قال الله تعالى: {الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُواْ لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَاناً وَقَالُواْ حَسْبُنَا اللّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ فَانقَلَبُواْ بِنِعْمَةٍ مِّنَ اللّهِ وَفَضْلٍ لَّمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ وَاتَّبَعُواْ رِضْوَانَ اللّهِ وَاللّهُ ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ} [آل عمران: 173-174].
ليست هذه الآيات مجرد كلمات تُتلى عند الشدائد، بل هي منهج حياة وعقيدة راسخة للمؤمنين، فالتوكل على الله لا يعني انتظار النتائج دون عمل، وإنما يعني الثقة بالله سبحانه، والثبات على الحق، والأخذ بكل أسباب القوة والحماية والدفاع.
وعندما ننظر إلى ما يجري اليوم في منطقتنا، فإننا لا نستطيع قراءة الأحداث بمعزل عن الدور الإيراني الذي اعتمد منذ سنوات على بناء جماعات مسلحة وميليشيات تعمل خارج سلطة الدول، وتتحرك في ساحات متعددة وفق مصالح إقليمية تتجاوز حدود البلدان التي توجد فيها. وقد وثقت تقارير أمريكية رسمية دعم إيران للحوثيين في اليمن، ولجماعات مسلحة موالية لها في العراق وسوريا، ولحزب الله في لبنان، من خلال التمويل والتدريب والتسليح والدعم العملياتي.
ومن هنا فإن ما يحدث في اليمن والعراق ولبنان وغيرها لا يمكن النظر إليه باعتباره أحداثاً منفصلة تماماً؛ فهناك سياسة إيرانية اعتمدت على أدوات وحروب بالوكالة، بما يسمح لطهران بممارسة الضغط وتهديد خصومها دون الدخول دائماً في مواجهة مباشرة. والحقيقة أن هذه السياسة لم تحقق الاستقرار لأي دولة دخلت إليها، بل أسهمت في إضعاف مؤسسات الدولة، وإطالة أمد النزاعات، وتحويل بعض المجتمعات إلى ساحات صراع مفتوحة.
وتأتي جماعة الحوثي في اليمن باعتبارها أحد أبرز نماذج هذا المشروع. فالدعم الإيراني لها ليس مجرد اتهام سياسي عابر، بل تؤكده تقارير دولية وأمريكية تحدثت عن توفير السلاح والتدريب والتمويل والمساندة، وعن استخدام الجماعة للصواريخ والطائرات المسيرة في استهداف منشآت ومواقع داخل المملكة العربية السعودية وفي تهديد الملاحة الدولية.
وما تشهده المنطقة في الآونة الأخيرة يعيد طرح سؤال بالغ الأهمية حول الموقف الأمريكي نفسه.
ففي 22 يناير 2025 أصدر الرئيس الأمريكي دونالد ترامب أمراً تنفيذياً بدأ بموجبه إجراءات إعادة جماعة الحوثيين إلى قائمة المنظمات الإرهابية الأجنبية، وقد وصف البيت الأبيض الجماعة بأنها مدعومة من الحرس الثوري الإيراني، وأشار إلى هجماتها ضد المصالح الأمريكية والدول الشريكة والملاحة الدولية.
لكن المشهد اليوم يثير تساؤلات كثيرة، ففي 12 سبتمبر 2026 أعلن الرئيس الأمريكي أن الحوثيين تواصلوا مع إدارته، وأنهم لا يريدون تدخلاً أمريكياً مباشراً في الصراع، في وقت تتعرض فيه المملكة لتهديدات وهجمات من قوى مرتبطة بإيران.
وهنا يحق لنا أن نتساءل: كيف تنتقل جماعة صُنفت منظمة إرهابية أجنبية، ووصفت بأنها تهدد الأمن والملاحة والمصالح الأمريكية وشركاء الولايات المتحدة، إلى طرف يجري التواصل معه بينما تتعرض دولة بحجم المملكة العربية السعودية ومكانتها لتهديدات أمنية مباشرة.
العجيب في ذلك هو الاتصال السياسي في حد ذاته، فالدول تتواصل حتى مع خصومها عندما تقتضي المصالح ذلك، ولكن التساؤل يتعلق بنتيجة هذا التواصل وموقف واشنطن العملي من الاعتداءات. فهل يصبح المطلوب من الجماعة فقط ألا تستهدف المصالح الأمريكية، بينما يُترك حلفاء الولايات المتحدة وشركاؤها يواجهون الخطر بأنفسهم؟
إن كانت هذه هي المعادلة، فإنها تستحق المراجعة؛ لأن الإرهاب لا يتغير توصيفه بحسب هوية المستهدف، والخطر الذي يهدد منشأة سعودية أو مدينة سعودية أو ممراً دولياً للملاحة لا ينبغي أن يصبح أقل خطورة لمجرد أنه لم يصل إلى الأراضي الأمريكية.
