حسن على زين العابدين يكتب: رواية السقوط لأعلى

يأتى صوت المذيعة الداخلية فى صالة المسافرين مدويًا وحادًا يعلن عن استعداد السادة المسافرين الإنتهاء من اجراءَّات السفر ، قبضت اصابع يده على حقيبة سفر كانت تجاوره وتمتلئ باشياء خاصه به، ملابس فرشة حلاقة، نظارة قراءة، غير التى يضعها فى الجيب العلوى للجاكت الذى يندسّْ بين جنباته ويتحرك ناحية طابور المسافرين الذى يراه بكل تفاصيله لقربه منه على مقاعد الإنتظار الحديدية، فى هذه الأثناء ولحظة همَّه بالتحرك تنزَّلق قدمه وتهوِّى به إلى الأرض فى لحظة بهلوانِّيه لم يحدد ملامح أى شىء اختطفته نظرات عينية بل كل ماتذكره فى هذه اللحظة عدم السيطره على نفسه وهو يسبح فى الهواء معلنًا عن نفسه أنه ورقه أو ريشه فى مهب الريح ويسقط ويصطدم برخام الأرضية وتتهشّْم عظام الفخذ ويروح فى غيبوبة لحظية لم يفقّْ منها الإ ومحقِّنة تخترق لحم فخذِّه الخلفى يشعر باآلامها ولكنه لايستطيع أن يقاومها وهام فى عالم لايتذكر منه أى شىء، من الممكن أن تخرج غدًا أو بعد غد، هل هناك من ينتظرك حتى نخبره، هذه كانت كلمات ممرضه تتابع حالته، تكرر عليه نفس العبارات ولكنه لم يجيّْبها والسبب الحقيقى أنه لايتذكر أى شخص قد يكون فى انتظاره، هروّْلت الممرضه إلى الخارج مستدعية الطبيب المعالج الذى أتى مسرعًا ويبدأ يفتح ويرفع جفُّون عينية ويحاول أن يتحدث معه ظنًا منه أنه قد يكون بداخله اصابات بالمخ، ولكنه بعدما تبادل الحوار مع الطبيب، أعاد عليه نفس عبارات الممرضه ولكنه يظل ينظر له نظرة بلهاء فاترَّه لاتحمل أى معالم، يحتُّد عليه الطبيب وهو يكرر نفس العبارة، فيضطر أن يجيبة ليس هناك من ينتظرنى !! اذن من نخبّْره كى يستلمك بعد خروجك، زادّْت بلاهته بقوله لا أعرف أى شخص، نظر الطبيب للممرضة التى تشاركه لحظة الإندهاش ويتبادل معها الحوار يبدو أنه فقد الذاكرة، استدعى طبيب آخر تخصصه المخ والأعصاب وبالفعل تّْم الكشف عليه وجاء التقرير أنه أمر مؤقت.

تتصارع بمخيلِّته بعض الأفكار الشيطانية التى تنزلق من على كاهّْل ذاكرته الشخصية وتنفجر بداخله فكرة الهروب من المشفى، فجأة يجد نفسه على رصيف الشارع بملابس المستشفى العارىِّ، لم يعط للأمر أى اهتمام.. هكذا خلقنا وهكذا سنمّْوت ونُبعث على نفس هذه الهيئة، ماالعيب لو أصبحنا جميعا عراّْه !! ماالعيب أن توحدنا جميعًا فى لحظة قد طالت منذ الولاده وحتى الممات !! ماالعيب ان انطوينا جميعا داخل لحظة البوِّح المفرط ولم يتميز شخص عن أخيه، هل تظل مراسى الحياة تتحرك فى مكانها دون أن تترك الشط، هل الماء تتبدل كل خصائصة فى لحظة اصطدامه بالمرسّْى، إن مئات العيون التى تحدُّق فى هذا الشخص العارى بعد لحظات تعتاد أن تراه على هذه الهيئة ولايصبح محط الانظار والاهتمام، بل أن الجميع لاينظر اليه نظره الاندهاش والاستغراب اعتادت الأعين أن ترى مثل هذا المنظر، وماالغريب فى ذلك انطفأ نور الشمس من كثرة اشراقه وغروبه! أم أن أعيِّن البشر المحدقيِّن قد اصيّْبوا بعطِّب كعطب التفاح، إن الموت الذى تفرِّون منه إنه ملاقيِّكم.. سيدرّْككم الموت ولو كنتم فى بروجِّ مشيِّدة ظلت هذه الآيات تطارد مخارج أحرف الضّْاد من فيِّه، وهو يجلس فى حديقة خضراء وملقى ظهره على ارضِّيتها المبتله بعض الشىء والسيارات تنطلق من حوله دون أن يعط لها أى اهتمام، قفز بنظِّره إلى جنبيِّه ليكتشف أنه يرقد فى جزيرة الشارع المؤدى إلى المطار ومن الجهة المقابلة طريق يفتح بابه لاستقبال الداخل إلى العاصمة لحظة الخروج ولحظة العودة وهو فى المنتصف هل هو مسافر إلى الخارج أم عائدًا إلى الداخل، لحظة اختيار.. اختر أيها الأبله لحظة لن تكررها الصدّْفه مرًّة أخرى، يموت الزمار وتظل النغمّْات تتراقص بعد موته تنتّْحب فقده وتنطوِّى الأنامل من على فتحات المزمار معلنة وأد حلم البوَّح، تختطف صرخة طفل رضيع كل مشاعرة رغم الإزدحام وضجِّيج السيارات من حوله وكأن الطفل صاحب هذا الصراخ يمّْد شعاع من اشعة الخوف ويطلب منه الملاَّذ والنجاة. النجَّاة من ماذا ينقلب على وجهه وكأنه يضاجع الأرض كلها تاركًا كل شىء من خلفه فى العراَّء، يسحبه شعاع الخوف إلى طفل لايرّْاه، ولكن شعاع الصوت يسحبّْه إلى بعيد بحوالى عشرة أمتار بينه وبين كومة من السواد تكوَّر داخلها وهى لاتتحرك وتضع إلى جوارها عصَّى كانت قبل ذلك فرع أخضر يطرح الحياة من حوله.

