حسن على زين العابدين يكتب: الدوران !

.. كان يضع القُلّة في صينية القِلل على طرف الشباك المطلّ على الدوران، يراقب بعينيه كل مشهد غريب يثير فضوله الكامن بين ضلوع عمره الطويل. لم تكن هذه المنطقة بالنسبة له عادية، بل كانت أنموذجًا صغيرًا للأحداث التي يراها عبر شاشة تلفازه الأبيض والأسود، في زمن هادئ من العالم. وعلى الحائط المقابل، عند مدخل البيت، كُتبت عبارة صارخة: "حنحارب.. حنحارب."

وقف هناك، عاري الجسد، في النافذة المطلة على الدوران، زاوية رؤيته شبه منحرفة، لكنه أراد أن يظهر للجميع أنه اكتملت رجولته، وأنه قوي مفتول العضلات، يحمل في داخله قلب غول، لا يجرؤ أحد على إثارة غضبه أو الاقتراب من عالمه.

وعلى الرصيف، التقى صدفة بزميلته أمام أعين الجميع. ابتسما، وافترشا ساحة الدوران المزدحم بساطًا وثيرًا يحتضنهما بشوق وحرارة. كانت تتجرع معه درسًا في الفيزياء، أيام أزمة الثانوية العامة، حين تصادقا وتحابا وذابت أحلامهما على نهر العاشقين. لاحظ المدرس تلك العلاقة، فأخبر زوجته أن تجلس معهما إذا حضرا في غيابه، حتى لا يتركا بمفردهما. ضحكت الزوجة من سذاجته، لكنها في الحقيقة كانت تمنحهما لحظة اللقاء بعيدًا عن العيون.

كل هذه المشاهد قفزت إلى مخيلتهما حين التقت عيناهما على الرصيف، أمام شباك بيتها، حيث يقف الرجل العاري بجوار القلل. صوته وهو يتجشأ أثار الوجود من حولهما، فانتفضت هي، ولملمت سنين عمرها، وانسحبت مسرعة، بينما ظل هو يتابعها بعينيه، ليفيق على فتاة أخرى، ليل ونهار، تلقي بشباكها عليه. ينظر إليها ثم ينسحب، وعينه معلقة بشباك الرجل السمين الأصلع، جسده أشبه بكور مستديرة متراكمة فوق بعضها، أصلع من الداخل، وصلعه يمتد إلى قلبه الذي يشك أن بداخله نبض، بل ربما محرك سيارة نقل يعمل بالسولار.

كانت الأيام تمضي به كما تشاء، لا يعترض ولا يوافق، أسلم نفسه للواقع والظروف، وسار في نهرها بمجدافين من الصبر والقناعة.

وفي اليوم التالي، جلس على مقهى عند ناصية الدوران، يختار زاوية تسمح له أن يرى الشباك، القلل، والرجل الأصلع العاري الجسد، كأن المشهد أصبح جزءًا من طقوس يومه، أو نافذة يطل منها على عبثية العالم.

مضت أربع ساعات أو ربما خمس، وهو رابض في مكانه كأنه جزء من خشبة المائدة. عيناه معلقتان بذاك الشباك الموصد، يرصد طقوس الرجل الأصلع الرتيبة التي يمارسها بآلية تبعث على الرعب. وفي لحظة خاطفة، التقطت عيناه طيفًا يمرّ من خلف ذاك الرجل؛ كانت إشارة غامضة، يدًا تلوّح له بأن يرحل، بأن يبتعد عن دائرة الخطر! لكنه، وبقلبٍ أعماه الرجاء، أوهم نفسه بأنها إشارة انتظار، فظل متسمرًا في مكانه، يغزل من الأمل خيوطًا واهية.

فجأة، انشق صمت الشارع عن صرخات مدوية انبعثت من خلف الشباك، صرخات تفتت الصخر. انتفض البطل كملسوع، وسكب شايَه الملتهب فوق المائدة في نوبة ذعر أراد فيها أن يفعل المستحيل. اقترب القهوجي ببرود شديد ليمسح آثار الفوضى، وبنبرة اعتادت المآسي، قال له: "اهدأ يا بني، إنه طقسنا اليومي.. هذا السمين يضرب ابنته بدافع غيرةٍ مريضة تنهش رأسه".

اشتعلت في عروق البطل نخوة طائشة، وأراد أن يقتحم الحصن ليواجه ذاك المسخ، لكن كلمات القهوجي كانت كافية لتكبيل إرادته: "الطيب أحسن! انظر حولك، هناك الكثير ممن يجرون عاهاتهم المستديمة لأنهم تجرأوا يومًا على حمايتها". شعر حينها بضيق الكون؛ فإما الرحيل الآن أو الاستسلام للوثة عقلية ستجهز على ما تبقى من رمق روحه.

اندفع هائمًا في الشوارع، سار عاري القدمين على الإسفلت الذي يغلي، حاملًا فردتَي حذائه في يديه كمن يحمل بقايا كرامته المهدرة. تفرّس في وجوه المارة لعله يجد عينًا ترفق بحاله، لكنه صُعق بحقيقة أشد إيلامًا؛ لا أحد يراه! الكل كان منزويًا داخل "زنبيل" همومه الخاصة، تتحرك أقدامهم كآلات صماء في زحام الحياة، لا يلتفتون لغريقٍ يسير بينهم.