بل إن مصالح الولايات المتحدة نفسها، ومصالح بقية دول العالم، ترتبط ارتباطاً وثيقاً بأمن المملكة العربية السعودية واستقرارها. والمملكة ليست مجرد دولة مؤثرة إقليمياً، بل قوة اقتصادية وسياسية وطاقة عالمية، واستقرارها جزء من استقرار أسواق الطاقة والتجارة الدولية. وقد أظهرت الأحداث الأخيرة مدى تأثير الاعتداء على البنية التحتية النفطية السعودية في إمدادات الطاقة العالمية، وهو ما يجعل حماية أمن المنطقة والممرات البحرية، مسؤولية لا تخص المملكة وحدها.
ومن هنا فإن وقوف أي قوة دولية موقف المتردد أو المتفرج أمام تهديدات الجماعات المسلحة لا يضر بالمملكة وحدها، وإنما قد تكون آثاره ممتدة إلى الاقتصاد العالمي وأمن الطاقة والملاحة وسلاسل الإمداد.
ومع ذلك فإن المملكة العربية السعودية لم تبن أمنها يوماً على انتظار الآخرين، ولم تجعل حماية وطنها رهناً بتغير مواقف الدول وتحالفاتها. فمن طبيعة العلاقات الدولية أن تتغير المصالح وتتبدل الحسابات، أما الأوطان فلا تحميها بعد الله، إلا قوتها ووحدتها وإرادة قيادتها وشعبها.
والمملكة دولة تمتلك من الثقل السياسي والاقتصادي والجغرافي والعسكري ما يجعلها قادرة بإذن الله على حماية سيادتها ومقدراتها، وبناء علاقاتها وتحالفاتها على أساس المصلحة المشتركة والاحترام المتبادل. وهي لا تبحث عن حرب ولا تدعو إلى صراع، لكنها في الوقت ذاته لا يمكن أن تقبل بأن تتحول حدودها ومنشآتها ومدنها إلى أهداف لمشروع إقليمي يستخدم الجماعات المسلحة لتحقيق أغراضه.
لقد أثبتت المملكة في مراحل متعددة أنها تعرف متى تصبر، ومتى تتحرك، ومتى تستخدم أدوات السياسة والدبلوماسية، ومتى تدافع عن مصالحها بما يحفظ أمنها واستقرارها. وقوتها الحقيقية لا تقوم على السلاح والاقتصاد وحدهما، بل على منظومة متكاملة في مقدمتها الإيمان بالله، ثم قيادة الدولة، ووحدة الشعب، وصلابة مؤسسات الوطن.
وهنا تعود الآية الكريمة لتضع أمامنا ميزاناً لا يتغير بتغير السياسات الدولية ولا بتبدل مواقف الحلفاء: {حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ}.
فهي ليست كلمة ضعف أو استسلام، وإنما كلمة ثقة وثبات وقوة، وتوكل على الله يتبعه أخذ بالأسباب، وإيمان يرافقه استعداد، ويقين بأن الله سبحانه هو الحافظ والناصر، وأن الوطن الذي يحمي وحدته ويصون سيادته ويثق بقدراته لا تهزه تهديدات الميليشيات ولا تقلبات السياسة الدولية.
وإن كانت التحالفات تتغير، والمصالح تتبدل، والمواقف الدولية قد تتناقض بين الأمس واليوم، فإن ثوابت المملكة لا تتغير: الله أولاً، ثم الوطن وقيادته وأمنه وسيادته ومصالح شعبه.
وحين تتعدد التهديدات من هنا وهناك، ويظن البعض أن كثرة الأدوات والميليشيات قد تغير موازين القوة، يبقى جواب المؤمن الواثق بربه، والوطن الواثق بقدراته: {حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ}.
قال الله تعالى: {الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُواْ لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَاناً وَقَالُواْ حَسْبُنَا اللّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ فَانقَلَبُواْ بِنِعْمَةٍ مِّنَ اللّهِ وَفَضْلٍ لَّمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ وَاتَّبَعُواْ رِضْوَانَ اللّهِ وَاللّهُ ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ} [آل عمران: 173-174].
ليست هذه الآيات مجرد كلمات تُتلى عند الشدائد، بل هي منهج حياة وعقيدة راسخة للمؤمنين، فالتوكل على الله لا يعني انتظار النتائج دون عمل، وإنما يعني الثقة بالله سبحانه، والثبات على الحق، والأخذ بكل أسباب القوة والحماية والدفاع.