة مع القوة الناعمة لإعادة تموضع الدولة على خارطة النفوذ الدولي. فارتفع إجمالي عدد السياح (المحليين والوافدين) ليتجاوز 123 مليون زائر بنهاية عام 2025، مقارنة بنحو 63 مليون زائر في سنوات سابقة. وواكب هذا التوسع تسجيل المزيد من المواقع السعودية ضمن قائمة التراث العالمي لليونسكو، إلى جانب دخول سبع مستشفيات سعودية قائمة أفضل 250 مستشفى على مستوى العالم، ووصول المملكة إلى المركز السادس عشر في مؤشر التنافسية العالمي.

أما القطاع الثقافي السعودي، الذي ظل لعقود خارج حسابات الاقتصاد، يستهدف اليوم مساهمة تبلغ 3 % من الناتج المحلي الإجمالي، أي ما يعادل نحو 180 مليار ريال.

ولم يعد هذا طموحاً نظرياً، إذ بلغت الاستثمارات الأجنبية المباشرة في القطاع الثقافي 500 مليون دولار خلال عام 2024، بدخول أكثر من 1700 مستثمر أجنبي، معظمهم من المبدعين ورواد الأعمال الأفراد.. وفي صناعة السينما، وهي القطاع الذي كان غائباً تماماً قبل 2018، سجّل شباك التذاكر السعودي خلال عام 2025 إيرادات بلغت 920.8 مليون ريال من بيع 18.8 مليون تذكرة عبر 538 فيلماً، في 65 داراً تضم 635 شاشة موزعة على 20 مدينة. والأهم أن الأفلام السعودية، رغم أنها لم تتجاوز 2 % من الأفلام المعروضة، استحوذت على أكثر من 13 % من الإيرادات بقيمة 122.6 مليون ريال، بعد أن كانت حصتها 7 % فقط في العام السابق. أما على الصعيد المجتمعي، فقد كشف مسح الثقافة والترفيه الأسري لعام 2025 أن 75 % من السكان حضروا فعالية ثقافية خلال العام، وهو رقم يعيد تعريف علاقة المواطن بالفن والثقافة من علاقة تلقٍّ نادر إلى ممارسة يومية.

هذه الأرقام تثبت أن القطاعات الثقافية، والسياحية، والإعلامية، والإبداعية لم تعد قطاعات خدمية تستهلك الميزانيات، بل تحولت إلى أصول سيادية ترفد الناتج المحلي بأكثر من 13.8 مليار ريال إيرادات تشغيلية لقطاعات الفنون والترفيه والاستجمام، وتوفر مئات الآلاف من الوظائف النوعية للشباب.