في تلك اللحظة، ارتفع صوت الأذان من مئذنة "الخازندار" العتيقة، كان الصوت كطوق نجاةٍ أُلقي إليه في بحر لجيّ. دلف إلى المسجد، غسل وجهه وأطرافه بماء الوضوء، فاستعاد جسده بعض برده الطاهر. انضم إلى صفوف المصلين، وبينما كان يتهيأ للدخول في حضرة الجلال، وفي تلك البرهة الفارقة بين النية والخشوع، تجسدت المعجزة؛ رأى فتاته تقف عند باب المسجد!

كانت هناك، تشير إليه بإيماءة غامضة، إيماءة سحبت روحه من جسده قبل أن ينسلّ من بين الصفوف، مهرولًا نحوها، تاركًا خلفه طمأنينة الصلاة ليواجه قلق المصير.

وقف عند البرزخ الفاصل؛ هو في الداخل، متدثرًا بطهر الوضوء وسكينة بيت الله، وهي في الخارج، محاصرة بضجيج الدنيا. التقيا في صمتٍ مهيب، فلم تكن هناك حاجة للكلمات، ولا متسعٌ لتبادل آيات الاشتياق؛ فجلال المكان وهيبة الموقف عقدا لسانيهما. نظرت إليه بنظرةٍ مشوبة بالارتباك، ثم عادت أدراجها لتقف على الرصيف المقابل، تتخبط في حيرةٍ تنهش روحها؛ كانت عيناها تفيضان بخوفٍ بكر، خوفٍ يرتعد من جلال الله، ويخشى في الوقت ذاته من طغيان ذلك "الرجل الأصلع" الكامن في الشباك، مما خلق في داخلها نشوة ذعرٍ لا توصف.

فجأة، انقطع حبل الرؤيا على صوت الإمام وهو يختم الصلاة. أفاق من ذهوله ليرى المصلين ينسابون من حوله كالنهر بعد إتمام تسابيحهم. اندس بينهم بقلبٍ واجف، خرج متأبطًا حذاءه، يفتش بعينين زاغتا من اللهفة عن طيفها على الرصيف المقابل، لكنها كانت قد ذابت؛ تلاشت بين أفئدة المصلين المهرولين، أو ربما حملتها نسمات العصر الراحل مع ذبول النهار.

اعتصرت الغصة حنجرته، فمد يده إلى مبرد الماء، ملأ "كوز" الصفيح وصبّه فوق رأسه لعلّه يطفئ نيران حيرته، شرب رشفاتٍ لم تروِ ظمأ روحه، ثم انطلق لاهثًا نحو بيتها من جديد. هناك، استقبلته "ملحمة الصراخ" ذاتها، تلك العويل الذي يمزق سكون الحي منذ بزوغ النهار.

رمقه القهوجي بنظرة سأم وهو يراه يعود لمائدته المنزوية، وبحركة آلية قدم له صينية الشاي دون أن يطلبها. مد البطل يده المرتعشة، رفع الكوب إلى فمه، وظل يتجرع السائل الملتهب بآليةٍ مخيفة؛ كان الشاي يغلي، لكنه لم يشعر بحرارته، فقد كان السعير الذي يضطرم في أحشائه أشد لظىً من أي نارٍ دنيوية.

انتزع نفسه من غيبوبة النوم بتثاؤبٍ مضنٍ، وكأنه يخرج من بئرٍ عميقة لا قرار لها. لم يكن استيقاظه مجرد بداية ليوم جديد، بل كان انبعاثًا لرجلٍ غسل النسيانُ تلافيف عقله، فلم يعد يربطه أمس سوى خيوطٍ واهية من العدم. في حالة من الذهول الحركي، دثّر جسده بردائه كمن يختبئ من عري روحه، ودسّ قدميه في حذائه بآليةٍ جوفاء، ثم اندفع نحو الخارج؛ لم يكن يسير، بل كان يهرب من سكون جدرانه إلى ضجيجٍ يجهل وجهته، مدفوعًا بحدسٍ مبهم يجرّه نحو مصيرٍ لا يملك منه فكاكًا.

وعند واجهة محل للعطور، نصبت له الأقدار فخًّا في مرآة عريضة جردته من أوهامه. تجمدت الدماء في عروقه وهو يرمق ذلك الغريب القابع خلف الزجاج؛ لم يصدق أن هذا الشحوب المنعكس هو وجهه، وأن ذاك الثلج الذي تكلل به رأسه هو شيبه الذي نما في غفلة من وعيه. شعر بوزن السنين كأحجار صلدة تتساقط من فوق عاتقه لتتحطم عند قدميه، وأدرك في لحظة صدعٍ نفسي مريرة أن قطار العمر قد عبره وهشمه، ثم تركه وحيدًا على رصيف التيه، يرقب ضياع ملامحه في زحام الزمن.