حصار المدنيين وتهديد طرق التجارة.. تصعيد الحوثيين يفاقم الأزمة الإنسانية في اليمن

تصاعدت حدة المعارك العسكرية والتصعيد الميداني بشكل خطير ومفاجئ عبر الشريط الساحلي الغربي والمنافذ البحرية الاستراتيجية في اليمن، حيث امتدت رقعة المواجهات العنيفة من الساحل الغربي لتعز وصولًا إلى باب المندب وحدود محافظة لحج.

ويأتي هذا الانفجار الميداني إثر كسر الهدن وتكثيف الميليشيات الحوثية هجماتها البرية للتمدد نحو مواقع حيوية وقطع شرايين الإمداد الرئيسية عن المحافظات محررة، بالتزامن مع فرض طوق ناري وحصار شامل على مدينة تعز التي يقطنها أكثر من ثلاثة ملايين نسمة.

شهدت خارطة المواجهات الميدانية تحولًا جذريًا كبيرًا بعد أكثر من أربعين يومًا من التصعيد العسكري المكثف الذي بدأه الحوثيون مطلع سبتمبر الماضي.

وانطلقت الهجمات الحوثية المركزة من بلدة الكدحة الواقعة غربي محافظة تعز، لتمتد أفقيًا باتجاه مديرية حيس جنوبي الحديدة، قبل أن تنتقل حدة العمليات العسكرية مباشرة نحو مضيق باب المندب والحدود المتاخمة لجنوب اليمن.

وتتركز المعارك القاسية حاليًا في المحيط الجبلي لمنطقة كهبوب ومديرية ذباب بالساحل الغربي، بينما تستميت الميليشيات الحوثية لإحكام السيطرة والتطويق الكامل على مدينة تعز عبر محوري المسراخ والضباب لتضييق الخناق على الجبل والمديريات المجاورة، ما ينذر بمرحلة جديدة من المواجهات المفتوحة التي تضع المقدرات الاقتصادية والبنى التحتية في مهداف النيران المباشرة.

امتدت شرارة المعارك لتشمل محافظة لحج الجنوبية، حيث اندلعت اشتباكات عنيفة نتيجة محاولات الميليشيات الحوثية المتكررة للتقدم من مديرية المضاربة ورأس العارة عبر جبهة المحاولة، مستهدفة الوصول إلى الساحل وقطع خطوط التموين والإمداد المؤدية إلى جبهتي كهبوب وباب المندب.

وأكد قيادات وأمراء ألوية ميدانية أن هناك حزامًا أمنيًا ملتهبًا يمتد على طول الحدود الجنوبية، حيث تتركز المواجهات في مناطق كربة قرب مدينة التربة، ومفاليس حيفان، وطور الباحة، باتجاه جبهتي القبيطة والتربة.

وتعتبر التربة والراهدة من أهم المناطق الاستراتيجية التي تساند الجبهات المحيطة بتعز، ما دفع القوات الجنوبية ممثلة باللواء الرابع حزم، واللواء الأول مغاوير، وقوات العمالقة، لتسجيل صمود ميداني وإحباط الهجمات الحوثية التي حاولت التسلل إلى أسفل التربة لقطع الشريان الوحيد للتقيد والتموين.

أسفرت العمليات العسكرية المضادة عن تكبيد الميليشيات الحوثية خسائر ميدانية كبيرة في الأرواح والعتاد، حيث تصدت القوات الجنوبية والأجهزة الأمنية للمشاة المتقدمين وأجبرتهم على الفرار العشوائي والتراجع نحو الشعاب الجبلية الوعرة.

وفي تطور ميداني بارز لتوحيد الجبهات، التحمت القوات المدافعة في قطاع الضباب مع قطاع الهجمة لتوحيد الجهود العسكرية والقتالية في خندق واحد، تمهيدًا للتحرك والتمدد نحو منطقة حيفان جنوبي تعز عند الحدود المتاخمة لمحافظة لحج.

ويهدف هذا التنسيق الميداني المتقدم إلى تحصين خطوط الدفاع الأولى، ومنع الميليشيا من استغلال التضاريس الجبلية لتنفيذ عمليات قنص أو تسلل ضد القرى والمناطق المأهولة بالسكان، وضمان استمرار التمويل الإغاثي والطبي للقطاعات المحاصرة.

تتقاطع التحركات الميدانية المعقدة مع تفاقم مأساوي للأوضاع الإنسانية داخل مدينة تعز المحاصرة. وتؤكد البيانات الصادرة عن مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية لعام 2026 أن فرض القيود المشددة على حركة الشاحنات والمواد الأساسية يضع أكثر من ثلاثة ملايين مدني أمام خطر المجاعة ونقص الإمدادات الحيوية.

وتوضح تقارير المفوضية السامية لحقوق الإنسان الصادرة عن الأمم المتحدة أن إغلاق الطرق الرئيسية يمنع وصول الشحنات الطبية والأدوية والمشتقات النفطية إلى المستشفيات، مما يهدد بتوقف أجهزة العناية المركزة ومحطات إنتاج الأوكسجين وحضانات الأطفال. وتعتبر المؤسسات الدولية أن استخدام التجويع والحصار كأداة للضغط العسكري يمثل خرقًا صريحًا لأحكام القانون الدولي الإنساني وقواعد اتفاقيات جنيف لحماية المدنيين.

ويرى مراقبون استراتيجيون أن المحاولات الحوثية المستمرة للوصول إلى ذباب وكهبوب ومحيط باب المندب تحمل أبعادًا أمنية تتجاوز النطاق المحلي لتشهد الملاحة الدولية خطرًا مباشرًا.

ووفقًا للتقارير الصادرة عن مجلس الأمن الدولي ولجنة الخبراء الأممية المعنية باليمن، فإن الميليشيات تحاول استغلال السيطرة على التلال الحاكمة للساحل الغربي لإطلاق طائرات مسيرة وزوارق مفخخة وصواريخ باليستية استهدافًا للسفن التجارية وناقلات النفط في البحر الأحمر وخليج عدن.

وتؤكد الدوائر السياسية أن استمرار التهديدات الحوثية يرفع من تكاليف التأمين البحري وشحن البضائع، ويضر بسلاسل الإمداد العالمية، ما يستدعي موقفًا دوليًا حازمًا لردع الانتهاكات وتأمين طرق التجارة البحرية.