السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، السلام عليكم ورحمة الله… هكذا صدح الإمام وهو يستدير بوجهه إلى اليمين ثم إلى اليسار، معلنًا انقضاء صلاة الظهر وانفصام لحظة الوصل بين الأرض والسماء. كان صوته ينساب كنسيمٍ خفيف، يترك في القلب سكينةً ويغمر الروح بطمأنينةٍ عميقة.
شرعتُ في تسابيح الختام؛ ثلاثًا وثلاثين من «سبحان الله» أطلقتها كحمائم بيضاء تحلّق في فضاء المسجد، أتبعتها بثلاثٍ وثلاثين من «الحمد لله» كأنها أنهار شكرٍ تجري في جنبات القلب، ثم ختمتُ بثلاثٍ وثلاثين من «الله أكبر» تكبيرًا يختزل كل همٍّ ويصغر أمام عظمة الخالق. رفعتُ كفيّ إلى السماء، ضارعًا إلى العلي القدير أن يحفظ فلذات كبدي، وأن يثبّتني في ساعة السؤال، وأن يتغمد برحمته أمواتي وأموات المسلمين في مشارق الأرض ومغاربها.
صافحتُ جاري في الصلاة، وهممتُ بمغادرة محراب الصفاء. التقطتُ حذائي وحمدتُ الله أنه لا يزال رابضًا في مكانه لم تختطفه يد آثمة، ثم دسستُ قدميّ فيه، وشددتُ وثاق رباطه، وأصلحتُ من شأن سروالي الذي تدلّى قليلًا. بدأتُ أهبط درجات السلم العالي للمسجد؛ تلك الدرجات الخمسين أو ربما الخمس والخمسين، من الرخام الخالص الذي نحتت أقدام المريدين والعابرين وسطه عبر السنين، حتى رسمت عليه منحنًى مخيفًا؛ إن تأملتَه من علٍ خُيّل إليك أنك تطأ نصلًا حادًا سُنّ فوق حجرٍ جُبل من ذنوب المارة وخطايا الشارع.
وفي ركنٍ من الساحة الخارجية، كانت تفترش الأرض امرأةٌ في ربيع العمر، تحتضن رضيعًا يلهو ببراءةٍ غافلة على فخذيها، بينما يعبث طفلها الآخر – الذي يكبره ببضع سنين – في الأرجاء أمام ناظريها. جلست المرأة أمام «فرشٍ» متواضع؛ باقات من عيدان البخور تبعث في الجو عطرًا خفيفًا، ولفائف من المناديل الورقية، وزجاجات صغيرة داكنة اللون تزعم أن بين جنباتها مسكًا. كان المشهد يقطر فقرًا، لكنه يفيض بكرامةٍ صامتة؛ إذ بدا أن المرأة لا تعرض بضاعتها بقدر ما تعرض صبرها على قارعة الطريق.
اندفعتُ نحوها مدفوعًا بنبضة شفقة، وقررتُ أن أبتاع منها شيئًا، مشترطًا على نفسي ألا يتجاوز السعر جنيهًا أو جنيهًا ونصفًا؛ فميزانيتي المنهكة لا تطيق ترفًا يفوق ذلك.
فجأة، لاح لي شابٌ نحيل الجسد، يرسف في قبضة رجلين غليظين، يمطرانه ضربًا مبرحًا وهو مغلول اليدين، مقيدٌ إلى أحدهما، يسحبانه ويسحلانه وسط وابلٍ من السباب والشتائم. كان الشاب في حالٍ من الذهول؛ لا ينطق، لا يتأوه، ولا يشكو مأساة حاله، بل يستسلم للقدر استسلامًا مفزعًا يثير الريبة. وبينما هما يعبران به الطريق من الجهة المقابلة، مقتربين من الرصيف المحاذي للمسجد، تملكتني غضبةٌ عارمة، وانتفض قلبي من بين ضلوعي ارتعاشًا لحظة مرورهما أمامي بهذا البؤس المشهود.
وفي تلك اللحظة المشحونة برائحة القهر، انشطر الطريق لمرور سيارةٍ فارهة، أقرب ما توصف به أنها حصيلةُ غنائم أحد لصوص "السبع نجوم". جاءت تتهادى في الاتجاه المعاكس، تصفعُ القوانين في مكمنها، وعلى مرأى ومسمعٍ من رجال الشرطة الذين غصَّ بهم الرصيفان. توقفت السيارةُ بكبرياءٍ زائف أمام محلٍ شهير لبيع شطائر اللحم، حيث كان البائع قد أعدَّ "الوليمة" لسائق "البيه" القابع في المقعد الخلفي.
