حرب إيران تهدد الصناعة في الصين… والأسواق في العالم

.اشترك في نشرتنا الإخبارية لتحصل على أهم و أبرز أخبار اليوم

اندلاع حرب إيران وما تبعه من إغلاق مضيق هرمز وتشديد الحصار الأميركي على الموانئ الإيرانية، وضع النموذج الصناعي الصيني في مواجهة اختبار وجودي.

منذ سنوات، مثّل النفط الإيراني شريان الحياة السري والعلني لاستراتيجية الصين الصناعية: اعتمدت بكين على شراء النفط الخاضع للعقوبات بأسعارٍ تفضيلية وتسويات مالية باليوان الصيني، ما وفّر لها ميزتين استراتيجيتين: خفض تكاليف الإنتاج لمنافسة الغرب، وتحصين نظامها المالي ضد هيمنة الدولار. إن اندلاع حرب إيران وما تبعه من إغلاق مضيق هرمز وتشديد الحصار الأميركي على الموانئ الإيرانية، وضع هذا النموذج الصناعي في مواجهة اختبار وجودي. هل توقف النفط الإيراني بوصفه وقوداً للتنافسية الصينية؟عملت الصين سنوات كثيرة كأكبر شريكٍ تجاري لإيران، وحافظت على علاقات تجارية ضخمة معها رغم العقوبات الدولية. في 2025، بلغت التجارة الثنائية الرسمية 9,96 مليارات دولار، لكن هذا الرقم يتجاهل حقيقة أن صادرات النفط الخام غير المبلّغ عنها تجاوزت قيمتها 31,2 مليار دولار في العام نفسه، بحسب لجنة المراجعة الاقتصادية والأمنية الأميركية - الصينية. إن دمج هذه الصادرات غير الرسمية يجعل الصين مسؤولةً عن أكثر من 75% من إجمالي تجارة إيران الخارجية، ما يحول بكين إلى الممول الرئيسي والوحيد تقريباً للنظام الإيراني.تعتمد آلية الشراء الصينية على استغلال العزلة الإيرانية للحصول على خصوماتٍ سعرية حادة تراوح بين 8 إلى 10 دولارات للبرميل أقل من أسعار السوق. في 2025، استوردت الصين 1,4 مليون برميل يومياً من إيران (12% من إجمالي وارداتها النفطية).

تقني في شركة تصنع بطاريات الليثيوم في هوايبي، بمقاطعة أنهوي بشرق الصين. (أ ف ب)

