حرب المسيّرات: كييف وموسكو في مواجهة تمتدّ إلى العمق…

.اشترك في نشرتنا الإخبارية لتحصل على أهم و أبرز أخبار اليوم

حسم الحرب وإنهاؤها يبقى مرتبطاً في النهاية بالقرار السياسي، لا بالتفوق التكنولوجي وحده.

تحولت الحرب الروسية ـ الأوكرانية إلى مواجهة متصاعدة في السماء، بعدما أصبحت الطائرات المسيّرة إحدى أهم أدوات الطرفين لضرب العمق المقابل واستهداف المنشآت الحيوية، في وقت لم تحقق فيه العمليات البرية تحولاً حاسماً ينهي الحرب المستمرة منذ أكثر من أربع سنوات. ولم تعد المسيّرات سلاحاً مساعداً على خطوط الجبهة، بل أصبحت وسيلة لشن هجمات بعيدة المدى تطال البنية التحتية وقطاع الطاقة والمطارات والمنشآت الصناعية ومراكز الإمداد.وفي الأيام الأخيرة، بلغ التصعيد مستوى لافتاً عندما أعلنت موسكو إسقاط أكثر من ألف مسيّرة أوكرانية خلال موجة هجمات واسعة، بينها مئات كانت متجهة نحو موسكو. وتحدثت السلطات الروسية عن أضرار لحقت بمصفاة نفط ومبانٍ سكنية، إضافة إلى سقوط قتلى وجرحى.

تسعى أوكرانيا، من خلال تطوير المسيّرات البعيدة المدى، إلى توسيع نطاق الحرب داخل الأراضي الروسية، مستهدفة خصوصاً المنشآت النفطية واللوجستية ومصانع إنتاج الأسلحة. وترى كييف أن ضرب هذه المواقع يمكن أن يرفع كلفة الحرب على موسكو ويؤثر في قدرتها على مواصلة العمليات العسكرية.وتكشف الهجمات الواسعة النطاق عن تطور القدرة الأوكرانية على إطلاق أعداد كبيرة من المسيّرات بصورة متزامنة، ما يضع الدفاعات الروسية أمام موجات يصعب اعتراضها بالكامل، ويجبر موسكو على توزيع قدراتها الدفاعية على مساحة جغرافية واسعة.

في المقابل، تعمل روسيا على زيادة أعداد المسيّرات وتحسين قدراتها، بما في ذلك استخدام نماذج تعمل بمحركات نفاثة وتحلق على ارتفاعات أعلى وبسرعات أكبر من النماذج التقليدية، ما يصعّب مهمة الدفاعات الجوية الأوكرانية.وتستخدم موسكو هذه المسيّرات ليس فقط لضرب أهداف محددة، بل أيضاً لإرهاق منظومة الدفاع الجوي الأوكرانية عبر موجات كثيفة ومتواصلة، تستنزف الذخائر والكوادر وتفرض على كييف توزيع وسائل الاعتراض على مناطق واسعة.

تكشف طبيعة الهجمات المتبادلة أن المسيّرات أصبحت جزءاً أساسياً من استراتيجية الاستنزاف. فروسيا تستهدف الموانئ ومحطات السكك الحديدية والمنشآت الصناعية ومراكز التخزين الأوكرانية، بينما تركز أوكرانيا على قطاع الطاقة والنفط والمنشآت العسكرية داخل روسيا.ولا تقتصر آثار هذه الهجمات على الأهداف العسكرية، إذ يدفع المدنيون ثمن التصعيد من خلال سقوط الضحايا وتضرر المباني والمنشآت وتعطيل النشاط الاقتصادي في البلدين.لقد تحولت الحرب إلى سباق تكنولوجي بين القدرة على تصنيع المسيّرات والقدرة على اعتراضها. فكلما طورت كييف وسائل هجومية بعيدة المدى، سعت موسكو إلى زيادة الإنتاج وتحسين السرعة والارتفاع والقدرة على تجاوز الدفاعات، فيما تعمل أوكرانيا على تطوير مسيّرات اعتراضية ووسائل دفاع أقل كلفة.

أصبحت المسيّرات أداة استراتيجية تسمح بإيصال الحرب إلى مسافات بعيدة كانت تتطلب في السابق صواريخ أكثر تكلفة أو طائرات مأهولة. كما أن انخفاض كلفة إنتاجها وإمكانية تصنيعها بأعداد كبيرة جعلاها عنصراًص مهماً في حسابات الطرفين العسكرية والاقتصادية.ولذلك لم تعد المعركة مرتبطة فقط بامتلاك التكنولوجيا، بل أيضاً بالقدرة الصناعية على إنتاج أعداد كبيرة منها، وتطوير وسائل دفاع قادرة على إسقاطها بكلفة أقل من كلفة استخدامها.

على الرغم من قدرتها على إلحاق أضرار بالبنية التحتية ورفع كلفة العمليات العسكرية وإرهاق الدفاعات الجوية، لا تستطيع المسيّرات وحدها تغيير خطوط الجبهة أو فرض تسوية سياسية. ولهذا أصبحت حرب المسيّرات جزءاً من حرب استنزاف طويلة الأمد، يسعى فيها كل طرف إلى إضعاف قدرة الآخر على مواصلة القتال.في النهاية، تحولت سماء روسيا وأوكرانيا إلى جبهة رئيسية في الصراع، وأصبحت التكنولوجيا والإنتاج الصناعي والقدرة على التكيف عوامل أساسية في استمرار الحرب. ومع استمرار تطوير المسيّرات ووسائل اعتراضها، يتجه هذا النوع من القتال إلى مزيد من التعقيد، لكن حسم الحرب وإنهاءها يبقى مرتبطاً في النهاية بالقرار السياسي، لا بالتفوق التكنولوجي وحده.

-المقاربة الواردة لا تعكس بالضرورة رأي مجموعة "النهار" الإعلامية.

كانت عائلتها توثّق تفاصيل حياتها اليومية، من اللعب وحضور مواعيدها الطبية، إلى قضاء الوقت مع أفراد عائلتها.