تسلَّم السائق الشطائر وقدمها لسيده، الذي استوى في مجلسه يتفرج على مشهد الشاب المقبوض عليه من خلف زجاج سيارته المظلل، وكأنه يرقب عرضًا مسرحيًا. فتح "البيه" نافذة سيارته ببطء، وأخرج يده القابضة على الشطيرة، ثم أخذ يفرغ ما بها من سلطةٍ خضراء، ملقيًا بها باستخفافٍ على أسفلت الشارع، قبل أن يلتهم اللحم بقضمتين وحشيتين. كان المشهد صادمًا؛ الشطيرة تصرخُ صرخةً صامتة تحت أنيابه، بينما يُسحقُ الشاب بين فكي الجبارين، والجموع تائهةٌ في مراقبة هذا التناقض الفجّ بين بؤس الإنسان وشراهة المتخم.
خارت قواي تمامًا، فترنحتُ حتى هوت بي قدماي فوق أعلى درجة من درجات السلم الشاهق، أجلس مذهولًا أترقب المصير الذي سيحل بتلك المرأة بعدما اجترأت على فعلٍ بطوليٍّ لا يقوى عليه إلا المقهورون. طال الغياب حتى ارتفع أذان العصر، لتعود بعدها تجرُّ أذيال الخيبة الممزوجة بالدم؛ خيطٌ قانٍ يتبع خطاها، يرسم فوق بلاطات ساحة المسجد الرحبة أثرًا لا يُمحى من الوجع.
حطَّت ما تبقى من أشلاء جسدها أمام «فرشتها» المتواضعة، دون أن تنطق ببنت شفة. ضمّت رضيعها إلى صدرها المتهشم، وجسدها المنهار الذي تآكلت فواصله تحت وطأة التنكيل. حين اقتربتُ أحاول لمس بقاياها، أزاحتني بصمتٍ مهيب، وانشغلت بهدهدة رضيعها وهي تطلق تأوهاتٍ خفية تمزق نياط القلب. انسحبتُ مذعنًا لرغبتها، ودخلتُ إلى ميضأة المسجد لأغسل عن نفسي غبار المشهد؛ وهناك، ذُهلتُ حين اكتشفتُ أن خيط الدماء الذي كان يقتفي أثرها قد تسلل وارتبط بكياني، فإذا هو ينبثق من بين فخذيّ لحظة أن أهلتُ سروالي… وكأن دماءنا امتزجت في عروق القهر الواحد.
ومن فوق درجات المسجد العالية، حيث كنتُ أطلُّ على المشهد السريالي، انبثق طفلٌ صغير كأنه ملاكٌ هبط في ساحة الجحيم؛ تقدم نحو الشاب المقبوض عليه، مادًّا يده بوردةٍ برية اقتطفها من حديقة المسجد، مهديًا إياها بابتسامةٍ صافية تفيض حبًا. لكن أقدام الطغيان كانت أسرع؛ إذ ركله أحد الجبارين بقدمه الغليظة، زاجرًا إياه بسبابٍ مقذع: «أتقتطف زهرةً من حديقة المسجد؟!»
هنا، لم تطق المرأة المفترشة ساحة المسجد صبرًا؛ أودعت رضيعها في حماية جدار المسجد، واندفعت كاللبؤة الجريحة نحو الفحلين، تمزقُ لحمهما بأسنانها في ثورةٍ أنثويةٍ عارمة. كان اندفاعها أشبه بصرخة الأرض في وجه السماء المصطنعة، مقاومةً بضعفها كل جبروتٍ ينهش إنسانيتها. أما أنا، فقد بقيتُ مصلوبًا فوق درجات السلم العالي، عاجزًا عن الحراك، أتابع المشهد الأسطوري بعينين متجمدتين، مكتفيًا بكوني شاهدًا على زمنٍ يقتل الزهور ويقدّس اللحوم المنهوبة.
أصلحتُ ثيابي الممزقة، ثم هبطتُ من علياء الدرج بخطواتٍ مثقلة، لأجلس إلى جوارها على الرصيف، أبيع معها ما تبقّى من بضاعتها لكل عابر سبيلٍ أو ضالٍّ يبحث عن شيءٍ يملأ فراغه. كان الرصيف يغصّ بأصوات الباعة المتجولين، نداءاتهم تتداخل مع صخب السيارات المتهالكة التي تئنّ تحت وطأة الزحام، ورائحة الغبار ممزوجة بدخان العوادم تملأ الهواء، بينما يعلو من بعيد صوت المؤذن من مئذنة المسجد العالي، كأنه يذكّر الناس بعالمٍ آخر أكثر رحابة وانسانية.
إلى اللقاء في المقطع الثالث.............