ما كانت هذه الإمدادات مجرد مادة خام، بل كانت "وقوداً سياسياً" يُدفع عبر نظام المقاصة الصيني (CIPS) ومنصات العملات الرقمية للبنوك المركزية (mBridge) لتجنب الرقابة المالية الأميركية، وهذا ساهم في تعويم اليوان الصيني كعملة تسوية دولية.وفرت هذه الترتيبات للصين قدرةً فريدة على المنافسة في قطاعات تستهلك طاقة كثيفة: الذكاء الاصطناعي والصناعات المعدنية. وبينما كان الغرب يعاني من تكاليف طاقة مرتفعة نتيجة التحولات الخضراء والتوترات الجيوسياسية، كانت المصانع الصينية تعمل بمدخلاتٍ رخيصة سمحت لها بإغراق الأسواق العالمية بمنتجات مدعومة طاقياً.ما تداعيات إغلاق مضيق هرمز والحصار البحري؟في 4 آذار/مارس 2026، اتخذ النزاع مع إيران منحىً كارثياً بإغلاق مضيق هرمز، الذي يعبره 20 مليون برميل من النفط يومياً. بالنسبة إلى الصين، كان هذا إغلاقاً لصمام القلب، فنحو نصف وارداتها النفطية يمر بهذا المضيق. ولم يتوقف الأمر عند هذا الحد، بل فرضت القوات الأميركية حصاراً بحرياً على الموانئ الإيرانية في 13 نيسان/أبريل 2026، ما أوقف تماماً تدفق "النفط المظلل" الذي كانت تعتمد عليه بكين.تسببت هذه الحوادث بنقصٍ فوري في إمدادات النفط الإيراني للصين، بمقدار يراوح بين 1 إلى 1.4 مليون برميل يومياً، بحسب أليشيا غارسيا-هيريرو في مقالتها "ماذا تعني الحرب في إيران بالنسبة الى الصين" في موقع "بروغل". ورغم أن الصين كانت قد استعدت بزيادة مخزوناتها النفطية بنسبة 16% في أوائل 2026، فإن هذه المخزونات تعجز عن تعويض انقطاعٍ طويل الأمد في مسار يمثل ثلث إجمالي استهلاكها النفطي الوطني.كيف ترزح المصانع الصينية تحت وطأة الخسائر؟لأول مرة منذ ثلاث سنوات، تحول مؤشر أسعار المنتجين (PPI) في الصين إلى النمو الإيجابي بنسبة 0.5% في آذارمارس 2026، منهياً 41 شهراً من الانكماش السعري. ربما يبدو هذا الارتفاع إيجابياً في الظروف العادية، لكنه يمثل في السياق الحالي "تضخماً مستورداً" ناتجاً من ارتفاع تكاليف المواد الخام والطاقة، وليس من قوة الطلب.تشير البيانات إلى أن نحو 30% من الشركات الصناعية الصينية تعمل حالياً بخسارة، وتزداد هذه النسبة في القطاعات ذات الأصول العالية النمو لتصل إلى 34%، وهذا يعكس فشل نموذج "الالتفاف" (Involution) القائم على خفض الأسعار للبقاء في السوق.أدى هذا الارتباك إلى قفزةٍ بنسبة 3.6% في أسعار شراء الوقود والقوى المحركة، بينما سجلت تكاليف وقود النقل زيادةً شهرية بنسبة 10% في آذار/مارس وحده. إن المصانع الصينية التي كانت يوماً ما توفر بضائع رخيصة للعالم، تجد نفسها اليوم مجبرة على رفع الأسعار أو مواجهة الإفلاس، وهو ما بدأ يحدث بالفعل في مقاطعتي شاندونغ وجيانغسو حيث فشل العديد من الشركات الصغيرة والمتوسطة في سداد أجور عمالها أو الوفاء بعقود التوريد.كيف يتمثل ارتباك سلاسل الإمداد العالمية؟عندما ترتبك المصانع الصينية، يشعر العالم بأسره بالهزة. في 2026، واجهت سلاسل الإمداد العالمية ما وصفته وكالة الطاقة الدولية بأنه "أكبر اضطرابٍ في تاريخ سوق النفط العالمية". إعادة توجيه السفن بعيداً عن منطقة الصراع والبحث عن موردين بدلاء للصين رفعت تكاليف اللوجستيات إلى مستويات غير مسبوقة.تأثرت الصناعات العالمية بنقص المكونات الحيوية مثل الأمونيا والألمنيوم والهيليوم، والتي يمر جزء كبير من تجارتها عبر مضيق هرمز، بحسب ستيفان كيز في بحثه "ما هو تأثير مضيق هرمز على الإمدادات العالمية وماذا يجب أن تفعل الشركات الآن؟". كذلك توقفت المصانع في دول مثل فيتنام وتايلاند، التي تعتمد على مدخلات صينية مثل لوحات الدوائر المطبوعة، بسبب تعطل الموردين الصينيين الأوائل.ما هي مؤشرات الاضطراب اللوجستي العالمي؟- تكاليف الشحن: ارتفعت أسعار العقود لخطوط آسيا - أوروبا بشكلٍ حاد، مع فرض رسومٍ موسمية إضافية لتأمين مساحة على السفن.- أوقات العبور: إضافة أسبوعين إلى ثلاثة أسابيع للرحلات البحرية التي تلتف حول أفريقيا، ما تسبب بتراكم المخزونات في الموانئ ونقصٍ في سعة المستودعات.- التأمين البحري: تضاعفت أقساط التأمين ضد مخاطر الحرب لتصل إلى 0.4% من قيمة السفينة، مما يضيف ربع مليون دولار على كل رحلة لناقلة نفط عملاقة.

عمال فوكسكون يجمعون أجهزة آيفون في شنتشن جنوب الصين. (اسوشيتد برس)