** جاءه القهوجي بخطوات متثاقلة، يحمل في بطن سترته جيبًا غريبًا، يمد يده داخله ويعبث بما يُخفيه من "مارك" صغيرة تصدر طنينًا معدنيًا يملأ فضاء المقهى ويوقظ انتباه رواده. لم يكن أحد يدرك سر هذا الطقس الذي يمارسه كلما وقف بلا عمل، وكأنها إحدى مفردات المهنة أو عادة لا تنفك عن جسده.
من دون أن يرفع عينيه نحوه، سأله القهوجي عن طلبه، خاصة وأنه لم يره من قبل. كان الرجل غارقًا في نظراته، يسبح بها نحو الرصيف المقابل، يتأمل شيئًا لا يراه سواه. تبعه القهوجي بعينيه فلم يجد ما يثير الفضول، مجرد شارع عادي، فأنهى الموقف ببرود قائلًا:
لكن الرجل لم يتحرك، وظلت عيناه معلقتين بالمقهى المقابل، يتفحصه وكأنه يبحث عن تفصيلة غائبة، عن سر لم يُكشف بعد. غير أن المشهد بدا مألوفًا حد الابتذال: أناس جالسون، جرسونات يهرولون، فناجين شاي وقهوة، دخان الشيشة يتصاعد كسحب صغيرة، ضحكات ونكات، تأملات وأوجاع تُخفيها ابتسامات متكلفة تدّعي الفرح.
إلى جوار ذلك المقهى، آخر يلاصقه، لا يفصل بينهما سوى جدار رقيق، لكنه يختزن عوالم أخرى: أناس أحياء وأموات، أسرار وفضائح، تساؤلات مبعثرة، حديث في السياسة والفن والأدب، وقليل من قلة الأدب. مشاهد عادية، وأخرى أقل من العادية، لكنها جميعًا تنبض بالحياة.
تذكر لحظة كان يجلس فيها على مقعد قهوة في الشانزليزيه، أمام مشهد يكاد يتطابق مع ما يراه الآن، ينقصه بعض الرتوش ليصبح نسخة طبق الأصل. كان حينها يدرس السريالية في باريس، ودائمًا ما كانت تراوده جملة لألكسندر إليوت قرأها في مجلة "التايم":
"أجمل ما في مدينة الفن تلاعب الضياء بين أشعة الشمس وظلال الغيوم، في الغسق الزئبقي، بين الألعاب النارية والأضواء الكاشفة، تحت سماء مرصعة بالنجوم، حيث الفنانون جميعًا أبناء النور، يكدحون في النور، بالنور، خلال النور.. النور دومًا."
ظل شاردًا، غارقًا في تلك العبارة، يحدق في نقطة لا يراها سواه. اقترب منه القهوجي وأعاد سؤاله بلهجة عملية:
لكن الرجل لم يلتفت، بل تابع بقية كلمات إليوت وكأنه يخاطب نفسه:
وهم يشكلون أعمالهم ليعيدوا النور من جديد."
ضحك القهوجي ساخرًا، ثم أخرج يده من جيبه ومدها مصافحًا:
لا تؤاخذني.. أقصد أولئك الذين ينتمون لعالم الكتب، أمثالك.
يدس الورقة التي تحمل المقال في محفظته الشخصية، وكأنها كنز صغير يخشى أن يتبدد، بعدما فرغ من قراءتها وما زالت أصابعه متشبثة بها. يرفع رأسه ليكمل حديثه مع القهوجي:
هل يرتاد هذا المكان من ينتمون إلى عالم الثقافة؟
ابتسم القهوجي ابتسامة مشوبة بالتحفظ وأجاب:
تنهد القهوجي، ثم قال وهو يلوّح بيده كمن يضع قاعدة صارمة: –
الفهيمة فقط.. لا تؤاخذني، فليس كل من قلب أوراق كتاب صار مثقفًا كما تزعم. المهم.. ماذا تشرب؟
وكيف تميّز بين المثقف الحقيقي ومدّعي الثقافة؟
هناك نوعان لا ثالث لهما؛ إما أن تراه رثّ الثياب، أشعث الرأس، طويل الذقن، وأهم ما يفضحه حذاؤه المتسخ، وإما أن ينتمي إلى النوع الآخر، ذلك المحفلط المتأنق أكثر من اللازم.. وللآن لم تخبرني عن مشروبك؟
توقف الرجل فجأة، وكأن كلمة "حذاؤه متسخ" أصابته في الصميم، فأسقط نظره سريعًا نحو حذائه يتأمله بقلق، ثم رفع عينيه نحو القهوجي الذي بدا ضجرًا من طول وقوفه معه، وأعاد السؤال بلهجة حادة:
ضحك القهوجي ضحكة قصيرة، ولفها ببعض المجاملات المواربة، محاولًا أن يخفف من وقع السؤال:
لا تؤاخذني على جرأتي، أنادي وأقول.. شاي على بسته، ولا قهوة سادة!