تسللت لحظات خوف مرتعِّده من هذه الكوَّمة ليجدها قطعة قماش سوداء ارتّْمت على اربعة خشبات كونت هذه الحجرة البسيطة التى ترقد فيها سيدة فى الثلاثينيات من عمرها وإلى جوارها طفل رضيِّع لايكُّف عن البكاء، لم تلاحظ السيدة مقدّْمه إلى عالمها، بل كل ماحدث أن صمت الرضيع فجاءة وظل يحدّْق فيّه بعيِّنية الواسعتين وبدأت تظهر علامات الإندهاش على حركات رأسه، من أنت ؟؟ لماذا أتيِّت إلى عالم أمى ؟ ماالذى تريِّده منا؟ كان يحاول أن يجيب على هذه الأسئلة، بل لاحظ أن صوته لايخرج من فمه، ولكنه شعر أن الرضيِّع قد سمع إجابته وفهَّم مايقصده فظل هادئًا، الوقت قد حان كى نتصَّادق أنا وأنت ؟ سمع صوت الرضيع يقول دعنِّى أفكر فى الأمر، اولأً قدّْم لىِّ مايجعلنى اوافق على طلبك.. أفاق على صوت فرامل سيارة مرعب وكل شىء أمامه قد اختفى وراحت كل اشلاء الحياة من حوله ولم يتبق الإ هو راقدًا على بطنه ولم يكمل الحوار مع هذا الرضيع الذى اختفى هو وأمه والخيمه وكل شىء من حوله..

فجأة التّْف الكّْون من حوله وكأن الجميع أتى لمشاهده هذه اللحظه التى لم يدرك ماهية ماحدث.. الأصوات اختلطت فيما بينها جمل لاتكتمل، بل أشباه كلام معقود فى عقد التِّيه مُدلّْى على صدّْر هيكل بشرى مشنوّْق على أعلى قمِّة الهرم..

واضح أنه رجل غير عادى.. ولكن لاتوجد أيَّه اوراق تدل على شخصيته.. لقد راجعنا كشف الأسماء على الطائرة كى نصل لأسم من تخلّْف ويصبح هو صاحب البيانات.. ضحك الطبيب لحظة سماعه هذا الكلام من ضابط المباحث الذى يتابع تفاصيل البحث عن هوية هذا الرجل وشعر بنوع من الإرتياح، يفُاجاءَه الضابط بقوله لم يتخلف أحد عن الرحلة والعدد كامل، يصّْاب الطبيب بحالة من الإندهاش، ويتسأل من الذى خدَّع الجميع وركب مكان هذا الرجل..

على متّْن بساط الريح الممّْتد من واقع خياله إلى أرض واقع لايجده على سطح الأرض، يتملّْمل من رقدِّته وقد زاد المرّْار فى حلقه من كثرة العقاقير التى ابتلعها اثناء نومه، كان الحلم ملىء بالكثيرين أُناس يمدَّحون اشخاص وأُناس يسُّبون آخرين دون أن يعلم السبب المباشر فى كل هذه الأحداث شعر فى لحظة أن الواقع الذى كان قد عاشه ماهو إلاحلم تناثرت أوصَّاله بين المارِّد القابع على صدره وواجب الحق الذى يستأنس به لحظة الضيق.