لكن الرجل قاطعه بإصرار، كمن يبحث عن اعتراف يخصه وحده:
ارتبك القهوجي، وتلعثم وهو يبحث عن مخرج يجنّبه الحرج، قبل أن يقطع عليه صوت "معلم القهوة" الذي ناداه مستنكرًا طول وقوفه عند هذا الزبون. التفت القهوجي نحو المعلم وأشار بيده أن يمنحه لحظة، ثم عاد إلى الرجل على مضض وقال:
جلس الرجل في المقهى، عيونه معلقة بحذائه، يتأمله في حيرة؛ لا يعرف إن كان متسخًا فيُدرج ضمن الصنف الأول الذي وصفه القهوجي، أم أنه متأنق أكثر من اللازم فينتمي إلى الصنف الثاني. وبينما هو غارق في هذا الارتباك، عاد القهوجي يسأله بإلحاح: – أقول قهوة زيادة، أم أنت ممن يشربونها سادة؟ فهناك نوعان من شاربي القهوة؛ من يشربها مضبوطة، وهذا مستهتر، ومن يشربها زيادة، فهو فنان ضارب السلك وضائع!
ابتسم الرجل ابتسامة غامضة، ثم قرر أن يضع القهوجي في اختبار غير متوقع: – هل أنت مؤمن بالحياة أم كافر بها؟
ارتبك القهوجي، وبدت على وجهه علامات الدهشة، ثم قال وهو يحدق فيه: – هو أنت كنت عند العم ستالين؟ دعنا من هذا الآن...
– لا أدري، سمعت بعض رواد المقهى يذكرونه.
تنحنح القهوجي وأجاب بجدية مصطنعة: – أنا مؤمن بالله العلي القدير، والكفر لا مكان له عندي والحمد لله. أقول لك: شوية سحلب بالمكسرات؟
ظل الرجل صامتًا، يحدث نفسه في داخله: "كلنا مؤمنون، لكن ما معنى أن يقول إن الكفر لا يعرف طريقًا إلى قلبه؟ أشك في ذلك، وهو يغش في الشاي والقهوة وحتى الشيشة. وقوفه معي طيلة هذا الوقت فيه نفاق، والنفاق نقيصة تتنافر مع مفهوم الإيمان. لقد تسرب إليّ يومًا شيء من الكفر، لم أقصده، لكنني كنت أبحث عن ماهية الإيمان في جوهره. حتى هداني الله إلى طريق الاستقامة، فأيقنت معنى الإيمان الحقيقي، وإن لم أقطع بعد بمدى علمي به، إلا أنني أستشعره وأسير على نهجه، أغوص في عالم الإيمان بإخلاص شديد."
ابتسم القهوجي أخيرًا، كأنه وجد مخرجًا من الحوار، بينما ظل الرجل غارقًا في تأملاته، يدرك أن الإجابة لم تكن في القهوة ولا في الحذاء، بل في رحلة البحث عن الإيمان ذاته.
ينادي معلم القهوة على القهوجي مرارًا، لكن الأخير يظل واقفًا، غارقًا في حديثه، كأن النداء لا يعنيه. يتململ المعلم ويصرخ ساخرًا: –
يا ابني، لو ظللت واقفًا هكذا إلى جوار كل زبون، لما استطعنا يومًا أن نبني السد العالي!
بالقطع! ألم يقل حليم في أغنيته: قلنا حانبني وأدي إحنا بنينا السد العالي؟ وأنا واحد ممن قال معه.
تتسع مخيلة الرجل، فيرى كيف اختُزل مشروع قومي عظيم في كلمتين: قلنا.. وبنينا. كلمتان تحملان عرق المصريين وصبرهم، وتلخصان مشقة العمل في صورة شعرية بليغة.
لكن المشهد ينقلب فجأة؛ القهوجي الهادئ يتحول إلى وحش كاسر، ترتسم على جبهته خطوط الغضب، وتبرق عيناه محذرتين، وتطيح قدماه في الهواء، ويجأر صوته بسباب ملتهب:
أنت يا ولد يا سعيد يا ابن الكلب.. لو شفت رجلك خطت على الرصيف ده حاقطعها لك!
يتكور سعيد البو هيجي، ماسح الأحذية، بين جلبابه وصندوق الورنيش، بعدما أطاح به القهوجي بركلة طرحته أمتارًا في منتصف الشارع. يهرول سعيد إلى الرصيف المقابل، يرد بلعنات متقطعة، كأنها سيمفونية غضب.
"لو لم أكن مصريًا، لوددت أن أكون مصريًا، أسكن الدروب والأزقة والأحياء المتراصة فوق بعضها البعض، لأستلهم حكمة الحياة."
يعود القهوجي ليبرر فعلته، وهو ما يزال يلهث من الغضب: –
ابن الكلاب لم يفهم بعد أن من تسوّل له نفسه ويبص في لقمة صاحبه يبقى خائنًا.